يدخل لبنان اليوم واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ نهاية الحرب الأهلية. فالصيغة التي حكمت البلاد لعقود، والقائمة على التوازنات الهشة، وتعطّل المؤسسات، وازدواجية القرار السيادي، لم تعد قادرة على إنتاج استقرار سياسي أو اقتصادي قابل للاستمرار. لذلك لم يعد السؤال المطروح: هل يحتاج لبنان إلى تغيير؟ بل أيّ تغيير يمكنه أن يمنع الانهيار الكامل؟
وسط هذا النقاش، تبقى “الفدرالية” واحدة من أكثر الكلمات إثارة للخوف والالتباس في الوعي اللبناني. إذ ترتبط لدى كثيرين مباشرة بالتقسيم أو الحرب أو تفكيك الدولة، بينما تبدو المسافة كبيرة بين المفهومين. فالفدرالية، في جوهرها النظري، لا تعني الانفصال، بل إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمناطق ضمن دولة واحدة ذات سيادة موحدة.
التطورات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة دفعت بأسئلة كانت تُعتبر سابقًا من المحرمات السياسية إلى واجهة النقاش العام: من يملك قرار الحرب والسلم؟ كيف تُدار الدولة؟ وهل ما زال النظام الحالي قادرًا على حماية التعددية اللبنانية ومنع الانهيار المتكرر؟
الأزمة لم تعد مرتبطة بحكومة تتعطل أو رئاسة تتأخر، بل ببنية سياسية كاملة تبدو وكأنها استنفدت قدرتها على الاستمرار بالآليات نفسها التي حكمت مرحلة ما بعد اتفاق الطائف. فالانهيار المالي، وتراجع الخدمات، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة، كلها مؤشرات على أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر.
من هنا، يصبح النقاش حول الفدرالية أقرب إلى محاولة للبحث عن صيغة جديدة لإدارة التعدد، لا مشروعًا لتقسيم البلاد.
الفكرة الأساسية في النظام الفدرالي تقوم على توزيع الصلاحيات لا تقسيم السيادة. تبقى الدولة واحدة بجيش واحد، وحدود واحدة، وسياسة خارجية واحدة، فيما تُمنح المناطق صلاحيات أوسع في الإدارة المحلية، والتنمية، والخدمات، والتعليم، والبنى التحتية، بما يسمح بتخفيف الضغط عن السلطة المركزية ويخلق قدرًا أكبر من المحاسبة والمرونة.
ولعل ما يجعل هذا الطرح حاضرًا بقوة في الحالة اللبنانية أن البلاد تعيش عمليًا، منذ سنوات، نوعًا من اللامركزية غير المعلنة. فالقوى السياسية والطائفية تدير مناطق نفوذها بدرجات متفاوتة، لكن من دون إطار دستوري واضح ينظم العلاقة بين هذه السلطات والدولة المركزية. وهنا يرى بعض المؤيدين للفدرالية أنها لا تخلق واقعًا جديدًا بقدر ما تحاول تنظيم واقع قائم أصلًا ضمن مؤسسات وقواعد دستورية واضحة.
التجارب الفدرالية في دول مثل سويسرا، وألمانيا، وكندا، والإمارات العربية المتحدة تُطرح عادة كنماذج نجحت في تحويل التنوع الداخلي إلى عنصر استقرار، بدل أن يبقى مصدرًا دائمًا للتوتر والصراع. غير أن خصوصية الحالة اللبنانية تجعل أي مقارنة بحاجة إلى قدر كبير من الحذر، لأن نجاح الفدرالية لا يرتبط بالنصوص الدستورية وحدها، بل بوجود توافق سياسي وثقافة مؤسساتية قادرة على حمايتها.
في المقابل، لا تبدو المخاوف من الفدرالية بلا مبرر كامل. فهناك من يرى أن أي انتقال نحو نظام فدرالي داخل مجتمع طائفي هش قد يؤدي إلى تكريس الانقسامات بدل تجاوزها، خصوصًا إذا تحولت المناطق إلى كيانات مغلقة سياسيًا أو اقتصاديًا أو طائفيًا. كما أن التجربة اللبنانية نفسها تجعل كثيرين ينظرون بريبة إلى أي طرح يُشعرهم بأن وحدة الدولة قابلة لإعادة التفاوض.
لكن في الجهة الأخرى، يطرح مؤيدو الفدرالية سؤالًا مختلفًا: هل ما زال النموذج المركزي الحالي قادرًا أصلًا على الحفاظ على هذه الوحدة؟
فاللبناني، منذ سنوات، بات يلجأ إلى الطائفة أو الحزب أو المنطقة للحصول على الخدمات والحماية والحد الأدنى من الاستقرار، في ظل تراجع دور الدولة المركزية وعجزها عن القيام بوظائفها الأساسية. وهو ما يجعل بعض الأصوات تعتبر أن تجاهل النقاش حول تطوير النظام قد يدفع البلاد تدريجيًا نحو تفكك فعلي غير معلن، حتى لو بقيت شعارات الوحدة قائمة نظريًا.
الفدرالية، في النهاية، ليست وصفة سحرية، ولن تنهي الفساد أو الطائفية أو التدخلات الخارجية بمجرد تعديل دستوري. لكنها قد تمثل، بالنسبة إلى البعض، محاولة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر مرونة وقدرة على استيعاب التعدد اللبناني، بدل بقاء البلاد رهينة الشلل المتكرر كلما انفجرت أزمة سياسية أو أمنية.
لبنان لا يواجه اليوم أزمة عابرة يمكن احتواؤها بتسوية مؤقتة، بل أزمة تتعلق بشكل الدولة نفسها، وحدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين مكوناته المختلفة. لذلك يبدو النقاش حول مستقبل النظام، مهما كان حساسًا، جزءًا طبيعيًا من محاولة البحث عن مخرج قبل الوصول إلى لحظة التفكك الكامل.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يعد السؤال المطروح: كيف نحافظ على الصيغة القديمة؟ بل أي صيغة جديدة يمكنها أن تمنح اللبنانيين فرصة أخيرة للبقاء داخل دولة واحدة قابلة للحياة.
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق