السلطان ينتقم من خصومه.. والغرب يعرب عن قلقه
الرئيسية » اخبار » السلطان ينتقم من خصومه.. والغرب يعرب عن قلقه

السلطان اردوغان
السلطان اردوغان
اخبار رئيسى عالم

السلطان ينتقم من خصومه.. والغرب يعرب عن قلقه

image_pdfimage_print

ليس غريبا أن تأتي من كل مكان تحذيرات للرئيس التركي رجب طب اردوغان من السماح لنفسه باستغلال نجاحه في إحباط محاولة الانقلاب لقمع خصومه، والتفكير في تغيير القانون لإعدامهم، كما تفيد بذلك بالونات الاختبار عن فكرة “إعدام الخونة”، التي ألقى بها قادة النظام الإسلامي في الشارع، مستغلين حالة من الهياج العاطفي بين الأتراك من أنصار حزب العدالة المنتشين بنجاة “السلطان”، للبحث عن شرعية ما لهذه الفكرة التي قد تكون الوسيلة الأنجع في تقديرهم، لبسط سلطتهم الدينية وإخراس الاصوات المعارضة وإلى الأبد.

ويقول محللون إن إردوغان وبعد أن تمكن من قمع المحاولة الانقلابية، فإنه ربما سيصبح أكثر تشكيكا وحذرا، وسيرى المؤامرات في كلّ شيء، مما يعني المزيد من القمع لتركيا.

لكن قبل الخوض في طبيعة ردود أفعال أردوغان في المستقبل وتوجهاته القمعية، ثمة سؤال مايزال في حاجة للإجابة عنه بشكل قد يضيء جانبا من الحقيقة حول الاسباب التي أوصلت اردوغان ونظامه الإسلامي إلى هذه الورطة رغم أنه استطاع أن يتداركها مرحليا.

هذا السؤال هو ماالذي أوصل “السلطان” إلى هذه الحالة من ترهل سلطته وسلطة حزبه الإسلامي، بينما كان يظن أن تركيا قد باتت تدين لهما بالولاء على نحو لا رجعة فيه؟

ويغيب عن العرب من أنصار الديمقراطية في تركيا وأغلبهم من أنصار جماعة الإخوان، أن محاولة الانقلاب تلك لم تكن الا حلاّ أخيرا بالنسبة لجزء كبير من الأتراك لم يترك لهم اردوغان خيارا دستوريا واحد يمكن أن يمارسوا من خلاله حقهم في منع اختطاف بلدهم من الإسلاميين وبشكل لا رجعة فيه.

ويقول مراقبون إن الذين خططوا للانقلاب ضد أردوغان ربما كانوا يعتبرون أن هذا خيارهم الوحيد المتبقي، وأنهم يحمون تركيا من حكم أيديولوجي تتزايد قوته باستمرار، بينما يستمر في عدم الوفاء بوعوده.

ويضيف هؤلاء المحللون أن اردوغان وعد بتحقيق السلام لكنه أخلف وعده. ووعد الأتراك بتمثيلهم جميعا، لكنه انتهى الى التعبير يعبر فقط عن فئة بعينها من الشعب التركي.

وكانت سياساته العدائية هي القشة التي قصمت ظهر البعير بعد أن ادت إلى عزل تركيا وفصلها عن الغرب وجلبت لها الانفجارات في عقر داره. هذا عدا عن الفساد المستشري في الاقتصاد التركي والعملة غير مستقرة، رغم وعوده بإصلاح الأمر.

ومن سخريات القدر، أنه لو لا الانقلاب العسكري الذي حدث في تركيا والذي دبره الجيش عام 1980 لما كان أردوغان قد استغل نجاحاته الانتخابية المتوسطة للتغول داخل الساحة السياسية في تركيا. وهو من هذه الناحية يدين بحظه في هذا النجاح للجيش التركي الذي أبى عليه اليوم أن يسحب منه هذا الحظ.

بعد ذلك الانقلاب حاول الجيش منع تشكيل برلمان منقسم متكون من أحزاب صغيرة قد تعيق الحكومة، لهذا شمل الدستور الجديد الذي وضعه الجيش بندا يحتم على الأحزاب الحصول على 10% من الأصوات، كحد أدنى لدخول البرلمان.

الجيش أصل هيمنة الإسلاميين
وكان حزب العدالة والتنمية قد استفاد من هذا البند بشكل كبير في انتخابات العام 2002. في هذه الانتخابات فاز حزب العدالة والتنمية بـ34% من أصوات الناخبين. وحصلت 5 أحزاب على ما بين 5% و9% من أصوات الناخبين، طبقًا للدستور كان يجب أن تتم إعادة توزيع المقاعد التي حصلوا عليها.

وكانت الأعوام التي سبقت هذا الفوز، تعج بفضائح الفساد والأزمات المصرفية، كما شهدت انخفاضا كبيرا لليرة أمام الدولار. لهذا قرر الناخبون الأتراك أن يجربوا حزبا جديدا؛ ليس لأنهم يدعمون بالضرورة نفس القناعات الدينية والاجتماعية والمحافظة التي يتبناها حزب العدالة والتنمية، بل لأنهم أرادوا تغييرا.

وهكذا فإن حزب العدالة والتنمية الحاصل أصلا في تلك الانتخابات على ثلث الأصوات، قد حصل بالمقابل على وزن قدره ثلثا البرلمان. وكان أردوغان قد اتهم بالتحريض الديني إبان فترة عمله كعمدة لإسطنبول، ولم يمنعه ذلك من أن يصبح رئيسا للحكومة الاسلامية بعد الفوز في انتخابات العام 2002.

وأعطت هذه الوضعية داخل البرلمان حزب العدالة صلاحيات واسعة، استغلّها لتغيير القانون في توجهه العلماني، بما يسمح لأردوغان بتولي مناصب في الحكومة.

وبعد فترة من سيطرة اردوغان بدأ شيء من التغير الإيجابي على حالة الأتراك المادية وقد تمكن الرجل من تطوير قيمة الليرة التركية على نحو لافت.

ودعمت حكومته رجال الأعمال واستثماراتهم، لكنها اهتمت أيضا أن تضمن توزيع الاستثمارات في جميع أنحاء تركيا، ما يعني أن مدنًا بعيدة وغير مشجعة للاستثمار حصلت على نصيبها من الرفاهية.

وكان رجال الأعمال قد اعتادوا على الاستثمار في الجزء الأوروبي من تركيا، لكن حكومة أردوغان وسعت نطاق هذه الاستثمارات، لتشمل استثمارات الدولة والقطاع الخاص منها، مثل قونية وقيصري.

وهكذا أصبح الأتراك أغنياء ومرفهين، كما شعرت قطاعات واسعة من السكان، الذين اعتادوا على التجاهل، شعروا بأن أحدا يهتم بهم أيضا. وبالمحصلة فإن ما حدث كان ازدهارا مدويا، تمامًا كالذي حدث لنمور شرق آسيا في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

لكن هذه المؤشرات الإيجابية لم تكن لتغطي على ماهو أسوأ منها؛ فقد كان اردوغان متغطرسا.

وذات مرة صرح أردوغان بعد أن أصبح حزبه يفوز بالانتخابات تلو الانتخابات قائلا “سوف أنشئ جيلًا متدينا”. ومن حينها لم يعد يهتم أن يبدو رئيسا للأتراك جميعا، ولم تعد تعنيه العلمانية التي كانت عماد الدولة لمدة 90 عاما، ولم يعد يرى ضرورة للاهتمام بآراء الليبراليين أو حتى تمثيلهم.

ويرصد المراقبون الكثير من الأفعال التي تدل على هذا الاستهتار السياسي بالخصوم. من ذلك أنه لم يكتف بتصريحات ضد الإجهاض، لكنه اعتبر حتى العمليات القيصرية ضد مشيئة الله.

