الرئيسية » أحداث اليوم » البنية الأمنية بين إسرائيل وإيران وتركيا: هل تقترب دول الخليج من لحظة الاستقلال الاستراتيجي؟
أحداث اليوم تقارير ودراسات رئيسى

البنية الأمنية بين إسرائيل وإيران وتركيا: هل تقترب دول الخليج من لحظة الاستقلال الاستراتيجي؟

لم تُبنَ المنظومة الأمنية الخليجية أساساً على مفهوم السيادة الخليجية الخالصة، بقدر ما تشكّلت تاريخياً حول حماية الأنظمة، وتأمين تدفق الطاقة، وخدمة التوازنات الجيوسياسية للقوى الكبرى. وعلى مدى عقود، أوكلت دول الخليج جانباً كبيراً من أمنها الدفاعي إلى الولايات المتحدة، بينما تحولت إسرائيل تدريجياً إلى شريك غير معلن في مجالات التكنولوجيا والاستخبارات ضمن معادلة مواجهة إيران. واليوم تدخل المنطقة مرحلة أكثر تعقيداً، إذ لم تعد دول الخليج عالقة فقط بين إسرائيل وإيران، وإنما أصبحت أيضاً في قلب مشاريع إقليمية متنافسة تشمل تركيا، والقوى الآسيوية الصاعدة، والمظلة الأمنية الأميركية التي لا تزال مهيمنة رغم تراجعها النسبي.
تكمن المفارقة في أن دول الخليج أصبحت أكثر ثراءً ونفوذاً وطموحاً تكنولوجياً من أي وقت مضى، بينما ما تزال بنيتها الأمنية الأساسية تعتمد بدرجة كبيرة على قوى خارجية لا تتطابق أولوياتها دائماً مع استقرار الخليج أو سيادته.
وقد كشفت المواجهة الحالية بين إسرائيل وإيران هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحاً من أي وقت سابق. فدول الخليج حاولت تجنب الانخراط المباشر في الصراع، غير أن وجود القواعد العسكرية الأميركية، وأنظمة الدفاع الجوي، والبنى الاستخباراتية واللوجستية المنتشرة في المنطقة، جعل الخليج جزءاً من بنية الصراع نفسها. ومن منظور طهران، لا يكاد يوجد فارق حقيقي بين قاعدة أميركية في الخليج والدولة التي تستضيفها، لأن البنية العسكرية تُعامل باعتبارها جزءاً من المنظومة المعادية.
هذا الاعتماد لم ينشأ مصادفة. فبعد الانسحاب البريطاني من شرق السويس في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن دول الخليج تمتلك الحجم السكاني أو القدرات العسكرية أو التكامل الاستراتيجي الكافي لبناء منظومة دفاع مستقلة. عندها ملأت الولايات المتحدة الفراغ، وأصبح أمن الطاقة الخليجي جزءاً من العقيدة الاستراتيجية الأميركية، بينما اشترت دول الخليج الحماية عبر الاتفاقيات العسكرية وصفقات السلاح والتحالف السياسي.
ومع الثورة الإيرانية عام 1979، تحولت إيران إلى المحور الأساسي في التفكير الأمني الخليجي. فالمخاوف من تصدير الثورة، والحروب بالوكالة، ثم لاحقاً برنامج الصواريخ والملف النووي الإيراني، دفعت دول الخليج إلى مزيد من الاندماج داخل المنظومة الأمنية الأميركية. ومع الوقت، دخلت إسرائيل المعادلة باعتبارها قوة متقدمة في مجالات الاستخبارات، والأمن السيبراني، والدفاعات الصاروخية، وهي أدوات اعتُبرت مفيدة في مواجهة إيران. ثم جاءت اتفاقيات أبراهام لتُسرّع هذا المسار، لا دبلوماسياً فقط، وإنما أمنياً وتكنولوجياً أيضاً.
لكن دول الخليج بدأت تدرك تدريجياً أن هذه المنظومة لا توفر الحماية وحدها، وإنما تُنتج في الوقت نفسه نقاط ضعف استراتيجية. فالشراكات مع واشنطن وإسرائيل ساهمت في تحديث البنية الدفاعية الخليجية، لكنها خلقت كذلك تبعية هيكلية تُقيّد هامش القرار السيادي.
المعضلة الأعمق أن الخليج بات محاصَراً داخل عقائد أمنية تخص الآخرين أكثر مما تخصه.
فبالنسبة لإسرائيل، يرتبط الأمن الإقليمي بالحفاظ على التفوق العسكري ومنع ظهور أي محور منافس. أما إيران، فتنظر إلى أمنها من خلال مفهوم “الدفاع المتقدم” عبر الشبكات الإقليمية والصواريخ ووكلاء النفوذ. في حين ترى الولايات المتحدة الخليج باعتباره ركناً أساسياً لحماية تدفقات الطاقة والحفاظ على النفوذ العالمي. بالتوازي مع ذلك، تعمل تركيا على توسيع مشروعها الإقليمي عبر الصناعات الدفاعية والقواعد العسكرية والنفوذ السياسي الممتد من ليبيا إلى قطر والبحر الأحمر.
تقف دول الخليج في قلب هذه المشاريع جميعاً، من دون أن تتحكم بالكامل بأيٍّ منها.
