الرئيسية » رئيسى » إشكاليات التجربة .. لماذا فشلت تيارات الإسلام السياسي ؟
تقارير ودراسات رئيسى

إشكاليات التجربة .. لماذا فشلت تيارات الإسلام السياسي ؟

الاسلام السياسي
الاسلام السياسي

من البديهي أن تحظى تجربة الإسلام السياسي  باهتمام بالغ  في الساحة العربية والدولية،لاسيما وأن تياراته لعبت  دوراً بارزاً في المشهد السياسي ، مع تصاعد موجات الربيع العربى , بيد ان تلك التيارات واجهت اختبارات حادة  حيث أخفقت رغم توغلها فى النسيج الاجتماعى لسنوات فى الاستجابة لتطلعات الشعوب  وإقامة نظام حكم أكثر عدالة ,إذ اتضح من خلال التجربة  أن حالة الإسلام السياسي لاتجيد قراءة  مفردات الواقع  ,فحسب بل تدمن تكرار أخطائها ,كما لم تستطع تجاوز قالب الجماعة المحدود  إلى افق أوسع تجسد من خلاله استحقاقات اجتماعية أصلية .

ظاهرة الإسلام السياسي نشطت بعد هزيمة 1967، على الرغم من نشاط حركة الإخوان المسلمين في مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لكن وضوح الحراك السياسي وتجلياته على أرض الواقع كان بينا بعد هزيمة يونيو/حزيران، نتيجة الانتكاسة التي أصيبت بها الأيديولوجيات القومية والماركسية في العالم العربي

الإسلام السياسي في مأزق حقيقي ؛ إذ أن الإخوان المسلمون في مصر – أقدم وأكبر منظمة إسلامية تعمل في العالم العربي – قد أصبحت محظورة وصُنِّفت منظمةّ إرهابية في عددٍ من الدول العربية الأكثر نفوذًا. وخسرت حركة النهضة التونسية، التي يمكن القول إنَّها الحركة الاسلامية الأكثر تطورًا في الفكر السياسي في المنطقة، الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول 2014؛ وبالنظر إلى المغرب، نجد أنَّ حزب العدالة والتنمية هو أوَّل حزب إسلامي يقود ائتلافًا حاكمًا في البلاد، ولكن قادة الحزب يدركون جيدًا طبيغة النظام السياسي في المملكة المغربية.

بعد ما أفرزته حركة الاحتجاجات الأخيرة في العراق، التي باتت تعرف بانتفاضة تشرين، أو انتفاضة الصدور العارية، بات واضحا، وبشكل لا لبس فيه، مدى هشاشة النظام العراقي القائم، وبشكل أساس أحزاب الإسلام السياسي في العراق، التي أمسكت بدفة الحكومة والبرلمان منذ 16 سنة، ولم تقدم شيئا للعراق  يضاف إلى ذلك أن الجماعات الإسلامية الأشد عنفًا تحتَل صدارة المشهد الآن؛ فالتنظيمات الجهادية في العراق وسوريا تسيطر على مساحة جغرافية أكبر من بعض الدول الأوروبية ،

 

اشكالية الإسلاميين تعود إلى كونهم ليسوا  ممثلين للشريعة فقط، أوربما لأنهم  لم يعودوا رجال دين بالمعنى الكهنوتي، فعندما قامت حركات الإسلام السياسي في المنطقة، حولت هذه الطبقة إلى ساسة يحدد مساراتهم الصراع والتنافس للوصول إلى السلطة، وبالتالي اتبعوا المنهج البراغماتي مثلهم مثل الساسة وهي إشارة مهمة يمكنها توصيف حال الإسلام السياسي ، فهذه الحركات، على الرغم من كل شعاراتها المغلفة بالمعطى الديني، فإنها في النهاية لم تسع لإقامة حكومة إسلامية، لا أحد يعرف شكلها أو حدودها أو آليات عملها، لذلك سعت الأحزاب الإسلامية للوصول للحكومة لتنفيذ برامجها السياسية، في تنافس براغماتي مع الأحزاب العلمانية، وقد انتهجت الشكل الديمقراطي، عبر صناديق الاقتراع للوصول إلى ما تصبو إليه. لكن مع وصول بعضها ظهرت العقبة الأساسية التي واجهت حركات الإسلام السياسي وهي بناء الدولة الوطنية، لأن البناء الأيديولوجي لهذه الحركات يتقاطع مع فكرة الدولة الوطنية، ولا يمكن للمطلع على أدبيات الحركات الإسلامية أن يجد رؤية واضحة لمفهوم الدولة الوطنية فيها، وقد شكل هذا الامر مأزقا حقيقيا في التعاطي مع الكثير من الملفات.

التصرف مثل طائفةٍ دينية، وليس كحزب سياسي. (وبعض الأحزاب الأيديولوجية المتطرفة غير الدينية تتصرف على هذا النحو أيضا). ففي ظل الاستبداد، عاشوا في إطار جماعةٍ تضامنيةٍ متماسكةٍ، تقوم على التضامن والتلاحم بين أعضائها، يعضدها نمط تديّن بعينه شكّل عوناً لهم في الصمود في المحن. وقد أفضى هذا التلاحم الحزبي معطوفاً على نمط تدين خاص، ولغة ورموز خاصة، ولائحة شهداء وذاكرة جماعية من المعاناة والملاحقة والمظلومية إلى التصرف كطائفة مغلقة، ذات نمط حياة خاص بها، وليس كحزب سياسي، ينضم له الناس ويغادرونه على أساس القناعة. وهذا يعني في العمل السياسي العلني وجود احتمال أن ينقسم العالم بينهم وبين بقية الناس

وإذا أضفنا إلى هذه البنية المغلقة امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة، ندرك صعوبة إنتاج تحالفاتٍ بناء على أهداف محدّدة مشتركة. فكل تحالف هو وسيلةٌ في سبيل هدف الجماعة. وسرعان ما يشعر الحلفاء أنهم أدوات، عند أول منعطف. الحركات الأيديولوجية المغلقة عموماً تمتلك “الحقيقة المطلقة”، وهي، بالتالي، لا تتضامن مع حلفائها في محنتهم، في حين تطلب من الجميع التضامن معها، وتتهم حلفاءها السابقين بالكفر والخيانة والردة الانتهازية عند أول خلاف. وتتشابه الأيديولوجيات الشمولية في اعتبار التحالفات أداةً لتحقيق الهدف، وفي سهولة القفز من التحالف إلى التخوين عند أول خلاف. فإما معي (وهذا يعني تابعاً لي) أو ضدي.

واعتقد الإسلاميون أن ما يهم الناس هو المعاش اليومي وقضايا الهوية فقط، لكنهم لم يحسنوا إدارة معاش الناس اليومي، فلم تتوفر لديهم رؤية بهذا الخصوص. وفي غياب رؤيةٍ خاصةٍ في هذا الشأن، لا بد على الأقل من تحقيق وحدة وطنية لمواجهة الأزمات الاجتماعية الاقتصادية ومحاربة الفساد وتليين موقف القوى المتحكّمة في الاقتصاد التي تعرقل التغيير. وهذا لم يتحقق. وفوق هذا كله، لم يدرك الإسلاميون آليات عمل الدولة الحديثة، وجهازها البيروقراطي ومراكز القوة والمصالح فيه.

بعد ثمانية  أعوام من الربيع العربي، عاد الإسلام السياسي في المنطقة كما بدأ: مُهمَّشًا، ومُضطهدًا، ومُلاحقًا، ولا يحظى بالثقة، على الرغم من نشوة امتلاك السُلطة التي لم تستمر طويلًا. ومن ثمَّ فقد ضاعت فرصة أخري – ثمينة – لتحقيق مصالحة بين الإسلام السياسي والحداثة.