"البوركيني" فزاعة فرنسا الجديدة !
الرئيسية » اخبار » “البوركيني” فزاعة فرنسا الجديدة !

البوركيني
البوركيني
اخبار اخبار منوعة عالم

“البوركيني” فزاعة فرنسا الجديدة !

أثارت الهجمات الإرهابية المتتالية في فرنسا جدلا سياسيا وأمنيا واسعا في البلاد بالنظر إلى التحديات الكبيرة التي باتت على أجندات المسؤولين، لكنها أثارت في المقابل أيضا نقاشات وسجالات جديدة ظاهرها اجتماعي وجوهرها سياسي. ونعني انشغال مدن فرنسية عديدة بإصدار قرارات تمنع ارتداء زي السباحة الإسلامي (البوركيني) و يثيره اليوم من جدل انحصر أساسا بين عما إذا كانت هي فعلا محاولة من هذا البلد لحماية علمانيته أو أنه بمثابة الإعلان عن محددات جديدة لحياة المسلمين في هذه البلدان.

وحظر عدد من رؤساء البلديات في فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة السباحة بـ”البوركيني”، ما مثيرا جدلا بين أنصار تطبيق العلمانية في الفضاء العام والمدافعين عن حرية التعبير. وعبر رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس عبر عن دعمه لهذه القرارات معتبر أن”الشواطئ على غرار كل المساحات العامة يجب أن تكون خالية من المظاهر الدينية”، مشددا على أن الـ”بوركيني” هو “ترجمة لمشروع سياسي ضد المجتمع مبني على اضطهاد المرأة “، وأضاف أن مسألة منع لباس البحر الإسلامي لا يتطلب تعديل التشريع الفرنسي القائم.

وذكر فالس بأنه في عام 2004 قد صوت لمصلحة منع المظاهر الدينية في المدارس، وفي عام 2010 لمصلحة منع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، مستبعداً في المقابل تشريع منع ارتداء “البوركيني”.

وأثار موقف فالس ردود فعل مختلفة بين من وجد مبررا لهذه التصريحات معتبرا انه توجه لا يتعارض مع المنطلقات الكبرى المعلنة في هذا البلاد والتي تمنع ارتداء الأزياء التي تعكس الانتماءات الدينية في الفضاءات العامة والشواطئ هي احد هذه المرافق المقصودة.

وإذا كانت المسلمين قد تمكنوا من كسر القاعدة في بلدان مثل فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية على مقاعد الدراسة، بالنظر لتمكينهم من مزاولة التعليم بالحجاب، فإنه يبدو أن هناك توجه نحو تشديد الخناق في الفضاءات العامة لعدة اعتبارات اجتماعية وسياسية وأمنية معا.

اعتبارات اجتماعية وأمنية وسياسية

اجتماعيا لان هذه الدول التي أسست لثقافات ومنطلقات حياة يومية محددة تخشى من سطوة بعض العادات والأوجه الجديدة أو التي قد تبدو حتى غريبة في بعض الأحيان، ولهذا يجدون أنهم مدعوون لحماية ما أسسوا له طيلة عقود طويلة من بعض المظاهر المتطفلة في نظرهم. ولكن هذا المنطق على وجاهته في تقدير بعض المراقبين إلا انه يسقط في فخ ضرب الحريات الشخصية والاعتداء على حرية المرء رغم أن هذه الحريات كانت دائما حقوق مكتسبة في الغرب ومحل فخر بالنسبة لهم. وهنا يبقى الغرب بين خيارين اثنين إما الالتزام ودر في دساتيرهم ومرجعياته الفكرية والقانونية أو الاتجاه نحو التخلي عن الخطابات الرنانة المشيدة بدعمهم لحقوق الإنسان والحريات العامة وغيرها.

أمنيا تسعى فرنسا بعد الهجمات الإرهابية التي استهدفتها في الشهور الأخيرة، وخلفت مئات القتلى والجرحى إلى محاصرة التطرف الديني “الإسلامي” وفق أساليب وخطط مختلفة. ولهذا تم إدراج مسالة منع أزياء الشاطئ التي تدل على انتماء ديني في قائمة المنع والتي تصدرها زي “البركيني” الإسلامي.