ورغم أن جرائم القتل ضد النساء ازدادت خلال حكم الإسلاميين بمعدل ألف و400%، فإن إردوغان لم يهتم بالبحث في أسباب هذه الزيادة، لا بل إنه “طلب من النساء أن يبقين في منازلهن وينجبن 3 أطفال”.

وبمرور سنوات حكمه لم يعد أردوغان يهتم كثيرا لأن يبدو حكمه ديمقراطيا، متجاهلا حقيقة أن الشعب اختاره في الاصل لأنه كان كارها للانقلابات العسكرية وللجيش.

في العام ،2013 بدأت انتفاضة منتزه “جيزي” بمظاهرة صغيرة مناهضة لاقتلاع الأشجار ومدافعة عن البيئة، لكن الرد العنيف من الشرطة طور الأمر لما هو أكثر بكثير.

ويقول مراقبون إن أردوغان بدا بعد أن حاول الرئيس التركي عبد الله غول أن يهدئ الأمور، وكأنه يحاول إشعال النيران عمدا.

وامتدت غطرسته نفسها للصحافة، وأصبح مجرد انتقاد بسيط يؤدي بصاحبه إلى مشاكل قانونية حقيقة. ومع تواتر الأدلة على استبداده، انتبه الأتراك إلى حقيقة أن التزام أردوغان بالإصلاح لم يكن حقيقيا، وأنه لا يؤمن بالصحافة الحرة، بل يريدها صحافة يتم توجيهها. واليوم تمتلك تركيا أكبر عدد من الصحفيين في السجن بالنسبة لتعداد السكان في العالم.

وصلت عنجهية أردوغان إلى أصدقائه أيضا مثل فتح الله غولن.

فقد كان هذا رجل الدين التركي يحض على التسامح والسلام كما يقول مقربون منه، وقد عانى مثل أردوغان من سلطة الجيش، وعمل معه لفضح سيطرة الجيش على البلاد.

وبعد أن استتب له الأمر، قرر أردوغان أنه حان الوقت للتخلص من غولن وأتباعه، فصادر أصولهم وأموالهم، وألقى القبض عليهم بتهم ملفقة ووصمهم بالإرهاب.

وللأكراد قصة مشابهة مع اردوغان. فقد دعموه ورأوا فيه أملا قد ينقذهم من مظالم عمرها عقود. وكان أردوغان قد بدأ مفاوضات سرية مع حزب العمال الكردستاني المحظور وزعيمهم المسجون عبدالله أوجلان.

وبعد الانتخابات لم تتحقق الوعود، فحاول الأكراد البحث عن أمل آخر، فصوتوا لحزب الشعوب الديمقراطي، بدلا من العدالة والتنمية ما جعل أردوغان ينقلب عليهم منتقما، ليحول منطقة جنوب شرق تركيا إلى منطقة حرب، مثلما كانت عليه في ثمانينات القرن العشرين.

وخارجيا، انتهى أردوغان الذي وعد بأنه لن تكون هناك مشاكل مع الجيران، بتركيا وهي تعاني من مشاكل مع كلّ جيرانها تقريبا.

ويقول محللون إن أردوغان لديه عداؤه الشخصي مع أكراد سوريا والنظام السوري، ما دفعه بالإضافة لقناعاته الطائفية، للتفكير بدعم جبهة النصرة وحتى الدولة الإسلامية.

وبعد أن ارتدت تدخلاته الخارجية جملة من الانفجارات والهجمات الانتحارية على الأراضي التركية، انتهى الكثير من الأتراك إلى الاقتناع بأن أردوغان قد أوقعهم بمعسول كلامه بينما كان يخفي في قرارة نفسه ديكتاتورا شرقيا أصيلا.

Print Friendly

وائل فتحى

اضف تعليق

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *