حقق مقاتلو المعارضة تقدما على عدة جبهات في حلب، أمس، من دون تحقيق اختراق مهم، بينما نفذ الجيش النظامي عمليات دهم واقتحامات في عدة أحياء من العاصمة دمشق، يسيطر عليها المعارضون، وفي الوقت نفسه واصل عمليات القصف الجوي والبري على عدة محافظات لا سيما حمص وحماة ودرعا.
وكما في كل يوم جمعة، ورغم العمليات العسكرية والأمنية، نظم المعارضون تظاهرات مناهضة لنظام الرئيس بشار الأسد، شارك فيها الآلاف، وسارت في مختلف المناطق السورية، بما في ذلك حلب، ورفعوا شعار "جمعة توحيد الجيش الحر"، في إشارة الى الخلافات الداخلية التي تنخر المعارضة السورية، وتنامي ظهور الفصائل المستقلة المتشددة.
وقد أسفرت أعمال العنف أمس عن سقوط عشرات القتلى والجرحى غداة مقتل نحو 100 شخص، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
ويصعب التأكد من حصيلة القتلى من مصدر مستقل، كما يتعذر التحقق من الوقائع الميدانية بسبب الوضع الأمني والقيود الحكومية المفروضة على تحركات الإعلاميين.
تقدم على محاور حلب
وغداة اعلان مقاتلي المعارضة بدء هجوم "حاسم" في ثاني كبرى المدن السورية، تشهد حلب معارك على نطاق واسع "غير مسبوق"، و"على عدة جبهات" منذ اندلاع الانتفاضة المناهضة للنظام. ومع انتصاف نهار الجمعة، تراجعت حدة هذه المعارك لتتركز في شرق المدينة وفق ما أفاد مقاتلون وعدد من السكان والمرصد.
وقال أبو فرات، أحد قادة لواء التوحيد البارز "تمكنا من السيطرة على إحدى قواعد القوات النظامية على جبهة حي صلاح الدين (جنوب غرب)، وقتل 25 جنديا على الأقل في هذا الهجوم".
وقال أحد المقاتلين في هذا اللواء "سمعنا الجنود عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية يطلبون من قادتهم إرسال الدعم. كانوا يبكون ويقولون: سنموت جميعا".
وأوضح مقاتل آخر أن 20 مقاتلا معارضا قتلوا وأصيب 60 آخرون بجروح في الاشتباكات التي بدأت الخميس، مع اطلاق آلاف من المقاتلين المعارضين هجوما منسقا على جبهات عدة بهدف دفع القوات النظامية الى التراجع في أحياء سيف الدولة وصلاح الدين والاذاعة والعامرية والسكري (جنوب غرب المدينة).
وأشار عدد من قادة المقاتلين المعارضين الى أنهم نجحوا في التقدم على محوري السكري والاذاعة.
وفي صلاح الدين، تقدم المقاتلون قبل أن يضطروا الى التراجع بسبب نقص الذخيرة، بحسب ما أفاد ابو فرات، مضيفا "لخوض حرب شوارع نحن في حاجة الى قذائف، وللأسف لا نملكها".
نقص السلاح
وبات مسجد الأمويين في حلب الهدف الجديد للمقاتلين المعارضين، وهو يقع على خط التماس في قلب المدينة القديمة. وشهدت أطراف المسجد اشتباكات منتصف يوم الجمعة، وترددت أصداء انفجارات عدة في الحي، حيث قامت دبابات القوات النظامية باطلاق قذائفها في شكل منتظم.
وتراجعت حدة الاشتباكات بعد الظهر، وأفاد مراسلون أن أصوات رشقات نارية كانت تسمع كل 15 دقيقة في حيي الإذاعة وبستان القصر، بينما كان حي الكلاسة المجاور يتعرض لقصف عنيف.
وأوضح المرصد أن المقاتلين المعارضين الموجودين في حلب "هم من كل المناطق السورية"، واستقدموا تعزيزات "في العدد والمعدات" قبل بدء هجوم "حاسم"، لكنهم مازالوا غير قادرين على مجاراة القوة النارية للقوات النظامية، مضيفا "لا النظام ولا الثوار قادرون على الحسم أو السيطرة على أحياء بكاملها".
شهادات السكان
وأفاد سكان في أحياء وسط المدينة، يسيطر عليها النظام، وكانت حتى الخميس بمنأى من أعمال العنف مثل السليمانية وسيد علي، عن إطلاق نار "غير مسبوق".
وقال زياد (30 عاما) المقيم في السليمانية "المواجهات لم تتوقف، وكذلك اطلاق النار، الجميع كان مذعورا. لم يسبق أن سمعت ما يشبه ذلك من قبل".
وأكد مصدر عسكري أن الاشتباكات الأكثر حدة اندلعت فجر الجمعة في حيي العرقوب وميسلون (شرق)، واستمرت ساعات عدة. وأشار الى أن المقاتلين المعارضين حاولوا "أكثر من مرة وعلى جبهات عدة اختراق ساحة سعد الله الجابري وسط المدينة، من دون أن ينجحوا"، مضيفا أن عشرة من المقاتلين المعارضين قتلوا لدى محاولتهم اقتحام حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية.
ومنذ التقدم الكبير الذي حققوه في نهاية يوليو الماضي، بعيد اندلاع المعارك في حلب، لم ينفذ مقاتلو المعارضة أي عملية واسعة النطاق في هذه المدينة، خصوصا بسبب نقص العتاد بمواجهة القوة النارية لقوات النظام.
