“تلميذة ميركل “..”مينى ميركل” ألقاب متعددة ألصقتها وسائل الإعلام بالمستشارة الألمانيةالمرتقبة أنغريت كرامب كارنباور , صحيح أن جميعها تؤشر إلى العلاقة الوثيقة التي تربطها بـ” أنجيلا ميركل” وإلى أن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي لم يشأ طي صفحة عهد ميركل لكن كارنباور ليست نسخة كربونية من ميركل فهي أكثر محافظة ,لذلك ثمة تداعيات وتأثيرات محتملة لجلوس ثاني امرأة على رأس الحزب اليمنيي لاسيما فيما يتعلق بقضايا الهجرة، واللجوء، ومستقبل العلاقات مع الاتحادالأوروبي و روسيا، فضلاً عن مستقبل الحكومة الألمانية.
صعود “كارنباور” جاء بعد قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أكتوبر الماضي بالانسحاب طواعية من رئاسة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وذلك بعد أن أمضت نحو 16 عاماً على رأسالحكومة والحزب نتيجة لتزايد الضغوط عليها عقب خسارة تحالفها مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، في انتخابات ولايتي بافاريا و هيسن، ،و حصول التكتل المدعوم منها على37.2% في هيسن، فضلاً عن خسارة الحزب المسيحي 37.2 % من الأصوات في بافاريا ، وهي أسوأ نتيجة له منذ نحو 60عاما. إلا أن المستشارة ، حريصة على إكمال ولايتها هذه حتى نهايتها،أي حتى 2021. وقالت الخميس “يسعدني أن أواصل العمل كمستشارة”، وهذا ما سيحدده خيارالمندوبين لرئيس جديد للحزب.
“ميركل الصغيرة” تربطها علاقة وثيقة بالمستشارة الألمانية فهي التي رشحتها لمنصب الأمينة العامة لذلك ليس من المستغرب أن تتجه كارينباور عقب فوزها في انتخابات الحزب الديمقراطي المسيحي، إلى المنصة وتحتضن المستشارة الألمانيةأنغيلا ميركل، قبل أن تعلن قبولها بخلافتها في رئاسة الحزب العريق، داعية إلى”حزب شعبي قوي”. وفازت كارينباور (56 عاما) بأكثر من 51% من الأصوات في الجولة الثانيةمن الانتخابات في مؤتمر الحزب في مواجهة فريدريش ميرتس خصم ميركل الذي أراد تغيير سياسةالحزب باتجاه اكثر نحو اليمين. ووزير الصحة ينس شبان. ومن أصل 999 صوتًا تم الإدلاءبها في مؤتمر الحزب في هامبورغ ، أيد 517 منهم كرامب كارنباور، بينما حصل محامي الشركات المليونير فريدريش ميرتس، الرئيس الأسبق للكتلة البرلمانية للحزب، والذي كان يحاول العودة لمعترك السياسة، بعد أن همشته ميركل قرابة عقد من الزمان، على 482 صوتا فقط.
وعلى الرغم من أن كارينباور خرجت من عباءة ميركل وثمة لحظات شخصية جمعتها والمستشارةالألمانية والتي يعود إليها الفضل في كثير من الأمور , لكن يذهب المراقبون إلى أن هناك اختلافات واضحة بين السياسيتين وأنها لن تسير على درب معلمتهافي التعاطي مع بعض الملفات التي تخص الحزب الحاكم في ألمانيا،وقد تجلى ذلك في إعلانها بثقة متزايدة :” أنا أقف من أجلنفسي”، وقالت “الآن يجب بداية حقبة جديدة بأسلوب جديد وقوة جديدة”
ثمة تحديات تواجه رئيسة الحزب المسيحي الجديدة لعل أبرزها يتمثل في شفاءروح الحزب وتوحيد المعسكرات المختلفة داخله وإعطاء حزبها دفعا لا يحتاجه حزبها فقط، وإنما كل ألمانيا، وذلك من أجل تجنب الانهيار في الانتخابات البرلمانية المقبلة وقد نجحت الأمين العام للحزب فى تقديم نفسها كوسيط بين أجنحة الحزب المتصارعة في كثير من الأحيان, وقد عمدت كارينباوربعد يوم واحد من إعلان فوزها إلى تبنى سياسية الاحتواء , وحاولت امتصاص غضب البعض من خسارة مرشحهم فريدريش ميرز عبر دعم شاب يدعى بول زيماك، ليحل مكانهافي المنصب الذي تركته، ويصبح أمين عام الحزب الجديد وذلك على الرغم من كونه قدأعلن فى وقت سابق تفضيله لفوز أحد الرجلين اللذين كانا مرشحين ضدها لميرز أو المرشح الثالث يانس شبان . وفاز بول زيماك، الشاب الذي يبلغ من العمر 33 عاما ويرأس اتحاد الشباب داخل الحزب، بأصوات المندوبينليصبح أصغر أمين عام للحزب وهو ما فطن إليه البعض إذ رأوا فى تحرك كارينباور على هذا النحو محاولة لكسب مؤيدي ميرز إلى صفها وإعادة توحيد الحزب الذي بدا منقسما على نفسه.
