الرئيسية » أحداث اليوم » اليسار اللبناني «اليقظ» وسيادة الدولة: لماذا يُعدّ نزع سلاح حزب الله الطريق الوحيد إلى مستقبل لبنان؟
أحداث اليوم الرأي رئيسى

اليسار اللبناني «اليقظ» وسيادة الدولة: لماذا يُعدّ نزع سلاح حزب الله الطريق الوحيد إلى مستقبل لبنان؟

وقّع لبنان وإسرائيل الأسبوع الماضي في واشنطن الإطار الذي رعته الولايات المتحدة، وينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، مقابل تولّي الجيش اللبناني السيطرة على المنطقة والعمل على منع الجماعات المسلحة من النشاط فيها. ومنذ توقيع الاتفاق، لم يتوقف ما أصفه بـ«اليسار اللبناني اليقظ» من محللين وقادة رأي عن توجيه الانتقادات إليه.

وانطلاقًا من رأي يقدّمونه باعتباره «إنسانيًا ونزيهًا»، ويتعاملون معه بوصفه حقيقة بديهية، وصفوا الاتفاق بأنه غير متكافئ، وأشاروا إلى محدودية أوراق القوة اللبنانية، وإلى ما يعدّونه انحيازًا أمريكيًا محتملاً لإسرائيل، بوصف الولايات المتحدة وسيطًا. وذهبت أصوات أخرى إلى اعتباره استسلامًا لا يضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا، وقد يؤدي إلى مواجهة داخلية بين الجيش اللبناني وحزب الله، كما قد يحول دون محاسبة إسرائيل دوليًا على جرائم حرب مزعومة.

وباختصار، فإن آراء هؤلاء الذين يقدّمون أنفسهم كمفكرين مستقلين تتطابق بالكامل مع مواقف قادة وأعضاء حزب الله، بل ربما كان بإمكانهم التعبير عنها بلهجة أشد. فهم يتوافقون تمامًا مع تصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي رفض الاتفاق ووصفه بأنه «لاغٍ وباطل»، واعتبره «مذلًا ومخزيًا وتنازلًا عن السيادة». وأضاف أن الاتفاق يضفي شرعية على الاحتلال الإسرائيلي لأنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله.

كما كرر هؤلاء المنتقدون التهديد الضمني الذي أطلقه النائب حسن فضل الله، حين حذّر من أن الاتفاق قد يشعل «صراعًا داخليًا»، في إشارة إلى استعداد حزب الله لخوض حرب أهلية. وهم أيضًا ينسجمون مع موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي وصف الاتفاق بأنه محاولة لإثارة الفتنة، مؤكدًا أنه «لن يُنفّذ».

إن هذه الجماعة الإرهابية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني تسببت بأكبر ضرر لسيادة لبنان ووحدة أراضيه وازدهاره.

وما يثير دهشتي أن هذا اليسار البرجوازي اللبناني «اليقظ» يبدي قلقًا شديدًا، بل يفتقر إلى الحد الأدنى من الحساسية، تجاه ما قد يتركه هذا الإطار من أثر في سيادة لبنان، لكنه لا يشعر بالقلق نفسه إزاء السيادة التي ينتهكها اليوم حزب الله والحرس الثوري الإيراني. فهذا، بالنسبة إليهم، أمر طبيعي ومقبول. فاستيلاء حزب الله على قرار الحرب والسلم في لبنان مقبول لديهم، وامتلاكه ترسانة عسكرية خارج سلطة الدولة لا يثير لديهم أي تساؤلات حول السيادة، كما أن تهديده للمنتقدين اللبنانيين قبل أي طرف آخر لا يحرّك فيهم أي غضب. فمن الأسهل بالنسبة لهم أن يغضّوا الطرف.

فلنطرح بعض الأسئلة: من الذي منح إسرائيل ذريعة للسيطرة على منطقة عازلة عسكرية في جنوب لبنان؟ ومن الذي جرّ البلاد بأكملها إلى صراع لا علاقة لها به؟ ومن الذي دأب على تدمير سيادة الدولة وإفساد مؤسساتها؟ الجواب واضح: حزب الله.

ولهذا السبب، لا ينتقد هؤلاء اليساريون حزب الله، لأنه، مثلهم، يستفيد من دولة ضعيفة يمكن استنزافها. فهم يرون أن اشتراط نزع سلاح حزب الله قبل أي انسحاب إسرائيلي يشكل خطرًا على وحدة الأراضي اللبنانية، لكنهم يعجزون عن الإجابة عن سؤال بسيط: كيف حمى حزب الله هذه الوحدة؟ الواقع أن حزب الله هو من دمّرها. فهذه الجماعة الإرهابية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني ألحقت أكبر الأضرار بسيادة لبنان ووحدة أراضيه وازدهاره.

لقد دافع الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام بحق عن هذا الإطار باعتباره «الخطوة الأولى» الضرورية لاستعادة السيادة، وإنهاء الأعمال العدائية، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار بدعم أمريكي ودولي. ولا شك أن تنفيذ هذا الإطار ليس بالأمر السهل، لكنه يمثل خريطة الطريق الصحيحة نحو الاستقرار.

وعلاوة على ذلك، فإن نزع سلاح حزب الله ليس مجرد استجابة لمتطلبات هذا الإطار، بل هو مسؤولية وطنية ومطلب لغالبية ساحقة من اللبنانيين الراغبين في استعادة الدولة لقرارها السيادي. ولا يوجد سبيل آخر يمكّن لبنان من التفاوض مع إسرائيل أو سوريا من أجل مستقبل أفضل لمنطقة المشرق بأسرها.

إن لبنان بحاجة إلى الوحدة حتى ينجح في تطبيق هذا الإطار، ثم الانتقال إلى التفاوض على اتفاق سلام طويل الأمد مع إسرائيل. لكن هؤلاء المنتقدين يجعلون المهمة أكثر صعوبة، ويمنحون حزب الله مزيدًا من الجرأة في تحديه. ومن خلال إصرارهم على أن حزب الله جزء من لبنان، وأنه «حركة مقاومة»، فإنهم يرددون أيضًا ما يروّجه جيل جديد من المستشرقين في العواصم الغربية.

ويبدو أن لبنان، بصراعاته ودماره الذي لا ينتهي، يلبي حاجة هؤلاء إلى الظهور بمظهر الخبراء وإظهار معرفتهم الدقيقة. ولذلك يستمرون في ترديد مقولة إن حزب الله جزء من النسيج اللبناني، ويروجون للوهم القائل بوجود جناح سياسي وآخر عسكري له. إنهم يظنون أنهم يتعاطفون مع شعوب المشرق، بينما هم في الواقع ليسوا سوى «الحمقى النافعين» للحرس الثوري الإيراني.

ويحتاج الرئيس جوزيف عون إلى إيجاد السبل التي تمكّن الجيش اللبناني من لعب الدور المحوري في استعادة سلطة الدولة. وهو يستحق دعم جميع اللبنانيين في تحقيق هذا الهدف. أما اليسار اللبناني، فعليه أن يبدأ بحب جيش بلاده أكثر من ولعه بمنح الشرعية لحزب الله. فما يقوله ويفعله اليوم خطير ومدمر.

صحيح أن تنفيذ هذا الاتفاق ليس سهلًا، لكنه قد يسمح للجيش اللبناني بأن يتولى تدريجيًا المسؤولية الأمنية الحصرية في جنوب لبنان، ثم يبسط هذه السلطة على كامل الأراضي اللبنانية. غير أن تحقيق ذلك يبقى مرهونًا بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها حزب الله.

إن الإقرار بأن حزب الله جلب الدمار إلى لبنان، وبأن نزع سلاحه ضرورة، يجب ألا يكون من أجل إنجاح هذا الإطار فحسب، بل من أجل مستقبل لبنان نفسه. فاحتكار الدولة للسلاح والسيادة، وبسط سلطتها عبر الجيش اللبناني، هو السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان وشعبه.

الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى