وزير العمل اللبناني "استقال أم أُقيل" ؟
الخميس, 23 فبراير 2012
حتى الجنرال ميشال عون الذي طالما عرف بلغته المباشرة، والعصبية، لجأ إلى اللغة الملتبسة للتعبير عن موقفه من استقالة وزير العمل اللبناني شربل نحاس، تراجع اخلاقي ام تراجع تكتيكي يقدم عليه الجنرالات في ساحة المعركة؟
من هو البطل الآن: ميشال عون ام شربل نحاس؟
الساسة، والمعلقون، البعيدون عن "ثقافة المافيا" (بما فيها المافيا المذهبية) في لبنان، اعتبروا ان وزير العمل هو المنتصر لأنه وقف الى جانب القانون، والى جانب الناس، في عدم التوقيع على مرسوم بدل النقل المجتزأ، والذي استند الى العرف لا الى القانون بوجود القانون، فيما بدت الطبقة السياسية، بكل اطيافها، ومن دون استثناء، تنقض بل وتطبق على الرجل.
أي إصلاح أي تغيير؟
والسؤال الذي يطرح الآن في بيروت: هل يمكن لعون بعد الآن ان يتحدث عن الاصلاح، بعد فرغ صبره من وزير اختاره لدماغه علّه يكون من جوقة المصفقين، فإذا به يرفع اصبعه أكثر من مرة، وفي الجلسة الواحدة لتكتل التغيير والاصلاح. وكان ان شربل نحاس تحول الى مشكلة داخل الفريق الذي اختاره، قبل ان يصبح مشكلة للذين هللوا علنا لاستقالته، ولم يصدقوا الا لحين ان تصبح الاستقالة نافذة.
والشعور العام في لبنان ان شربل نحاس لا بد ان يذهب الى النسيان مثلما ذهب قبله وزير الصحة اميل بيطار يوم 22 اكتوبر 1971، في عهد الرئيس سليمان فرنجية (1970 – 1976)، عندما واجه مافيا الدواء .
اغتيال الوزير المشاغب
الأوساط السياسية تتحدث عن صفقة وراء "اغتيال" الوزير المشاغب. هل حصل هذا في مقابل التغطية على فضيحة المازوت الاحمر التي يصرح اكثر من نائب معين بأن "الصهر العزيز" (أي صهر عون) وزير الطاقة جبران باسيل مسؤول عنها، أم هل حصل في مقابل اسناد منصب رئيس مجلس القضاء الاعلى، وهو المنصب الذي يفترض ان يبقى خارج أي محاصصة، وخارج أي لعبة سياسية، الى قاض يختاره عون؟
مواقع الفايسبوك نشطت بل واشتعلت على نحو منقطع النظير، حتى قيل ان الفايسبوك قد يسقط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي لم تسقطها كل الهزات التي اعترتها منذ يوم تشكيلها وحتى اليوم، ففي اوساط التيار الوطني الحر كما في اوساط "حزب الله" حملات صاعقة من اصحاب المواقع. تعليقاتهم ساخرة، ومريرة، ومحبطة.
اكتشفوا ان الاصلاح كذبة تستخدم لتضليل الناس، وان التحرير يتآخى مع الفساد الداخلي، تحدثوا عن فضيحة.
إقالة
الكلام عن الفايسبوك ليس من قبيل الفانتازيا الاعلامية او السياسية، بل ان هناك من يعتبر ان استقالة نحاس - وفي الحقيقة ان الذي حصل هو اقالة، وبكل معنى الكلمة - وليس استقالة، اذ ان عون امتنع على مدى يومين عن تحديد موعد لنحاس، وقيل ان رئيس المجلس النيابي نبيه بري "سحر" الجنرال حينما حذره من مخاطر استراتيجية "تتهددنا جميعاً"، وعلى نحاس أن يعي هذه الحقيقة، لأن البلاد لا تحتمل المواقف الراديكالية بالنسبة الى مسائل "تافهة" مثل تصحيح الأجور، وبدل النقل، وسرقة المازوت، وانقطاع الكهرباء، والتزفيت الشكلي للطرقات بمليارات الليرات. قيل الآن، لحظة استراتيجية دقيقة، والكل مدعوون الى التضحية والى الانضباط اوركسترالياً والا فالسقوط في الانتخابات.
مصادر سياسية تلاحظ أن اقصاء وزير العمل لن يمر بسلام. جماهيرياً أحدث الهزة المطلوبة، وقد يخرج الناس من التعليب الطائفي والمذهبي، لا بل ان هناك من يذهب أبعد في التفاؤل ويعتقد أن شرارة اقالة نحاس قد تشعل الربيع اللبناني، فالطبقة السياسية أحرقت الرجل (وهنا بائع الاحلام لا بائع الخضروات) بشكل لا يقل مأسوية عن احتراق محمد بوعزيزي، حتى أن هناك من سأل ما اذا كان نحاس "بوعزيزي لبنان".
الوزير (المستقيل أو المقال) كان يراهن على شعار "التغيير والاصلاح" الذي رفعه الجنرال الذي لم يقل بنصف تغيير ولا بنصف اصلاح، قبل أن يأتي من يهمس في اذن عون "اذا لم تتخلَّ عن نحاس فلن يدعنا نشتغل ولن يدعك تشتغل، حتى اذا ما حل يوم الانتخابات ذهبنا بأيد فارغة الى صناديق الاقتراع"، مع أن العملية الانتخابية لا تحتاج الى مشاريع أو خدمات، يكفي أن يرفع الزعيم أحد الشعارات المذهبية الشهيرة حتى تلتف الجماهير حوله، بالعصي أو بالسواطير، وحتى بالمدافع.
الجنرال و.. يهوذا
لكن اقتلاع نحاس لم يكن بالسهولة التي تصورها البعض. عون ارتبك، وقيل إنه خاف أن يوصف ذات يوم بــ"يهوذا" الذي دفع بالوزير الى الصليب. راح يبرر، ويبرر، من دون أن يقنع أحداً، فالمصادر السياسية تؤكد أن اللاعبين، أو الطهاة، أو السحرة، اشترطوا لأي صفقة حول التعيينات أو غيرها ابعاد نحاس عن وزارة العمل، وحتى عن الحكومة، لأنه سيشعل ثورة في أي حقيبة يتسلمها، ولو كانت حقيبة السياحة.