الرئيسية » تقارير ودراسات » الثورة الملونة فى فنزويلا ..هل تكون عنواناً لصفقة محتملة بين واشنطن وموسكو ؟
تقارير ودراسات رئيسى

الثورة الملونة فى فنزويلا ..هل تكون عنواناً لصفقة محتملة بين واشنطن وموسكو ؟

«أقسم أن أتولى رسميا صلاحيات السلطة التنفيذية الوطنية كرئيس لفنزويلا للتوصل إلى حكومة انتقالية وإجراء انتخابات حرة» , نقطة الغليان بدأت بهذا اليمين حين أعلن رئيس البرلمان ، خوان جوايدو،نفسه رئيساً موقتاً للبلاد وسط مباركة أميركية واستياء روسي .

تباين ردود الأفعال  بين واشنطن وموسكو  إزاء ما يحدث في كراكاس يؤشر على أن طوراً جديداً من لعبة التوازنات وصراع النفوذ قد بدأ في التشكل , ربما بفضى بدوره إلى مقايضة تعزز بموجبها الولايات المتحدة قبضتها  فى فنزويلا لقاء غض الطرف عن  شبه جزيرة القرم وعدم توسع الناتو في أوكرانيا وهذا أقل ما يمكن أن يقبل الكرملين به.

ولعل ما يعزز من صحة تلك الفرضية الاعتراف الأميركي بشرعية  خوان جوايدو والذى جاء سريعاً وإن لم يكن مفاجئاً  , فنحو 20 عاماً من العداء بين واشنطن وكراكاس كفيل بإزالة الدهشة,  وكانت الولايات المتحدة قد تدخلت في السلفادور، خلال عهد الرئيس السابق رونالد ريغان، للإطاحة بنظام أورتيغا اليساري.وفرض الرئيس ترامب مؤخرا سلسلة من العقوبات المالية والاقتصادية فى نوفمبر الماضي  غداة إعادة انتخاب الرئيس نيكولاس مادورو,  تحد من قدرة كراكاس على بيع أصول تعود إلى الدولة .

لذا  لم تمض دقائق معدودة على إعلان رئيس البرلمان  حتى أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بياناً اعتبر فيه مادورو رئيسا “غير شرعي” وأن الجمعية الوطنية برئاسة غوايدو هي “الهيئة الشرعية الوحيدة لحكومة انتخبها الشعب الفنزويلي وفق الأصول وتعهد ترامب بأن “تلقي الولايات المتحدة بكل ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي من أجل استعادة الديمقراطية في فنزويلا”..وأعلنت منظمة الدول الأمريكية التي تضم 35 دولة وبعض الدول في أمريكا اللاتينية اعترافها برئيس البرلمان رئيسا مؤقتا للبلاد .

العداء المتأصل بين واشنطن وكراكاس يعود إلى تصميم الولايات المتحدة على عودة الدولة في أمريكا الجنوبية إلى الديمقراطية ,فغلى الرغم من أن أنظمة الحكم شأن سياسي داخلى  غير أن فنزويلا , من وجهة نظر الإدارة الأميركية,  تقع  في النصف الغربي من الكوكب، و سياسة الولايات المتحدة منذ زمن «مبدأ مونرو» هي أن هذا النصف يندرج في إطار الأمن الوطني للولايات المتحدة. وعليه، ففنزويلا، وكذلك كوبا، من الاستثناءات. ومنذ انتخاب مادورو في 2013- انهارت الديمقراطية بشكل مطرد وخنقت المعارضة،وأضحى  جسر سيمون بوليفار في فنزويلا رمزاً  للهجرة لملايين الفنزويليين الذين يقصدون بلدان أمريكا اللاتينية المجاورة  وقبل أسبوعين، أعلن نفسه رئيسا لفترة ثانية عقب انتخابات العام الماضي والتي وصفت على نطاق واسع بأنها مخجلة، ولكن اعترفت كلًا من موسكو وبكين بنتائج التصويت.

