يتوجه الإيرانيون يوم الجمعة المقبل إلى صناديق الاقتراع بعدما انقضت ثمانية أعوام، ترأس فيها محمود احمدي نجاد الجمهورية الإسلامية. وساهم بفضل أفكاره المعادية لإسرائيل وثرثراته وتجاوزه المبادئ الرئيسية والايديولوجية، الموروثة عن آية الله الخميني وشخصيته الخلافية، في تدهور صورة إيران في الساحة الدولية وفقدان قيمة وظيفة الرئيس على مستوى الساحة السياسية المحلية .
وتشغل الانتخابات الرئاسية الإيرانية بال معظم المحللين ليس في إيران والمنطقة فحسب بل في العالم الغربي أيضا، وذلك لأهمية هذه الانتخابات والرئيس الإيراني الجديد وتأثيره على علاقات بلاده مع دول المنطقة والعالم.
ويسعى الإصلاحيون إلى العودة للحياة السياسية في الانتخابات الرئاسية القادمة، من خلال توحدهم على مرشح واحد فقط وهو حسن روحاني بعد انسحاب محمد رضا عارف أمس الثلاثاء من سباق الرئاسة وإعلان دعمه لروحانى، كما أعلن رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران أكبر هاشمي رفسنجاني دعمه الكامل للمرشح حسن روحاني في الانتخابات. وجاء إعلان رفسنجاني بعد قرار مماثل من الرئيس السابق محمد خاتمي بدعم روحاني والدعوة للتصويت لصالحه في الانتخابات التي يتنافس فيها حالياً ستة مرشحين خمسة منهم محسوبون على المعسكر المحافظ.
وقال رفسنجاني، الذي تم إقصاؤه من الترشيح لهذه الانتخابات، في لقاء مع أعضاء حملته الانتخابية، إنه سيصوّت لروحاني ويدعو الشعب الى التصويت له باعتباره الاختيار الأفضل والأنسب لرئاسة البلاد في الفترة المقبلة.
وأكد رفسنجاني، بحسب ما نقله موقعه الرسمي على الإنترنت، أنه أوصى روحاني بالترشح للانتخابات بعد استشارة المرشد علي خامنئي، وأنه فعل ذلك وهو المرشح الوحيد الذي سيدعمه في الانتخابات المقبلة بعد انسحاب المرشح الإصلاحي محمد رضا عارف.
وأشاد بخطوة عارف الانسحاب والاستجابة لنداء الرئيس السابق محمد خاتمي ووصفها بخطوة شجاعة وحكيمة، وقال إن روحاني هو مرشحه ودعا إلى انتخابه.
وكان خاتمي قد وجّه رسالة مفتوحة إلى الشعب الإيراني أشاد فيها بانسحاب الدكتور عارف، نائبه السابق، من سباق الانتخابات، وقال إن عارف رجّح مصالح البلاد والشعب على مصلحته الشخصية، داعياً إلى التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع وانتخاب روحاني الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للأمن القومي، لأنه الخيار الصحيح لتحقيق مكاسب كبرى للبلاد والوصول الى أهداف الإصلاح.
وعادة ما يمتنع رؤساء السلطات الثلاث في إيران حتى بعد تركهم مناصبهم عن الحديث مباشرة عن مرشحهم المفضّل، إلا أن خاتمي أمر هذه المرة كل مستشاريه ومعاونيه والعاملين معه في مجمع علماء الدين المجاهدين (روحانيون مبارز) ببذل الجهد وإقامة معسكرات انتخابية فيما تبقى من وقت قبل توقف الحملة الانتخابية والدعوة لانتخاب روحاني.
وقال خاتمي إن الظروف التي تمر بها إيران حساسة وخطيرة ويجب على الإصلاحيين وكل من يهتم بمصير إيران التوجه إلى صناديق الاقتراع لانتخاب روحاني والوصول بهذه الانتخابات إلى تحقيق المطالب، وأن يعلموا أن روحاني هو الخيار المناسب لتحقيق أهدافهم.
وكان خاتمي أمر بشكل لافت المرشح الرئاسي عارف بالانسحاب لصالح روحاني وأكد في رسالة خاصة وجهها له فجر اليوم أن بقاءه في السباق لن يخدمه ولن يخدم الحركة الإصلاحية التي أجمعت على روحاني رغم وجود بعض الأصوات النافذة التي دعت الى مقاطعة الانتخابات.