اقتحامات في دمشق
في الأثناء، كانت القوات النظامية تقتحم وتهاجم في أحياء عدة يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في دمشق، ومنها برزة وجوبر والقابون، مع "قطع للطرق المؤدية لهذه الأحياء وسط عمليات دهم وتكسير للمنازل واعتقالات طالت العشرات من المواطنين، وفق المرصد وناشطين".
وتحدثت الهيئة العامة للثورة السورية عن حملة أمنية وعسكرية واسعة النطاق في هذه الأحياء، مشيرة الى تعرض عدد من المنازل والمحال التجارية الى التدمير والنهب.
وبعد أقل من 48 ساعة على التفجيرات النوعية التي استهدفت مقر قيادة هيئة الأركان في قلب دمشق، انفجرت عبوة ناسفة بسيارة يملكها أحد عناصر الشبيحة قرب مبنى الأركان.
نقل الأسلحة الكيماوية
كشف وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا أن النظام السوري نقل بعض الأسلحة الكيماوية من مواقعها بهدف تعزيز أمنها والسيطرة عليها.
وقال في مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع "البنتاغون", مساء أمس, "وردت بعض معلومات للمخابرات بأنه تم نقل بعض تلك المواقع حتى يتمكن السوريون من تعزيز أمن الاسلحة الكيماوية", مضيفاً انه "في حين جرى نقل بعضها, فإن المواقع الرئيسية مازالت كما هي وما زالت آمنة" وتحت سيطرة النظام.
واعتبر بانيتا ان التدخل العسكري الأميركي الأحادي في سورية سيكون "خطأ فادحاً".
وقال ان دعوة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتدخل العسكري في سورية لا تغير قناعته بأن المقاربة الأفضل هي "الضغط الديبلوماسي والاقتصادي الدولي على (الرئيس السوري بشار) الأسد حتى يتنحى".
وأضاف انه إذا قرر المجتمع الدولي التحرك عسكرياً إذا استلزم الأمر "فسنكون جزءاً منه", لكن التدخل العسكري الاميركي الأحادي الجانب سيكون "خطأ فادحاً".
وأشار بانيتا إلى ان أميركا تعمل مع دول أخرى لمساعدة المعارضة السورية وتوفير المساعدة الإنسانية للمتضررين من العنف, مؤكداً أن المسؤولين الأميركيين يراقبون عن كثب مواقع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وبهدف تشديد الضغوط على نظام دمشق, اجتمع وزراء خارجية وديبلوماسيون كبار من مجموعة "أصدقاء سورية" في نيويورك, أمس, على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وجرى خلال الاجتماع تقييم الجهود لتشكيل حكومة انتقالية تضم كل الاطياف وزيادة المساعدات الانسانية غير القتالية للمعارضة.
وأكد الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي عدم وجود خطة ملموسة لإنهاء النزاع, مشيراً إلى أن "الحكومات ليست مستعدة لتنفيذ خطط ومجلس الأمن لا يتفق على أي شيء".
من جهته, قال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو "للأسف كل الوساطات فشلت, اننا جميعا ندعم الاخضر الابراهيمي لكننا تعلمنا انه يجب ان يكون هناك تفويض قوي يعطى للممثل الخاص" من مجلس الأمن.
واشار إلى ان مجموعة "أصدقاء سورية" تكونت للدفاع عن حقوق الشعب السوري وليس لتقويض الأمم المتحدة.
وقال مسؤول اميركي, طالباً عدم نشر اسمه, "اننا لم نستبعد قط في اي مرحلة اي شيء من على الطاولة, لكننا نعتقد انه مازال يوجد مجال لعملية انتقالية عن طريق التفاوض تؤدي الى حكومة موقتة وفي النهاية الى سورية جديدة. هذا لا يتعلق برسم خطوط حمراء".
وعبر ديبلوماسي عربي خليجي بارز عن نفس الموقف الاميركي محذرا من اي تدخل عسكري مباشر, مشيراً إلى ان الدول العربية ترى الولايات المتحدة على انها مفتاح الخروج من الجمود.
واضاف ان "انتهاج القنوات الشرعية لحل القضية هو أفضل وسيلة وأي اجراء تتخذه الدول منفردة سيؤدي الى مزيد من العنف", مؤكداً أن "الولايات المتحدة البلد الوحيد الذي يمكنه ان يجبر روسيا على تغيير موقفها", إلا أنه استبعد أي تحرك حقيقي قبل الانتخابات الرئاسية الاميركية المقررة في 6 نوفمبر المقبل.
وخلال لقاء بينهم في نيويورك, مساء أول من أمس, أعرب كل من الامين العام للامم المتحدة بان كي مون والامين العام للجامعة العربية نبيل العربي والمبعوث الدولي لسورية الاخضر الابراهيمي, عن خشيتهم من تحول سورية إلى "ساحة معركة اقليمية".
والتقى المسؤولون الثلاثة في مقر الامم المتحدة للتأكيد على "الضرورة الحيوية للمجتمع الدولي في ان يتوحد لدعم عمل" الابراهيمي.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة مارين نيسركي "إنهم يخشون إذا ما استمر العنف, من أن تصبح سورية ساحة معركة اقليمية وان تقع فريسة قوى لا علاقة لأهدافها" بالازمة السورية.
واضاف ان بان والعربي والابراهيمي اشاروا الى "فظاعة انتهاكات حقوق الانسان المرتكبة من الحكومة والمعارضة" في سورية, وطلبوا ان يسهم المانحون بشكل أكبر في العمليات الانسانية في سورية ولفائدة اللاجئين في بلدان الجوار.









اضف تعليق