بيان موسكو شديد اللهجة والمؤيد  لـ” مادور”  يمكن قراءته  فى إطار المناورة السياسية,  حيث ترمى من وراءه إلى ممارسة نوع من الضغوط المتزايدة  على واشنطن بغية التوصل إلى صيغة من شانها عقد “صفقة كبرى” تشمل تبادل التنازلات فيما يخص ملفا أوكرانيا وفنزويلا ,إذ أن رسالة موسكو الأساسية هى  أن الفرصة مواتية  أمام واشنطن  لتأمينها باستراتيجية تقضى  بإنهاء العقوبات المُتعلِّقة بأوكرانيا مقابل  مساعدة من بوتين باعتباره حليف لكراكاس في إقناع مادورو بالتخلي عن السلطة والذي يعد تمسك موسكو به تكتيكي ومؤقت وقابل للمقايضات ,أو على أقل تقدير ضمان التزامها الحياد إزاء مايدور فى فنزويلا واعتباره شأن داخلي محض  . وكانت روسيا، قد أكدت الخميس دعمها للرئيس “الشرعي” مادورو ودانت “اغتصاب السلطة” في فنزويلا محذرة من “التدخل الأجنبي” في فنزويلا، حيث قالت وزارة الخارجية الروسية في بيان إن “التدخل الأجنبي المدمر خصوصا في الوضع الحالي البالغ التوتر، غير مقبول، إنه طريق مباشر إلى التعسف وحمام الدم”.

صفقة التنازلات المتبادلة تبدو ممكنة فى ظل عدة معطيات , أبرزها تلويح الرئيس الأميركي بالخيار العسكري في فنزويلا حيث أكد أن  كل الخيارات” ستكون مطروحة إذا استخدم مادورو القوة في المواجهة مع قادة المعارضة.وعلى الرغم من أن التدخل الأميركي المباشر في فنزويلا لا يزال فكرة هامشية، فإن شخصيات المعارضة تتقبلها على نحو متزايد لاسيما بعد خول الجيش على خط الصراع ودعمه لمادورو ,ومع ذلك يبدو أن ترامب قد يفضل الضغط على زناد العقوبات وممارسة سياسة الضغوط القصوى عوضاً عن التدخل العسكرى خاصة وأنه سحب القوات العسكرية من سوريا الشهر الماضي فقط، بشكل يؤشر على تفضيله للوسائل الدبلوماسية ويزيد من احتمالات حدوث تفاهم روسي أميركي .

المقايضة المحتملة قد تمتد  بصماتها إلى الشرق الأوسط لاسيما فيما يتعلق بالملف السوري ,إذ أن مساحة التقاطع تبدو اليوم واسعة بشكل يؤشر إلى إمكانية إبرام صفقة كبرى فى ظل انسحاب القوات الأميركية من شرق الفرات واستعداد روسيا لملء الفراغ عقب التوترات الأخيرة بين واشنطن وأنقرة بشأن الأكراد  فضلاً عن انحسار الرغبة الأميركية فى التعويل على تركيا للقضاء على فلول داعش  .وقد جاء ملف فنزويلا ليؤكد جاهزية الأجواء بشكل متزايد للتسوية المرجحة .

بنود الصفقة  فيما يتعلق بالمعادلة السورية  فحواها أن روسيا جاهزة للمقايضة شرط ألا ترتبط الصفقة بأي انطباع يقلّل من مكانتها كدولة استعادت العظمة عبر أبواب دمشق  وشرط إقرار الولايات المتحدة بمصالح روسيا الاستراتيجية فى المقابل تضمن فرض الحدود على النفوذ الإيراني في سورية، ملاحقة  تنظيم “داعش”، وعدم إلحاق أي أذى بالمصالح الإسرائيلية ,دفع مسارات الحل السياسي .

المواقف المتناقضة بين الدول قد تخلق صراعا دوليا جديدا وعنوانه فنزويلا التي تدعمها روسيا والصين وتركيا بوجه الدول الغربية والولايات المتحدة التي تحاول إسقاط النظام البوليفاري ومساعدة المعارضة على تسلم السلطة.ولكنه قطعاً ستمتد تأثيراته إلى الشرق الأوسط باعتباره أهم مناطق الصراع الجيوسياسي.