إعادة تعريف جوهر العلامة التجارية المحافظة في الحزب المسيحي الديموقراطي أهم مشاريع كارينباور فى المرحلة الراهنة إذ ترمى إلى تطوير سياسة جديدة من شأنها إعادة ثقة الناخبين المحافظينوالليبراليين، وقد قالت سابقًا إنه يجب إعادة تشكيل سياسة الحزب المسيحي الديموقراطي بدءاً من القاعدة الشعبية مروراً إلى القيادة، ويمكن أن تشمل إعادة التشكيل هذه، السياسةالتعليمية أو الأوروبية أو قطاع الإسكان. وترى كارينباور أن النقطة الأساسية في صناعة السياسة داخل الحزب الديمقراطي المسيحي هيكونه “حزب الشعب “.
ومع أن كرامب كارنباور لم تكشف بعد عن خططها أو برنامجها لإعادة تحريك القاعدة الشعبية للحزب، إلا حالة عدم اليقين انعكست بمخاوف الشريك الحاكم في الائتلاف الحكومي، الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وقال الأمين العام للحزب لارسكلينغبايل إن هناك اتفاقا بين ثلاثة أحزاب للحكم وإن هذا الاتفاق يجب أن يتم المحافظة عليه. وقال: «حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي اتخذ قرارا شخصيا. ونحن كحزب اشتراكي، سننظر بشكل حذر إلى الاتجاه الذي ستتطور فيه علاقتنا، وهذا سيصبح أكثر وضوحا في الأشهر المقبلة». وأضاف: «هناك أسس واضحة للتعاون، هناك اتفاق لحكومة ائتلافية تم الاتفاق عليه بينناوعلى هذا الأساس نقدم دعمنا البناء للسيدة كرامب كارنباور
وتتبنى كارنباور منهجاً ليبراليا تجاه حقوق المرأة والحد الأدنى للأجور،وبذات الوقت أبدت مواقف محافظة.تجاه بعض القضايا فهي ككاثوليكية لديها نظرة تقليديةتجاه الزواج، وقد أعربت عن قلقها إزاء منح الأزواج المثليين حقوق التبني الكاملة.كماأنها مؤيدة لإعادة التجنيد لمدة عام أو الخدمة العامة. وتضعكارينباور على أجندتها النهوض بصناعة السيارات الألمانية وحماية حقوق العمالوتطوير سياسات التعليم ودور فاعل لألمانيا في المحيط الأوروبي والعالمي. وتنتقد بشدة حزب “البديل لألمانيا” اليميني المتطرف وحزب اليساريين، معتبرة إياهما “شعبويين”.
حقبة كارينباور قد تتشابه فى الخطوط العريضة مع مرحلة ميركل لكنها قد تتضمن بعض التعديلات فيما يخص ملف الهجرة فعلى الرغم من تأييدها المطلق لسياسة المستشارة الألمانية المتعلقة باستقبال اللاجئين وتحذيرها من الطعن على قرار ميركل خلال أزمة اللجوء في 2015 مثل منافسها ينس شبان. وقالت كرامب كارنباور:”الثقة في الأمن الداخلي لا نكتسبها بإصدار أصوات جانبية. غير أنها صرحت , في السابق ,أنها تشعر “بإحساس خطير من الغربة” في ألمانيا، لكنها لا تعرف فييومنا هذا مبادرات حلول ملموسة لم تعرفها أيضا ميركل عندما قامت بتجديد الحزب.وقدمت كارينباور في وقت سابق , مقترحاً يشمل حظرا مدى الحياة على دخول أوروبا لطالبي اللجوء المدانين في جرائم خطيرة ,إذ تعترف أن ألمانيا بلد هجرة الا أنها تفضل أن يكون هناك إجراءات أكثر حزمًا على الحدود، كما تفضل على ضرورة تنظيمالهجرة بشكل أفضل مما كانت عليه في الماضي، كذلك تطالب بترحيل طالبي اللجوء المرفوضين وتسريع إجراءات الرفض. وقالت كارينباور الشهر الماضي إنها تريد تحسين إرث ميركل، مشيرة إلى أنها ستشجع الحوار داخل حزبها حول قضايا مثل الهجرة لطرح مقترحات جديدة قد تكون سياساتحكومية.كما طالبت رئيسة الحزب المسيحي فى نهاية عام 2017، بضرورة إجراء اختبارات طبية موحدةعلى المهاجرين الشباب للتحقق من سنهم، وبإنشاء مراكز الترحيل في فترة توليها منصب رئاسة الوزراءفي ولاية زارلاند، و بإلحاق اللاجئين بخدمة عامة إلزامية تطوعية لمدة عام.
وبالنظر إلى العلاقة مع تركيا فإن تصريحات كرامب تكشف عن انتقادات لاذعة لسياسات أوردغان حيث تحدثت عن الخطر الذي يمثله ازدواج الجنسية، خاصةبعد اندلاع أزمة دبلوماسية مع تركيا.واتهمت كارينباور الحزب الحاكم في تركيا بمحاولةإضعاف ولاء الألمان من ذوي الأصول التركية، وأشارت إلى أنه يجب أن تقتصر الجنسية المزدوجةعلى الجيل الأول من المهاجرين بينما يتمتع أبنائهم بالجنسية الألمانية فقط.وعلقت أنغريت كرامب كارينباور على الأحكام الصادرة في نهاية شهر أبريل/ نيسان الماضي، بالسجن فيحق العاملين بجريدة “جمهوريت” التركية التي كانت تحسب على المعارضة وقتها، قبل تغييرمجلس إدارتها، بتهمة “مساعدة تنظيم إرهابي عمدًا، بالرغم من عدم الانتماء له”، عبرحسابها الشخصي على تويتر، قائلة: “إنه تطور مثير للقلق في تركيا. كل تدخل من تركيافي حرية الصحافة كما حدث مع جريدة جمهوريت، يبعد تركيا عن أوروبا”.كما تطرقت إلى الانتخابات الرئاسة والبرلمانية التي كانت تستعد لها تركيا في يونيو/ حزيران 2018، قائلة: “لايجب أن يكون هناك حملات انتخابية تركية في ألمانيا”.وأكدت قبيل الانتخابات المبكرةالتركية أن الحملات الانتخابية يجب أن تجرى في تركيا وليس في ألمانيا كما كان يخططأردوغان وحزبه لاستعطاف الجالية التركية المقيمة في ألمانيا، قائلة: “يجب عدم نقل الخلافاتالموجودة بين الأتراك في تركيا إلى ألمانيا”.كذلك انتقدت أنغريت كرامب كارينباور، التي كانت في ذلك الوقت أمينًا عامًا لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، مشاركة الرئيس أردوغانفي حفل افتتاح الجامع المركزي في ولاية كولن، خلال زيارته لألمانيا في سبتمبر/ أيلول الماضي، وقالت عبر حسابها على تويتر: “إن الافتتاح الذي أجراه أردوغان، ليس انفتاحا للإسلام، وإنما رمزًا لانغلاقه”، على حد تعبيرها.
“مواصلة الضغط” على روسيا ملمح مهم باستراتيجية المستشارة الألمانية المحتملة فقد دعت إلى استمرار الضغوط على موسكو حتى يتم تسوية الأزمة في أوكرانيا، وترى أن ألمانيا “يجب أن تكون مستعدة لتحمل المزيد من المسئولية في السياسة الخارجية”، وتنفق أكثر على الدفاع، ضد الخطر الذي يأتي من روسيا، وذلك وفقا لتصريحات سابقة لها ومع ذلك تعارض زعيمة الديمقراطيين المسيحيين الجديدة التخلي عن مشروع “السيل الشمالي 2” لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا. لكن واقع التصريحات يكشف أن روسيا بالنسبة كرامب-كارنباور منطقة غير واضحة المعالم لاسيما وأن كل ما قالته عن روسيا هو تكرار لجمل ميركل لذلك من المرجح أنها غالباً ما تحدثت مع أنغيلا ميركل، وسوف تنهج الكثير من السياسة المشابهة لسياسة ميركل تجاه روسيا .
مرحلة ما بعد ميركل قد تتضمن مشاركة أوسع من قبل المسلمين الألمان فعقب اعتراضنائبة عن حزب ميركل حول عضوية مسلمين في حزبها، أعربت أنغريت كرامب – كارنباورالأمين العام للحزب المسيحي الديمقراطي، عن اعتقادها بأنّ العقيدة الإسلامية ليسبها ما يمنع عضوية المسلمين بالحزب نقلت صحيفة”بيلد” الألمانية في سبتمبرالماضي رداً من إنغريت كرامب – كارنباو، أمين عام الحزب المسيحي الديمقراطي على نائبةمن حزبها بولاية سكسونيا قالت فيه:” بالنسبة لي، السؤال الحاسم هو: أي القيم تقف معها؟ وبالنسبة لي، فإن المنشأ أو المجتمع أو الدين أو الهوية الجنسية أو أي شيء آخر،لا تلعب دورا في هذا الشأن”.وكانت فيرونيكا بيلمان، النائبة في البرلمان وعضوالحزب المسيحي الديمقراطي بولاية سكسونيا، قد أعربت في وقت سابق عن اعتراضها على عضويةالمسلمين للحزب المسيحي، وقالت في تصريحات لصحيفة ” يونغه فرايهايت” إنهمن الضروري في مثل هذه الحالة تقديم ” التزام علني وكتابي بالقانون العام”.
الاتحاد الأوروبي مصدرالقوة من وجهة نظر كرامب كارينباور حيث تؤكد أن قوة القارةالأوربية في قوة الاتحاد، لذا سوف تتبنى استراتيجية هدفها استمرار تبقي السياسة الداعمةلابقاء وقوة الاتحاد الأوروبي، سواء من الناحية الاقتصادية او العسكرية وذلك يمكن من خلال تدعيم فكرة جيش للاتحاد الأوروبي، كما دعت له المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال كلمتها بالبرلمان الأوروبي حول مستقبل القارة العجوز، الشهر الماضي.
صديقة محتملة لترامب ..هذا ماتذهب إليه وسائل الإعلام الأميركية ,فمع أن خبرة أنغريت كرامب-كارنباور حتى اللحظة, تبدو محدودة في الشأن الأميركي إذ لم تدلى بأي تصريحات تلفت الانتباه في السياسةالخارجية مع الولايات المتحدة . لكن يمكنها عبر علاقتها الشخصية مع ميركل توسيع نطاق رؤيتها بشأن واشنطن وتعميق خبرتها فىهذا الشأن. وقد زارت مرة الولايات المتحدة كأمين عام لحزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي، وتحدثت في الاجتماع السنوي لحكام الولايات الأمريكية، كما زارت أحدمصانع BMW.
في المجمل ,يمكن الترجيح بأن المستشارة الألمانية المحتملة سوف تسير على خطى ميركل وأن سياسات برلين لن تشهد تحولات جذرية لاسيما فيما يختص بأوراق العلاقات الخارجية .









اضف تعليق