في تلك البقعة الساخنة من العالم حيث المحيط الهادئ , ستذكر سجلات التاريخ أن تحولا جذرياً طرأ على السياسة الأميركية تجاه كوريا الشمالية في عهد ترامب , فبعد نحو سبعة عقود من العداء بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية نفض الرئيس الأميركي الخامس والأربعون الأمور وحركها قدماً بطريقة لم يكن أحد يتخيلها , فعلى مدى سنوات وعلى مر الإدارات المتعاقبة، كان الجميع يقولون إن السلام ونزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية لا يشكلان حتى احتمالاً ضئيلاً.
رهانات ترامب و المتمثلة في فرض أقصى العقوبات والضغوط قد أتت أكلها, ففي حالة كوريا الشمالية يئن النظام تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة تفاقمت حدتها مع فرض المزيد من العقوبات الدولية والأمريكية كرد فعل على تجاربه النووية والصاروخية, واستمرار هذه العقوبات كان يعنى تعنى انهيار النظام داخليا لاسيما وأنها تحرمه من مصادر دخله سواء صادرات الفحم أو تحويلات العمالية الكورية الشمالية في الصين وروسيا، لذلك أبدى النظام الكوري مزيداً من المرونة بعد سياسة حافة الهاوية ولغة التصعيد فى الخطاب ضد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان .وبذات الوقت أبدت الإدارة الأميركية قدراً من الليونة للتفاوض مع كوريا الشمالية ورأت القمة التاريخية النور كأحد أبرز إنجازات ترامب على صعيد السياسة الخارجية .
حملات التصعيد والتهدئة من جانب ترامب حملت قدراً من المناورة السياسية , فعقب التهديد بـ”النيران والغضب اللذين لم يشهد العالم مثيلا لهما في التاريخ”، إذا استمرت التهديدات ضد الولايات المتحدة وحلفائه ووصول الحرب الكلامية بين ترامب وكيم جونغ أون إلى مستويات أقلقت العالم , باغت الرئيس الأميركي المعنيون بالسياسة الخارجية بقرار قبول الدعوة لعقد قمة مع نظيره الكوري فى 12يونيو .
لكن سرعان ما عمد الرئيس ترامب إلى إلغاء قمة سنغافورة في رسالة إلى كيم في 24 مايو كتب فيها “أرى أنه من غير الملائم حاليا إبقاء هذا اللقاء المقرر منذ وقت طويل” وذلك على خلفية موجة من السجال المتبادل بين نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس و نائبة وزير الشؤون الخارجية في كوريا الشمالية، تشوي سون هوي.ومع ذلك رأى مراقبون , حينها , أن قرار ترامب بإلغاء المحادثات يأتى في إطار الضغط على بيونغ يانغ بهدف تقديم المزيد من التنازلات .وبالفعل تأكد ذلك مع إعلان ترامب في 27 مايو أن فريقا أميركيا موجود في كوريا الشمالية بهدف التحضير لاجتماعه مع كيم.وفي 12 يونيو، شاهد العالم أجمع مباشرة على الهواء المصافحة بين الرجلين.
وعلى الرغم من أن قمة ترامب – كيم بدت خطوة مهمة لتخفيف القلق العالمي من كابوس الحرب النووية حيث كانت كوريا الشمالية على استعداد لتصدير المعرفة القاتلة إلى دول أخرى ومنظمات إرهابية و لهذا السبب توصلت سورية إلى بناء مفاعل نووي تم تدميره بواسطة إسرائيل. كذلك استطاعت إيران، بمساعدة كوريا الشمالية، تخطي القيود التي فرضها الاتفاق الموقع مع الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن وألمانيا، أي الاتفاق النووي مع إيران، والذي ألغاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.فمن وجهة نظر كيم جونغ أون فإن الصواريخ الباليستية تمتلك ترسانة من الأسلحة الصاروخية الباليستية أبرزها الصاروخ هافسونج 14 الذي يصل مداه إلى الأراضي الأميركية ، والرؤوس النووية، كانت بمثابة بوليصة تأمين لصيانة النظام وبالتالي فإن قمة سنغافورة ستحرم إيران وسورية من تصدير المعرفة النووية والباليستية إليهم
غير أن خطوات ترامب تضمنت تغيرات استراتيجية إقليمية ودولية، ولعل هذا ما دفع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى طلب إجراء قمة ثانية و تحديد موعد لقاء آخر معه بشكل يؤشر إلى أنه أعاد التفكير في خياراته الاستراتيجية في مرحلة يبدو واضحا أن النظام العالمي فيها يتغير وأن نظاما جديدا بدأ يتشكل على أنقاض القديم. حيث يسعى النظام الكوري إلى رفع العقوبات الدولية عليه وإنهاء عزلته في المجتمع الدولي والحصول على دعم اقتصادي وسياسي دولي وإقليمي, إضافة إلى ضمانات بعدم إسقاطه من جانب الولايات المتحدة
بصمات ترامب على شبه الجزيرة الكورية انعكست فيما يتعلق بموازين القوى الدولية والنفوذ إذ رأى ترامب أن على الولايات المتحدة أن تصفي ملفاتها وكل مصادر القلق التي يمكن أن تعيق تركيزها على الحرب ضد الصين وتنفيذ سياسة التوجه نحو آسيا.وبعيداً عن أجواء المجاملات الدبلوماسية والتي أبدت الصين خلالها ترحبيها بالاتفاق ,ثمة قلق ينتاب التنين الصيني من التقارب بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة لاسيما وأن بكين طرف إقليمي فاعل وتريد أن تكون مشاركة في أي اتفاق بين بيونج يانج وواشنطن، لضمان أن تستمر في الحفاظ على نفوذها في المنطقة ولرغبتها بأن تكون الصفقة مع واشنطن شاملة بمعنى أن تتضمن تفكيك منظومة الدفاع الأمريكية ثاد في كوريا الجنوبية إضافة إلى تحديد مصير الـ 28 ألف جندي أمريكي .