وقد علق رئيس بلدية كان في هذا الصدد بقوله “في الوقت الذي يهاجم فيه الإرهابيون أماكن العبادة في فرنسا، فإن من شأن الأزياء التي تعكس الانتماء الديني أن تخلق مشكلات أمنية كالمواجهات وغيرها من أشكال الصدام”. وسانده في الرأي المدير العام للخدمات في نفس البلدية بقوله “البركيني رمز الانتماء لحركات إرهابية أعلنت فرنسا الحرب عليها”.

ويرى المراقبون أن الأجواء العامة في فرنسا عقب الهجمات الإرهابية باتت غاية في الدقة وطرحت آليات تعامل جديدة مع عدة معطيات ولا سيما مع كل ما هو إسلامي. حيث بات هذا الانتماء محل شك دائم لا فقط بالنسبة للأمنيين وإنما حتى بالنسبة للشعب عموما. ولهذا يعتبر هؤلاء أن قرار منع زي “البركيني” يندرج أساسا ضمن حملة التشكيك الموجهة للمسلمين.

وعليه أصبح المسلمون في هذه الدول مطالبين بالتفكير في أنماط جديدة تسهل عملية التعايش في هذه الأوساط دون أن توضع في خانة الاتهام وربما الاستهداف في مراحل متقدمة. ولا يبدو أن شعارات الحريات الشخصية ستكون مجدية أمام المقتضيات الأمنية.

ولكن يقدر المتابعون أن الاعتماد المطلق على الهاجس الأمني واتخاذه كشماعة لمختلف القرارات والرؤى ولا سيما تلك التي تستهدف فرقا أو ديانات بعينها، ستكون لها تبعات تتضارب تماما مع انتظارات مروجي هذه القرارات. إذ يرجح هؤلاء أن تتفاقم التوترات والصراعات التي تحركها النزعات الدينية وتهدد جو التآلف الاجتماعي السائد، نظرا لحتمية سريان مشاعر التضييق على ديانة ما لصالح ديانات أخرى على حد تقديرهم.

كما سيؤدي في نظرهم إلى صعوبة تأقلم المسلمين داخل هذه المجتمعات ويفاقم التوجه نحو التطرف، نظرا لأن جل الدراسات والتقارير أكدت أن المتطرفين والإرهابيين الذين انضموا إلى الجماعات الإرهابية أو انخرطوا في تنفيذ هجمات في دول غربية يعانون من صعوبة التأقلم في هذه البلدان، ويشعرون بعدم التقدير، وعدم منحهم حقوقهم كما ينبغي.

سياسيا، ما من شك أن مختلف التيارات السياسية في فرنسا اليوم تبحث عن ملف أو قضية شديدة التأثير على الفرنسيين لدخول حرب الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2017. والأكيد أن الإرهاب المرتبط بالمتطرفين المسلمين هو الهاجس المحوري في هذا البلد، وبالتالي فإن إثارة زوبعة زي “البركيني” في هذا التوقيت ستكون القضية الأبرز نظرا لربطها بمسألة التطرف الإسلامي وما رافقه من تهويل.

وتقول بعض التقارير أن الأوروبيين والفرنسيين خاصة يعتبرون الهاجس الأمني أحد ابرز قضاياهم ومشاكلهم الكبرى اليوم، ويعتبرون أن الإسلام هو احد الأسباب الكبرى في تهديد أمنهم. وقد زاد ركوب السياسيين لهذه الموجة من تعميق الأزمة وتحويلها إلى قضية خلافية كبيرة تهم كل الفرنسيين.

ولكن يبدو أن السلطات الفرنسية باتخاذها قرارات منع “البوركيني” لا تنتبه انها تقدم هدية لليمين الفرنسي المتطرف، الذي كان من أبرز الداعمين والمرحبين للمنع، وسيستخدمونه كذريعة جديدة لإقناع الفرنسيين بوجاهة حملاتهم المناوئة للمسلمين. وربما تحمل الانتخابات القادمة مفاجأة صعود اليمين المتطرف ما دامت القضية الجوهرية لحملات السياسيين المبكرة هي استهداف أحد مقومات الحياة اليومية للمسلمين في بلد كفرنسا وإجبارهم على انتهاج مسار جديد يتطابق مع خيارات ونمط حياتهم.

وائل فتحى

اضف تعليق

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *