الرئيسية » تقارير ودراسات » المصافحة الحميمة ..هل تخفف خطوط التوتر الأمريكية التركية ؟
تقارير ودراسات رئيسى

المصافحة الحميمة ..هل تخفف خطوط التوتر الأمريكية التركية ؟

المصافحة الحارة بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان، والأمريكي دونالد ترامب، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في بروكسل , أثارت اهتمام المراقبين . فبالرغم من أنها تمت بطريق المصادفة أثناء انتقال الأول عبر الممر المؤدي للقسم المخصص له لعقد لقاءاته الثنائية، حيث التقى نظيريه الأمريكي والفرنسي غير أنها قد تحمل في طياتها  إشارات استراتيجيه تنطلي في بعدها الإيجابي على بداية تجاوز خطوط التوتر الأمريكية التركية.

الصورة الحميمة أعقبها تحركين متوازيين الأول يتعلق بالوضع في سوريا  حيث جرى اتصال هاتفي بين ترامب و أردوغان اتفقا خلاله على الالتزام بخارطة الطريق المشتركة بخصوص مدينة منبج ، التي وقعها البلدان الشهر الماضي. في حين يتجسد الثاني  في زيارة وفد أمريكي من وزارتي العدل والخارجية لأنقرة الأسبوع الماضي لبحث ملفين حساسين وهامين في علاقات البلدين، وسط توقعات بتقديم الإدارة الأمريكية تنازلات للجانب التركي .المباحثات التي تضمنت ملفي الراهب الأمريكي المعتقل في تركيا، وطلب الأخيرة تسليم فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة ليلة 15 يوليو/تموز 2016,ويعد العقدة الأصعب في مساعي البلدين لتحسين العلاقات بينهما عبر ثلاث لجان تم الاتفاق عليها .

نزعات التقارب بين أنقرة وواشنطن يمكن استشعارها كذلك في مفاوضات بشأن صفقة محتملة لبيع تركيا نظام دفاع صاروخي من طراز باتريوت الذي تصنعه شركة ريثيون كبديل لنظام إس-400 الروسي الصنع الذي اتفقت تركيا على شرائه. وتجاهلت تركيا مرتين نظام باتريوت خلال عملية اختيار النظام الدفاعي، إذ اختارت في البداية نظاما صينيا ثم تحولت بعد ذلك إلى النظام الروسي في 2017.وقال مسئولون تنفيذيون في القطاع إن تركيا سعت لنقل قدر من التكنولوجيا أكبر مما كانت ترغب واشنطن فيه سابقا. ، وسمحت واشنطن بنقل أول طائرة مقاتلة من طراز “أف-35” إلى تركيا على الرغم من تهديدات الكونغرس الأمريكي بوقف مثل هذه المبيعات بسبب شراء أنقرة لأنظمة الدفاع الجوي الروسية من طراز “أس-400”.

خارطة الطريق حول مدينة منبج السورية شكلت هي الأخرى نقطة تحول في مسارات العلاقة بين أنقرة وواشنطن ، بحسب توصيف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو , فقد نجحا فى تحقيق خطوات عملية لأول مرة منذ سنوات بالاتفاق على بدء تطبيق اتفاق يقضي بسحب عناصر “ب ي د/ي ب ك” من مدينة منبج السورية ونشر قوات مراقبة أمريكية وتركية، على أن يتم تطبيق الاتفاق في مناطق أخرى من شرقي نهر الفرات لتطهير الحدود السورية مع تركيا من ميليشيات “ب ي د/ي ب ك” التي تعتبرها أنقرة تنظيماً إرهابياً وأدى الدعم الأمريكي لها لأسوأ تراجع في العلاقات بين البلدين , لذا تعد  اتفاقية منبج تعد أوّل نتيجة ملموسة للمفاوضات المكثفة بين الطرفين في الفترة الأخيرة لاسيما وان  أحد بنود الاتفاق التركي الأمريكي تضمن إزالة كافة صور عبد الله أوجلان وأعلام حزب العمال الكردستاني فى المقابل صرح  أردوغان أنه يريد بقاء القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا للمساعدة على احتواء مختلف التهديدات المتصورة هناك، بدءاً من “حزب الاتحاد الديمقراطي” وفلول تنظيم “الدولة الإسلامية” وصولاً إلى العناصر الإيرانية وحلفائها في نظام الأسد.

عدة عوامل دفعت واشنطن إلى تغيير أولوياتها بشأن أنقرة  وقد تكون هذه المتغيرات مؤقتة أو مرحلية تدخل في سياق تجميد الخلافات الآنية لتحقيق أهداف أكبر، فالولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء انجراف تركيا بعيدًا عن العالم الغربي والاتجاه نحو روسيا . وفي ظل المخاوف الأمريكية المتصاعدة من هذا التقارب، والدعم التي حصل عليه أردوغان عقب الفوز بالانتخابات الأخيرة التي ستبقيه بالحكم للسنوات الخمس المقبلة، ترى جهات تركية ودولية أن ترامب ربما يلجأ إلى تقديم تنازلات إلى تركيا في سبيل الحفاظ على العلاقات مع أنقرة ومنع ابتعادها أكثر عن حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

تنامي الخطر الإيراني ورغبة الإدارة الأمريكية فى تنفيذ مفردات  “استراتيجية الأمن القومي”  المعلنة خلال كانون الأول/ديسمبر الماضي يجعلها بحاجة إلى حلفاء أقوياء مثل تركيا،رغم سجلهم المقلق بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والاتهامات التي طالت حزب أردوغان فى الانتخابات الأخيرة إذ  يبدو أن الرئيس ترامب ليس لديه أي تحفظات على التعامل مع أنظمة ديكتاتورية.  وبالإضافة إلى نية واشنطن شق محور آستانا لمنع موسكو من الانفراد  بِـالملف السوري فقد دفع نجاح العمليات التركية داخل عفرين على حساب هزيمة قوات سوريا الديمقراطية فضلاً عن موقف أنقرة الحزام بشأن منبج واعتبارها مسألة وجودية , الولايات المتحدة لإعادة تعزيز جدار الثقة والتأكيد على مركزية المصالح المشتركة مع تركيا، وخلق نوعاً من القلق المؤقت لدى الأولى . وأثمرت عودة العلاقات التركية الأمريكية إلى مسارها الإيجابي في دعم الوجود التركي في الشمالين العراقي والسوري فقد وصل الجيش التركي إلى عمق يقارب 25 كم داخل الأراضي العراقية في العملية العسكرية التي أطلقتها في آذار/ مارس الماضي واستطاعت أنقرة إنشاء 11 قاعدة عسكرية مقابل الحدود البرية مع إيران.

لكن أردوغان يريد الكعكة ليتناولها بمفرده، فهو يتطلع لإكمال الصفقة مع الروس فيما يخص شراء صواريخ إس-400 بينما أقنع منتقديه في الولايات المتحدة بأن تركيا لن تساوم على دفاعات حلف الأطلسي ومع أنه لا يجب التقليل من حجم غضب الكونجرس إزاء أردوغان غير أن أي عقوبات أمريكية على تركيا قد تدفعها نحو التماهي مع روسيا وهو الهدف الذي يسعى إليه بوتين  , صحيح أن العلاقات الروسية التركية في أحسن  حالاتها فيما يتعلق بقطاع النفط والطاقة غير أنها على طرفي النقيض بشأن العديد من القضايا ، بدءً من سوريا وإلى أوكرانيا حيث دعم بوتين نظام بشار الأسد بينما ساند أردوغان المعارضة مما وضع  أنقرة مرة أخرى في مواجهة موسكو.

إذ أن بذور الشقاق ين أنقرة وموسكو متجذرة فى تاريخ البلدين منذ الحكم العثمانى ، وخاض الأتراك والروس أكثر من 12 حرباً. وأطلق الروس شرارة كافة هذه الحروب – وانتصروا في جميعها، بشكل عام.  كما أن استمرار مخاوف تركيا من روسيا  خلال القرن العشرين  دفع الأولى لدخول حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”) لتصبح بذلك حليفةً للولايات المتحدة بعد أن طالب الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين بأراضٍ من أنقرة عام 1946

تركيا بدأت في الاستماع لبوتين حين أسقطت  طائرة روسية عام 2015 كانت قد انتهكت مجالها الجوي من سوريا،وهددت موسكو حينها  بتسليح حزب العمال الكردستانى وفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة طلبت على إثرها مساعدة حلفائها ومع تخلى حلف الناتو عنها وإعلانه أن تلك المشكلة تخص النظام التركي بمفرده وعليه التعامل معها ,هنا فقط بدأت تميل لمحور روسيا  وحقق بوتين مبتغاه فقد كان هذا ما يريده بالضبط.

انكشاف أنقرة المفجع على التهديد الروسي دفع أردوغان إلى تجنب التصعيد مع موسكو وقد أدرك بوتين ذلك الأمر وعمد إلى استغلاله واستثمار تزايد المشاعر المعادية للغرب في تركيا إثر محاولة الانقلاب الفاشل  وكان أول المتصلين , فالرئيس الروسي كان لديه رغبة حاسمة في إضعاف  حلف “الناتو” و يدرك أن إحدى الوسائل  لتحقيق ذلك تكمن في إضعاف التزام أنقرة تجاه الحلف. وفى سبيل تحقيق ذلك شجع بوتين تركيا على شراء نظام “أس-400”. وخلال زيارته الأخيرة إلى أنقرة، أعلن الزعيم الروسي أنه سيقدّم تاريخ تسليم النظام بعام واحد من 2020 إلى 2019، عارضاً في الوقت نفسه على الأتراك خيارات تمويل لشراء المنظومة التي تبلغ قيمتها 2.5 مليار دولار.

ومع ذلك لا يمكن تحميل روسيا بوتين بمفردها مسئولية تقويض العلاقات الثنائية بين تركيا والولايات المتحدة  ,فمنذ صعود أردوغان إلى السلطة في عام 2003، تدهورت  العلاقات بسبب الخلافات حول قضايا السياسة الخارجية الرئيسية، بما فيها حرب العراق عام 2003، وأزمة “الأسطول” التركية- الإسرائيلية عام 2010، وقرار أنقرة عام 2010 بالتصويت ضد العقوبات الإيرانية المدعومة من قبل الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي.

الفجوات المتسعة بين واشنطن وأنقرة تعود بالمقام الأول إلى انعدام الثقة بين الجانبين وشعور الأتراك أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتربص بهم ولم تعد تدعمهم لذا فإن معالجة الولايات المتحدة لهواجس أنقرة الأمنية العميقة قد يقلل وربما يمنع تماما انزلاقها المتزايد نحو روسيا ويفضى بنهاية المطاف إل تخفيف حدة التوتر المتصاعد بينهما لاسيما وان العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا مترسخة في حلف “الناتو” وفي عقودٍ من التعاون العسكري الثنائي وكلاهما بحاجة للآخر.