ولهذا تبدو حالة “الجذب والشد” الحالية مفهومة إلى حد بعيد. فبعض دول الخليج ترى في إسرائيل شريكاً أمنياً وتقنياً في مواجهة إيران، بينما تخشى أطراف أخرى من أن يؤدي التمدد الإسرائيلي إلى اختلال التوازن الإقليمي. وبعضها يعتبر تركيا قوة موازنة مفيدة، في حين تتوجس دول أخرى من الطموحات التركية ذات الطابع الأيديولوجي أو ما يُعرف بـ”العثمانية الجديدة”. أما الولايات المتحدة، فما تزال الضامن العسكري الأكبر، غير أن كثيراً من العواصم الخليجية باتت تشكك في استعداد واشنطن لتحمل أعباء المنطقة كما في العقود السابقة.
يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع دول الخليج الانسحاب من هذه المنظومة الأمنية المعتمدة على الخارج؟
الإجابة الواقعية تبدو أكثر تعقيداً من الطروحات الحماسية؛ فذلك ليس ممكناً بصورة كاملة، ولا في المدى القريب. إذ ما تزال دول الخليج تعتمد على الأنظمة العسكرية الأميركية، وشبكات الاستخبارات، والصيانة، والتدريب، والأقمار الصناعية، والدفاعات الصاروخية الغربية. كما أن اقتصاداتها مرتبطة بعمق بالنظام المالي العالمي الغربي، ما يجعل أي قطيعة مفاجئة مع الولايات المتحدة مغامرة قد تُنتج فراغاً أمنياً خطيراً بدلاً من تحقيق السيادة.
غير أن التحرر الاستراتيجي التدريجي يظل احتمالاً قائماً.
ومن المرجح أن يقوم النموذج الخليجي المستقبلي على مبدأ “تعدد التحالفات” بدلاً من استبدال قوة مهيمنة بأخرى. فالصين لا تستطيع حالياً أن تحل محل الولايات المتحدة عسكرياً، وروسيا تفتقر إلى القدرة الاقتصادية والمؤسساتية اللازمة، بينما تبقى تركيا قوة إقليمية مؤثرة لكنها غير قادرة على لعب دور المظلة الأمنية الكاملة.
ولكي تنجح دول الخليج في بناء منظومة أمنية تخدم مصالحها الخاصة، فهي تحتاج إلى تحولات جوهرية تتجاوز مجرد شراء السلاح أو تنويع الشركاء.
أول هذه التحولات يتمثل في تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى منظومة دفاع جماعي حقيقية، لا مجرد إطار سياسي. فعلى الرغم من عقود من الحديث عن التكامل العسكري، ما تزال أنظمة الدفاع والاستخبارات والتسليح والعمل البحري والأمن السيبراني تعمل بصورة منفصلة بين الدول الخليجية.
أما التحول الثاني، فيتعلق بتنويع الشراكات الاستراتيجية من دون الوقوع في تبعية جديدة. وهو ما يعني بناء علاقات متوازنة مع تركيا وأوروبا والهند وشرق آسيا، مع الحفاظ على استقلال القرار الخليجي.
ويبرز البعد الثالث في إعادة تعريف مفهوم الأمن الخليجي نفسه، بحيث يشمل حماية البنية التحتية، والاقتصاد الرقمي، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، والموانئ، والطاقة، وليس فقط مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية. فقد أثبتت الهجمات على المنشآت النفطية والموانئ أن التهديد الحقيقي اليوم قد يأتي عبر الطائرات المسيّرة أو الهجمات السيبرانية أكثر مما يأتي عبر الجيوش التقليدية.
أما التحول الرابع، فيرتبط بتقليص تحول الأراضي الخليجية إلى منصات لحروب الآخرين. وهذا لا يعني بالضرورة إنهاء الوجود العسكري الأجنبي فوراً، لكنه يتطلب فرض سيادة أوضح على كيفية استخدام القواعد العسكرية، ومنع تحويل الخليج تلقائياً إلى ساحة تصعيد إقليمي.
وفي النهاية، لا يمكن بناء نظام أمني خليجي مستدام من دون مسار دبلوماسي يشمل إيران نفسها. فالجغرافيا تفرض التعايش حتى في ظل الخصومة. والهدف الواقعي ليس صناعة صداقة كاملة، وإنما بناء معادلة تقوم على الردع المتبادل وإدارة التنافس ضمن حدود تمنع الانفجار.
المفارقة أن الخليج يمتلك اليوم من الموارد المالية، والطموح التكنولوجي، والنفوذ الدبلوماسي، ما يؤهله لبناء منظومة أمنية أكثر استقلالية من أي وقت مضى. غير أن ما يزال ينقصه هو التماسك الاستراتيجي والثقة السياسية الكافية بين دوله.
العقد القادم قد يحدد ما إذا كان الخليج سيبقى مجرد ساحة لصراعات الآخرين — الأميركية والإسرائيلية والإيرانية والتركية — أم سيتحول أخيراً إلى قطب استراتيجي مستقل، قادر على تعريف أمنه وفق مصالحه وسيادته الوطنية.

تم الاستعانة  بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى