قضية تصويت المغتربين تُبرز الانقسام الوطني في لبنان
نظام سياسي طائفي يحتاج إلى الحفاظ على توازن دائم هو دعوة مفتوحة للتدخل الخارجي
لبنان ليس دولة مستقلة. لا يزال مرتبطًا بتوازنات القوى الإقليمية التي تمسك به من زمام الأمور
خالد أبو ظهر
القوات اللبنانية وحزب الكتائب قررا مقاطعة الجلسة العامة لمجلس النواب المقررة يوم الخميس. السبب الرئيسي كان احتجاجهما على رفض رئيس المجلس نبيه بري السماح بمناقشة تعديل مقترح لقانون الانتخابات يتيح للمواطنين اللبنانيين المقيمين في الخارج التصويت في جميع المقاعد الـ128 في انتخابات 2026، بدلاً من اقتصارهم على ستة مقاعد محددة كما ينص القانون الحالي. هدف الأحزاب المسيحية كان عرقلة النصاب القانوني للجلسة، وهو التكتيك الأكثر استخداماً في التصويتات البرلمانية اللبنانية، والذي سبق أن أعاق التقدم البرلماني منذ سبتمبر. قضية تصويت المغتربين تبرز الانقسام الطائفي الذي يخلقه النظام السياسي الحالي.
أكثر من 225,000 مغترب تم تسجيلهم في 59 دولة خلال الانتخابات الأخيرة عام 2022، بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف عن انتخابات 2018. عند تحليل هذه الأرقام، نلاحظ أن أكبر التجمعات موجودة في فرنسا، الإمارات، الولايات المتحدة، كندا، وأستراليا. ولكن ليس بلد الإقامة أو التبني هو المهم، بل أنماط تصويتهم.
أصوات المغتربين تتأثر في الغالب بالطائفة. المغتربون يصوتون في الغالب لصالح المرشحين المطالبين بالتغيير، ويظهر ذلك بشكل أكبر بين المسيحيين والسنة والدروز مقارنة بالمغتربين الشيعة. لذلك نفهم سبب معارضة القوات اللبنانية والكتائب لحزب الله وحركة أمل. الدفع بهذا الزخم المؤيد للإصلاح من ستة مقاعد برلمانية إلى 128 يمثل خسارة واضحة للنفوذ والسلطة بالنسبة للأخيرين. لهذا السبب، هدف بري هو عزل هؤلاء الناخبين ضمن ما يُعرف بـ”دائرة المغتربين” للحفاظ على الوضع الراهن الداخلي — أو على الدقة، الفوضى الداخلية.
التغيير المقترح على تصويت المغتربين، وهو طلب مشروع من القوات اللبنانية والكتائب، يظهر الانقسام الوطني العميق والمستمر في لبنان. وعلى الرغم من أن المبررات ليست نفسها، إلا أن جذور القضية تشبه إلى حد ما مسألة منح اللبنانيين حقوقاً للفلسطينيين الذين استقروا في البلاد في ستينيات القرن الماضي، حيث أدى ذلك إلى اختلال التوازن بين المجموعات الطائفية المختلفة.
النظام السياسي الطائفي الذي يحتاج إلى الحفاظ على توازن دائم ليس وصفة للجمود والتصلب فحسب، بل هو أيضاً دعوة للتدخل الأجنبي وإظهار القوة بشكل عنيف محتمل. كل مجموعة تبحث عن دعم لكسب ميزة على الأخرى. وكان هذا جوهر دور ترسانة حزب الله حتى التدخل العسكري الإسرائيلي الأخير، الذي جعلها عديمة الفائدة.
من الواضح الآن أن لبنان بحاجة لتجاوز تصويت المغتربين والعمل على قانون انتخابي ضمن تصميم نظام سياسي جديد. باختصار، يحتاج لبنان إلى الانتقال نحو الجمهورية الثانية، أو “طائف 2.0”. ونأمل ألا يحتاج إلى خمس دساتير مثل فرنسا، الراعية الأصلية، ليجد الاستقرار.
الوقت حان الآن، حيث خلص جميع الداعمون الدوليون إلى أن النظام الحالي لا يعمل. قال المبعوث الأمريكي توم براك بصراحة الشهر الماضي: “لبنان دولة فاشلة.” وهذا صحيح بالفعل. لبنان يعمل بفضل براعة شعبه، الذي تعلم كيفية تجاوز الحكومة، لكن هذا لا يمكن الاستمرار فيه في بيئة جيوسياسية واقتصادية عالية التقلب.
على اللبنانيين المطالبة بإقامة نظام سياسي جديد. أرى أن في مقدمة الأولويات يجب أن يكون النظام فدرالياً. وعلى الرغم من أن هذا ليس حلاً مضموناً، إلا أن هناك حاجة لفعل المزيد لإيجاد الاستقرار. هذا على الأقل سيضع الأسس الصحيحة. كما سيتجنب الانسدادات الحالية الناتجة عن المواقف الطائفية، مثل قضية تصويت المغتربين. السماح للشعب بحل مشاكله ووضع قواعده على المستوى المحلي سيخفف المشاكل، وأنا مقتنع أنه سيقرب اللبنانيين من بعضهم البعض.
علينا أيضاً الاعتراف بأنه لولا اللبنانيون المسيحيون، لما كان هناك ارتباط وطني متزايد اليوم في مجتمعات أخرى مثل السنة. لقد جعلوا لبنان مميزاً. علينا الاعتراف بذلك والاحتفال به — وهذا جوهر قضية تصويت المغتربين. المسيحيون زرعوا بذرة حب الوطن. وبصفتي سنيًا، يسعدني أن أرى شباب اليوم من مختلف المعتقدات الدينية يتشاركون ويحتفلون بمقاطع قصيرة لإعلانات بشير الجميّل عن الشجاعة وحب لبنان. كما يجب ألا ننسى التاريخ ومن قتله، إلى جانب العديد من مقاتلي الاستقلال الآخرين.
علينا أن نفهم أن لبنان ما زال ليس دولة مستقلة. لا يزال مرتبطاً بتوازن القوى الإقليمي الذي يقيده، ناهيك عن قيود نظامه السياسي الطائفي. النظام السياسي الجديد هو السبيل الوحيد لتحريره وجعله يزدهر، والفدرالية هي الحل الوحيد.
يجب أن يكون اللبنانيون أيضاً واعين بأن الوقت يمر بسرعة. ونتذكر أن براك قال أيضاً إن الجيش اللبناني لن يتمكن من نزع سلاح حزب الله. علاوة على ذلك، حذر في الصيف من أنه “إذا لم يتحرك لبنان، فسوف يعود إلى بلاد الشام.” هذا التصريح يوحي بوضوح أنه إذا لم يحل لبنان مشاكله، فإنه معرض للوقوع تحت نفوذ سوريا مرة أخرى. والأسوأ من ذلك، أن بعض التفسيرات اعتبرته إعادة امتصاص ضمن هوية سورية أكبر.
القيادة الجديدة في دمشق منشغلة بتثبيت استقرار أراضيها وهي جادة في دعم مستقبل لبنان. للأسف، قد تصبح أعمال حزب الله دعوة للتدخل. لهذا السبب يجب أن يتركز النقاش الحقيقي على نظام سياسي جديد يقدم حلاً لجميع المخاطر الحالية. أسهل طريق للمضي قدماً هو التحول نحو فدرالية، تحافظ على مصالح كل مجتمع وقدرته على اتخاذ القرار بينما تربطهم جميعاً تحت العلم اللبناني.
الصورة تم إنشاؤها بواسطة Chatgpt








اضف تعليق