رائحة الانتقام تفوح من أسوأ حملة تطهير فى تركيا
الرئيسية » اخبار » رائحة الانتقام تفوح من أسوأ حملة تطهير فى تركيا

اردوغان
اردوغان
اخبار عالم

رائحة الانتقام تفوح من أسوأ حملة تطهير فى تركيا

image_pdfimage_print

امتدت حملة التطهير في تركيا لتشمل أمس الجمعة قطاع الأعمال مع توقيف أصحاب شركات، في حين يتهدد السجن 20 صحافيا وذلك بعد أسبوعين من محاولة الانقلاب الفاشلة.

وأعلن وزير الداخلية التركي افكان آلا أمس الجمعة أرقاما جديدة تظهر مدى “التطهير الكبير” إثر انتفاضة 17 يوليو/تموز التي قتل فيها 270 شخصا ومثلت أكبر تهديد لحكم الرئيس الاسلامي المحافظ رجب طيب أردوغان.

وقال وزير الداخلية انه حتى اليوم تم توقيف أكثر من 18 الف شخص. وهناك نحو عشرة آلاف شخص ملاحقون ووضعوا رهن الحبس الاحتياطي وافرج عن 3500 آخرون.

وتابع انه تم الغاء نحو خمسين ألف جواز سفر “احتياطا من مخاطر فرار إرهابيين” في حين تخضع تركيا لنظام حالة الطوارئ لثلاثة أشهر ما يتيح تمديد الاحتفاظ بالموقوفين الى 30 يوما لاجتثاث لما تصفه الحكومة التركية بـ”الفيروس”.

ونفى الداعية فتح الله غولن الذي يتهمه أردوغان بالتورط في الانقلاب الفاشل من دون تقديم أي دليل، أي دور له في الانقلاب الفاشل.

لكن انصاره المفترضون باتوا موضع ملاحقة عنيفة طالت الجيش والاعلام والقضاء والتعليم.

ومدت السلطات التركية أمس الجمعة ملاحقتها لأنصار غولن الى عالم الأعمال في حين لوح الاتحاد الاوروبي بتجميد مفاوضات انضمام تركيا في حال انتهاك مبادئ دولة القانون.

وأوقفت قوات الأمن مصطفى بويداك رئيس مجموعة بويداك القابضة في مدينة قيصري (وسط)، مع اثنين من المسؤولين في مجموعته، هما شكرو وخالد بويداك اللذان اوقفا في منزلهما، بحسب وكالة انباء الاناضول شبه الحكومية.

“نمور الأناضول”

ولا تزال الشرطة تبحث عن الرئيس السابق للمجموعة حاجي بويداك والياس وبكر بويداك. وللمجموعة مصالح في قطاع الطاقة والمالية والأثاث.

ويتولى مصطفى بويداك أيضا رئاسة غرفة التجارة في قيصري المدينة التي تعد من “نمور الأناضول” أي المدن التي ازدهرت خلال فترة حكم أردوغان.

ويعتمد الاقتصاد التركي الى حد كبير على المجموعات الكبيرة التي تملكها أسر وتبيع العلامات الكبرى في البلاد.

وتواصت حملة التطهير في وسائل الاعلام التي اغلق 131 منها، مع مثول 21 صحافيا موقوفين أمس الجمعة أمام محكمة بإسطنبول.

وطلبت النيابة حبس عشرين منهم والافراج بكفالة عن بولنت موماي الناشر السابق لصحيفة حرييت.

ومن بين الصحافيين الموقوفين نازلي اليشاك النائبة السابقة التي فصلت من صحيفة “صباح” المؤيدة للحكومة في 2013 بعد أن انتقدت وزراء متورطين في فضيحة فساد اتهمت أنقرة غولن بتدبيرها.

وتجمع صحافيون أمام المحكمة دعما لزملائهم الموقوفين شوهدوا لاحقا يخرجون وقد أمسك شرطيون بأيديهم.

“الايام السوداء قادمة”

وبعد عقود من الاستقرار والنمو الاقتصادي لم يتوقع أحد في تركيا أن يسعى الجنرالات للسيطرة على السلطة مرة أخرى مثلما فعلوا في 1960 و1971 و1980، لكنهم فشلوا في سعيهم هذه المرة حين لبى آلاف نداء اردوغان للدفاع عن “إرادة الشعب”.

وحتى ألد خصوم أردوغان هبوا في وجه الانقلاب وقدموا لحظة نادرة من الوحدة والتفاؤل بأن السياسة في تركيا تقدمت أخيرا ولعلها اعتنقت الديمقراطية.

ولكن بعد ما جرى خلال الأيام الماضية تفوح رائحة الانتقام لتطغى على التقدم أو الديمقراطية.

واعتقل أكثر من 50 ألفا أو عزلوا أو أوقفوا عن العمل بقرار من الحكومة التركية. وفرض أردوغان الأسبوع الماضي حالة الطوارئ لثلاثة أشهر من أجل “تطهير الجيش من العناصر الإرهابية” في إشارة لأنصار حليفه السابق وخصمه الحالي رجل الدين فتح الله غولن المقيم بالولايات المتحدة الذي تتهمه الحكومة بتدبير محاولة الانقلاب وهي تهمة ينفيها الرجل.

وقالت ناشطة تركية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان “سيستغل أردوغان الانقلاب الفاشل ليصبح الحاكم بأمره في تركيا.”

وطلبت الناشطة حجب اسمها خشية على وظيفتها، مضيفة “الأيام السوداء قادمة.”

في الواقع يساور الكثيرين قلق على مستقبل تركيا خاصة في ما يتعلق بوجهة ديمقراطيتها التي تحققت بشق الأنفس إن كانت قد تحققت من الأساس، فالأولوية في تركيا لم تكن دوما الديمقراطية على الحقوق والحريات الفردية منها أو الجماعية.

لكن ديمقراطية تركيا تسير في طريق سطوة الأغلبية بمنطق – القوي يفعل الصواب – الأمر الذي يسحق التنوع والاختلاف.

ومنذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 وفي جل فترات القرن العشرين تمثلت الأغلبية في طبقة الموظفين بالمدن.

وفي تلك الفترات عانى سكان الريف وأبناء الطبقة الدنيا التجاهل وعاشوا على هامش المجتمع قبل أن تنقلب الموازين بيدي أردوغان.

وقال عمر أمير أوغلو البالغ من العمر 26 عاما حين سئل عن سبب دعمه لأردوغان ونزوله للشوارع للتصدي لمحاولة الانقلاب هذا الشهر “إنه ابن حينا.. مثلنا.. يفهمنا.”

من خدمة الأتراك الى التسلط عليهم

ويعزف أردوغان دائما على وتر ماضيه كصبي من عموم الناس جاء من ضاحية قاسم باشا في اسطنبول خطيبا بليغا ممثلا لدائرة انتخابية لطالما شعر سكانها بالقمع والحرمان.

ومنح أردوغان للأتراك خدمات كانوا في أمس الحاجة إليها في الأماكن الفقيرة والقرى والمدن. وحين كان رئيسا لبلدية اسطنبول وبعدها رئيسا للوزراء نجح ومعه حزب العدالة والتنمية في الارتقاء بالبنية التحتية وجذب الاستثمارات وتوسيع الاقتصاد وإحداث حراك مجتمعي. والأكثر أهمية أنهم تحدثوا عن تركيا “جديدة” لكل من فيها صوت مسموع وللأقليات احترام وللتسامح السيادة.

غير أن تغيرا طرأ على أردوغان الذي حكم بلا منازع في ظل معارضة ضعيفة لا تتمتع بما يكفي من المؤهلات.

ولم يعد ذاك الرجل غير المعروف الذي جاء ليقف في وجه المؤسسة الحاكمة بل أصبح وهو الذي كان لاعب كرة قدم مغمورا في فريق قاسم باشا، المؤسسة الحاكمة.

وتحولت أولوياته عن إنشاء تركيا “جديدة” إلى الحفاظ على الوضع الراهن وعلى سلطته وتعزيز قدرته على الاحتفاظ بها.

وتجلت تلك السطوة وذلك النفوذ في احتجاجات “غازي” ضد الحكومة عام 2013 والتي خرجت اعتراضا على إزالة متنزه غازي من ميدان تقسيم أشهر ميادين اسطنبول. يومها ارتدى أردوغان عباءة الرجل القوي فأطلق على المحتجين مدافع المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع واعتقل منتقدين ومعارضين.

وحين تسربت مزاعم فساد في أواخر ذلك العام رد أردوغان بإغلاق وسائل إعلام وعزل قضاة وضباط شرطة ممن يعتقد أنهم على صلة بغولن الذي اتهمه حينها بأنه مصدر تلك المزاعم.

وحين اقترب من ترك زعامة حزب العدالة والتنمية سعى لرئاسة تركيا وتحدث عن الحاجة لإعادة كتابة الدستور التركي وتغيير نظام الحكم. وطرح حينها حاجة تركيا للانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي لتتكرس بيديه سلطة لم يسبق لها مثيل وليعزز ليس مجرد سطوة الأغلبية بل سلطة الرجل القوي.

في نظام كهذا يتجاوز الخطر مجرد الخوف على الحريات المدنية والعدالة وحقوق الإنسان. فكثيرون يساورهم القلق على مستقبل تركيا التي وصف اقتصادها يوما بالديناميكية قبل أن تنال منه الصعاب. ويعتمد اقتصاد تركيا على التصدير خاصة للاتحاد الأوروبي أكبر شركائها.

بل إن كثيرين يتساءلون عن مصير علاقات تركيا مع جيرانها وحلفائها وبينهم الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ولهذا أهمية خاصة في ظل انغماس أنقرة في الصراع السوري وأزمة الأكراد وصعود الإسلاميين المتطرفين.

في نهاية يونيو/حزيران أصلح أردوغان العلاقات مع روسيا وإسرائيل، لكن أنقرة في الأيام التالية للانقلاب وقفت متحدية للولايات المتحدة التي توترت علاقتها بها خلال السنوات الماضية.

وطلبت أنقرة من إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أن تسلمها غولن وهددت “بمراجعة” علاقاتهما إن لم تفعل. ولا تزال العلاقات بينهما متوترة.

Print Friendly

وائل فتحى

اضف تعليق

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *