في حين يمر لبنان بحالة من الفشل الكامل في اقتصاده ومؤسساته ، يقف الشعب اللبناني حائراً لا يدرى أين يبحث عن المساعدة أو يجد التوجيه . لسوء الحظ ، لا يمكن توقع الكثير من المساعدة لأسباب مختلفة لعل أبرزها ،أن القوى الغربية لن تقدم دعماً يتجاوز المساعدات الإنسانية لحكومة يسيطر عليها حزب الله. وثانياً ، وربما الأهم ، افتقار البلاد لما يمكن أن طلق عليه مكتسبات أو يستحق الاستثمار فيه خاصة إذا كانت سوريا لا تزال في مرحلة اضطراب و دمشق “ما بعد الربيع العربي” أو الجديدة في غرفة المخاض والذى يبدو عسيراً .
لا يمكن إنكار حقيقة أن دمشق في خضم منافسة بين لاعبين إقليميين ودوليين على غرار روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل لصياغة وتحديد شكل سوريا الجديدة. بيد أن هذا الوضع يجعل الجميع يتساءلون عن سيناريو المنتصر وعما إذا كان سيحصد ثمار كل شيء حال ظهر توافق في الآراء ، أو بات من المحتمل العودة إلى المواجهة العسكرية. من الواضح أن هناك هدفًا رئيسيا باستراتيجية موسكو يتمثل في تطهير سوريا ، وهو ما يعني السيطرة الكاملة والحصرية للدولة على الأرض وإزالة القواعد الإيرانية ومرافق الحرس الثوري الإسلامي ، مع جعل البلد أيضًا نظيرًا محترمًا و تلميع صورتها الدولية. وربما كان ذلك هو السبب الذي دفع قوات الأمن الروسية إلى استهداف شبكات التهريب والاتجار فى المخدرات ، التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بنظام الأسد. بما يؤشر إلى ان أول فتيل تم إشعاله لتفجير سوريا القديمة جرى تصويبه فى مرمى رجال الأعمال المقربين من النظام. ليضعنا ذلك كله بمواجهة تساؤل هو الأهم, طرحه مسؤولون أمنيون وعسكريون يتعلق بالخطوة المقبلة وإذا ما كانت شرارة التطهير ستطال بشار الأسد نفسه ؟
ومع أن هذه العملية تنطوي على إشكالية بالغة التعقيد ، حيث يتعين على سوريا التعامل مع العديد من القوى المتواجدة على أراضيها ، لكنها تعتبر خطوة ضرورية لبدء عملية إعادة الإعمار التي تتعاظم حاجتها إليها . وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة ومع جائحة الفيروس التاجي ، هناك حاجة متزايدة للدعم الدولي ، وبالطبع الأوروبي. صحيح أن المواءمة بين ألمانيا وتركيا تبدو ملحوظة بالفعل ، متجاوزة بذلك دور فرنسا التاريخي. ولكن ، بشكل عام ، قد يكون من المنطقي أن يتم توجيه الدعم الدولي من خلال خطة مارشال مصغرة لكل من سوريا ولبنان ، لأن كلا البلدين في حالة من الفوضى.
ويراهن المحللون على ظهور شخصية قوية جديدة قادرة على إحداث التغيير المنشود في سوريا – مثل رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي ، الذي رحب بترشيحه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو. حيث يبدو الكاظمي على استعداد لاتخاذ خطوات محسوبة لتحقيق التوازن بين العلاقات مع إيران دون السعي إلى المواجهة مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. في النهاية ، سيتحدد مدى نجاحه من خلال قدرته على تفكيك الميليشيات المدعومة من إيران وإعادة السيادة الكاملة إلى العراق. ومع أن فرص تبدو نجاحه ضئيلة ، غير أن طهران تلعب إلى جانبه في الوقت الراهن. لكن عندما يتعلق الأمر بسوريا ، وعلى الرغم من أن إيران وحزب الله راسخان ، فإن الميليشيات المسلحة ليست بنفس قوة مثيلتها في العراق . فهل يستطيع الأسد أن يقنع جميع القوى الدولية – بما في ذلك الولايات المتحدة – بأنه بملك المقومات الكافية لقيادة سوريا الجديدة وتحقيق التوازن بين مصالح كل طرف ، أم نحن بصدد ظهور زعيم جديد؟
إن مستجدات الوضع ومآلات الأحداث هي التي ستحدد مصير كل من سوريا ولبنان. فهل ستضحي إيران بالأسد في مفاوضات مع روسيا ، وإذا كان الأمر كذلك ، فبأي ثمن؟ وهل ستقبل الولايات المتحدة ، التي كانت قادرة على وضع عبء هذا الملف على أعتاق موسكو ، الإجماع المحتمل وكيف سيكون شكله؟ هناك العديد من الأسئلة التي لا تزال دون إجابة ، فضلاً عن أن مستويات قدرة أي طرف غير راض على تعطيل أي اتفاق لاتزال مرتفعة ، حتى لو توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى حل وسط. فإن فلاديمير بوتين في مقعد القيادة في هذا الملف وليس في عجلة من أمره للعثور على جميع الإجابات أو تقديمها. وهكذا ،و حتى ولادة سوريا الجديدة ، سيتعين على لبنان الانتظار بصبر.
لقد أعادت هذه التوترات في سوريا والضربات الإسرائيلية المستمرة على الأهداف الإيرانية إحياء سيناريو المواجهة المحتملة بين إسرائيل وحزب الله ، فى عام 2006. وعند تذكر الأسباب التى أدت إلى اندلاع حرب تموز ، يركز معظم المحللين على الغارة عبر الحدود التي شنها حزب الله والتي أسفرت عن مقتل شخصين وإلقاء القبض على جنديين إسرائيليين. ويغفلون أنه قبل أسبوعين من هذا الهجوم ، قام الجناح العسكري لحركة حماس والجماعات المسلحة الأخرى المدعومة من طهران بتنظيم هجوم عبر الحدود أدى إلى أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. كما ينسون أن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ، في خطاب متلفز ، أوضح للإسرائيليين أن المفاوضات غير المباشرة لإطلاق سراح جميع الجنود المخطوفين من غزة وجنوب لبنان يجب أن تتم من خلال لبنان ، وبالتالي إيران.
يمكن القول إن هذا الإعلان دفع إسرائيل لشن حرب شاملة ضد لبنان. كان ردها المختار على حزب الله وإيران أنها لن تكون رهينة وأن هناك خطًا أحمر وثمنًا باهظًا لتورط حزب الله في الملف الفلسطيني. وكان لبنان واللبنانيون هم الذين دفعوا الثمن الباهظ للدمار قبل العودة إلى الوضع الراهن.
بعد ما يقرب من 15 عامًا ، لم تعد خطابات نصر الله تجذب نفس القدر من الاهتمام. باختصار ، بات قليل من الناس يهتمون به أو لبنان ، وفقد الوكيل الإيراني , على الأرجح , شعبيته في الشارع بعد أن قاتل لحماية الأسد في سوريا. فمنذ عام 2013 ، يساعد حزب الله الأسد على البقاء في السلطة وقمع السكان بناء على أوامر طهران. كما قاد ألوية طائفية أخرى تتألف من مقاتلين من أفغانستان وآسيا الوسطى تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني.
إن خطاب نصر الله الأسبوع الماضي كان يشبه ما سمعناه منه في عام 2006. إذ لم يكن موجهاً للبنان أو إسرائيل ، بل رسالة من إيران لجميع القوى الإقليمية والدولية المشاركة في سوريا. كانت الرسالة واضحة مفادها أن العلاقة الإيرانية بين سوريا ولبنان وجدت لتبقى ، بما يعني أن أي شخص يريد إحداث تغيير في سوريا دون موافقة المرشد الأعلى علي خامنئي سيتعين عليه التعامل مع حزب الله ووكلاء إيرانيين آخرين. لذلك ، وفى حال عدم حدوث تغيير كبير في طهران ، يبدو أن اللبنانيين سيبقون رهائن لتطورات الوضع فى سوريا وسيحتاجون إلى النظر عن كثب في من سيظهر كفائز فى حلبة الصراع الدائر هناك، لأن ذلك سيحدد مصيرهم . بيد أنه لسوء الحظ ، وأثناء انتظار ذلك ، قد يواجهون ما هو أسوأ من الوضع الراهن.
الرابط الأصلى للمقال :https://www.arabnews.com/node/1678016









اضف تعليق