المخاوف الصينية تكشفت بوضوح قبل يومين من وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سنغافورة حيث دعا الرئيس الصيني شي جينبيغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين لبحث أمر مهم. وفوجئ الرئيس الروسي ببادرة غير متوقعة عندما منحه الرئيس الصيني «الميدالية الذهبية الكبيرة»، كونه عمل على تطوير بلاده، وساهم في الحفاظ على سلام العالم وبعد تقديم الشكر على اختياره لحيازة أعلى وسام شرف، قال بوتين في قاعة «قصر الشعب» إن العلاقة بين موسكو وبكين تتطور باستمرار لأن الدولتين الجارتين تملكان روحية بناء شراكة استراتيجية. وهو ما تم تفسيره على أنه رد فعل سريع على قمة سنغافورة وتحدياً لمصالح الولايات المتحدة من جانب القوتين المنافستين لها .
تحركات “ترامب ” السريعة نحو مزيد من التفاهم مع بيونغ يانغ شكلت ضربة موجعة لـ”بكين ” خاصة وأن استراتيجيتها في كوريا الشمالية ترمى في المقام الأول إلى الحد من نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة مقابل توسع النفوذ الصيني في شبه الجزيرة الكورية. لذا باتت تشعر بالقلق إزاء وجود توازن استراتيجي إقليمي غير مواتٍ(بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة ), واحتمال أن تفضي العلاقات الدافئة بين واشنطن وبيونغ يانغ إلى تغيير جذري في بنية السلطة في المنطقة، تاركة بكين في الخارج إذ تعد كوريا الشمالية وفقاُ للرؤية الصينية الجيوسياسية (منطقة عازلة) لأي تدخل خارجي، كون الصين محاصرة بحلفاء الولايات المتحدة بدءاً من كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، أوكيناوا الفلبين
الروابط الاقتصادية الكورية– الصينية شكلت حافزاً إضافياً للرئيس ترامب لصياغة مسارات جديدة للعلاقة مع كيم يونغ لاسيما مع امتلاك الصين نفوذًا على كوريا الشمالية بحكم إمداد بكين لها بالنفط والغذاء ,فإلى جانب كون الأخيرة حليفاً عسكرياً ودبلوماسياً تعد كذلك أكبر شريك ففي العام 2015، استأثرت الصين على 83 % من الصادرات لكوريا الشمالية أي ما يعادل 2083 مليون دولار، تليها الهند بقيمة 97.8 مليون دولار، أي ما يقارب 3.5% . لكن العلاقات المزدهرة بين بكين وبيونغ يانغ، لا تعني أن كوريا الشمالية تدين بالفضل لجارتها الكبرى فهي تتطلع للخروج من الشرنقة الصينية .
رؤية ترامب ترتبط بدخول الصين , كذلك ,على خط الصراع على الممرات البحرية، لمنافسة قناة بنما التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أعلنت الصين عن إنشاء قناة نيكارجوا، لربط المحيط الأطلسى بالهادئ، مما سيجعل بكين تتحكم في ممر مائي على مشارف الولايات المتحدة الأمريكية. وباتت محاولات السيطرة والتحكم في الموانىء والممرات والمضايق البحرية أهم النقاط المحورية في تنفيذ السياسة الخارجية والعسكرية بين دول العالم، ومن يسيطر على البحار يسيطر على التجارة، ويكون الأقوى وهى في المجمل أداة للتحكم والتغيير والتأثير على مناطق النفوذ، في الدول الواقعة على الممرات الطبيعية، لذا كان تواجد الدول الكبرى في هذه الممرات، ضمن مخطط الصراع على النفوذ .
كما أن التفاهمات بين الرئيس ترامب ونظيره الكوري لا تنفصل بأي حال عن ورقة النزاع الحذر بين واشنطن و بكين في بحر الصين الجنوبي فقد وضعت التحركات الصينية في البحر ، واشنطن في حالةٍ من التخوُّف المستقبلي بشأن حرية الملاحة الأمريكية في المنطقة وشهد بحر الصين الجنوبي في مطلع أكتوبر 2018، مواجهة خطرة بين سفينة صينية ومدمرة أمريكية أبحرت بالقرب من جزر تطالب الصين بالسيادة عليها، في بحر الصين الجنوبي، وهي خطوة تأتي في سياق محاولة واشنطن المستمرة للتصدي لما تصفه بمساعي بكين للحد من حرية الملاحة في المياه الدولية فبالرغم من كون بحر الصين الجنوبي هامشياً في موقعه، ويعد جزءاً من المحيط الهادي، فإن أهميته تكمن في عبور ثلث الشحنات البحرية العالمية بمياهه، بما يعادل 7 ترليونات دولار
لاشك أن سياسات ترامب باتجاه آسيا أعادت صياغة خارطة النفوذ في المنطقة , فالتحركات الأميركية تندرج تحت محاولات عرقلة التنين الصيني وزيادة نقاط الضعف على حدوده، بشكل يضمن تفوقها العالمي في السيطرة على البحار وضمان حركة آمنة لبضائعها، ونشر قواتها العسكرية في أهم المناطق العالمية وذلك عبر دعم حلفائها وفتح قنوات جديدة للتفاوض مع شركاء جدد









اضف تعليق