جليلي مرشح المرشد
ويقول بعض المراقبون للانتخابات الإيرانية إن إبعاد (رحيم مشائي المقرب من نجاد وآية الله هاشمي رفسنجاني، احد مؤسسي الجمهورية الإسلامية) من السباق الرئاسي هو وسيلة أيضا لعدم تجاوز المرشد الأعلى في ما يخص تحديد السياسة الخارجية الإيرانية، لان هذين المرشحين ترشحا لأسباب مختلفة، لكنهما يناصران فكرة وضع سياسة خارجية جديدة.
ووراء البعد الشخصي، يمكن أن نعتبر أن سعيد جليلي هو مرشح المرشد الأعلى، كما تدعمه غالبية أعضاء الحكومة وعلى الخصوص آية الله مصباح يازدي، مستشار احمدي نجاد ومنظر الحكومة الإسلامية.
نسبة المشاركة
وستسمح مشاركة حسن روحاني في الانتخابات بالحد من خطر انخفاض نسبة المشاركة بعد عدم تأهيل رفسنجاني. ووجود هؤلاء المرشحين سيسمح أيضا بالمحافظة على الأقل وعلى الصعيد الشكلي والصوري، على وجود تعددية محدودة في أعلى هرم الدولة الإسلامية.
واختلفت خطابات المرشحين حول مواضيع عدة، وتباين تعريفهم لما يسميه المرشد الأعلى "اقتصاد المقاومة" ومسألة الحقوق المدنية أو العلاقات مع الولايات المتحدة والاستراتيجية الدولية للبلاد، يبين بأننا أمام تحرر للخطاب السياسي خلال الحملة الانتخابية.
لكن وراء هذه الليونة والمرونة في التعامل مع الخطوط الحمر التي فرضت على مدى سنوات في الدولة، فان تنوع البرامج السياسية لا يضمن قدرة الرئيس على فرض خط سياسي حقيقي وبديل لرؤية المرشد، كما أن غالبية المرشحين من المساعدين الأوفياء لخامنئي كحداد عادل وولايتي وجليلي أو مسؤولين سابقين في أجهزة أمنية مثل غاليباف عمدة طهران، الذي كان رئيس الشرطة حين اندلعت الاحتجاجات الطلابية في عام 1999.
النووي والملف السوري
هؤلاء المرشحون جميعا، يستحيل عليهم تجاوز بعض الخطوط السياسية المفروضة من قبل المرشد كالقضية الفلسطينية او البرنامج النووي، مثلما لا يستطيع أي احد منهم كسر الإجماع حول البرنامج النووي، لذلك عبروا جميعهم عن سعيهم لتحقيق هدف رئيسي ألا هو تمكين إيران من تنفيذ سيادتها النووية.
في الواقع الملف النووي هو قضية وطنية سواء بالنسبة للمحافظين او الإصلاحيين، لكن أولوية الرئيس الجديد ستكون حل مشاكل البلد الاقتصادية وتخفيف وطأة المشاكل الداخلية.
وفي ما يتعلق بالاستراتيجية الإقليمية لإيران، تشكل الأزمة السورية احد المجالات التي تدخل في اختصاص المرشد بسبب الطابع الاستراتيجي لهذا التحالف، فسوريا تعد الحليف العربي الوحيد للجمهورية الإسلامية قبل غزو العراق 2003.
هذه العلاقات حاسمة بالنسبة لطهران لأنها تسمح لإيران بالحفاظ على شكل من أشكال التكافؤ الاستراتيجي مع إسرائيل في مواجهة تهديدات بتفجير المنشآت النووية الإيرانية. وإيران ليست قادرة على الرد جوا في حال تعرضت لاعتداء إسرائيلي، لذلك تعمل على حماية الطريق لتواصل إمداد حماس وحزب الله بالسلاح.
وهذا هو احد أسباب الدعم غير المشروط التي توفره طهران لدمشق. ودون التشكيك في تحكم المرشد في هذا الملف، فان فوز مرشح معتدل بالرئاسة، يمكن أن يؤدي إلى إعادة توازن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية لتتجه نحو تعزيز الحوار مع الإخوان المسلمين ومحاولة مساومة الغرب:مساهمة إيران في استقرار سوريا وأفغانستان والعراق مقابل تخفيف القيود التي تأمل العواصم الغربية فرضها على البرنامج النووي الإيراني.









اضف تعليق