في يوم خريفي دافئ في قرية القرداحة السورية دخل رجل مقهى، حيث كان اثنان من الزبائن يتشاحنان.. يشهر الرجل سلاحا وتطلق رصاصات.. أصيب الوافد على المقهى، وقتل أحد الرجلين.
الحادث ليس مجرد نزاع محلي، لكنه يكشف عن توتر فيما بين المؤيدين الرئيسيين للرئيس بشار الأسد. فالقرداحة موطن أسلاف أسرة الأسد الحاكمة، والرجل الذي دخل المقهى ومعه مسدس هو ابن عم للرئيس الذي تحاصره المشاكل.
تآكل التأييد
تتباين الروايات عن الحادثة، لكن الاشتباك المسلح في المقهى، وما تبعه من إراقة للدماء في القرية اقتصر على العلويين (الطائفة التي يعول عليها الأسد في حربه ضد المعارضة). وتشير الحادثة إلى أن الخوف والغضب من سياسات الأسد، قد يؤديان إلى تآكل ذلك التأييد.
يقول بعض سكان القرية إن محمد الأسد المعروف باسم "شيخ الجبل"، نظرا إلى علاقاته العائلية الوطيدة دخل في تلاسن في المقهى حول التهريب والابتزاز اللذين يشكلان دعامة الاقتصاد في البلدات العلوية على التلال المحيطة بميناء اللاذقية. وقال آخرون إنه خرج على القاعدة، ليشكو من إدارة ابن عمه للحرب، ومن تزايد اعداد القتلى بين أبناء الطائفة.
ويرقد في قبر مهيب في القرداحة الرئيس الراحل حافظ الأسد (والد بشار) الذي حكم سوريا من عام 1970 وحتى وفاته في عام 2000.
وجلب حكمه الثروة والمزايا أقلها وظائف في الجيش والشرطة للطائفة العلوية التي ظلت محرومة لفترة طويلة، والتي تشكل نحو عشرة في المائة من سكان سوريا. ولكن الحرب التي يصورها بشار على أنها معركة من أجل البقاء ليس له وحده، وإنما بقاء العلويين في مواجهة أعداء طائفيين، أدت إلى تفاقم التوترات العشائرية، وتوترات داخلية أخرى داخل الطائفة العلوية.
والحوادث التي وقعت في الآونة الأخيرة حول القرداحة، توحي لبعض المراقبين والدبلوماسيين الغربيين بأن الصراعات العشائرية، وسقوط آلاف القتلى في صفوف المقاتلين العلويين، والأزمة الاقتصادية قد تنال من ولاء القادة العلويين البارزين، حيث تجد الطائفة نفسها هدفا لغضب المعارضة على نحو متزايد.
سخط شعبي
وهناك غياب للمعلومات من مصادر مستقلة من داخل سوريا، ولكن السكان في منطقة اللاذقية يقدمون روايات متشابهة للأحداث.
وقال مجد عرفات (علوي) انضم لصفوف المعارضة، إن هناك سخطا متناميا بسبب معاناة السكان المحليين، بينما تظل عائلات النخبة في منأى. وقال عرفات "الحديث الدائر في الجبل أن العلويين يقتلون بأعداد كبيرة، ولكن لم يتصل أي منهم بالأسد أو مخلوف أو شاليش" التي تربطها صلات قرابة وثيقة بعائلة الأسد.
وتوقع دبلوماسي غربي أن انشقاق العلويين حتى لو كانوا من رتب أقل قد يثير التوقعات بحدوث انقسام ينطوي على أضرار أكبر، مشيرا إلى فشل انشقاق كبار ضباط الجيش السنة في تقويض سطوة قوات الأسد.
انقسامات
وقالت جماعة للنشطاء تعد تقارير إن نحو 7300 من الموالين للأسد قتلوا. لكن كثيرين يعتقدون أن العدد الإجمالي أعلى. وفي المنطقة المحيطة مباشرة بالقرداحة، قدّر السكان أن ما يصل إلى 300 رجل ربما قتلوا في العام الماضي، إما في معارك مع المعارضة المسلحة، أو في كمائن واغتيالات طائفية.
لكن الطائفة العلوية لا تتحمل العبء على نحو متساو، كما كانت الحال على مدى 40 عاما. فأبناء عائلتي مخلوف وشاليش أقارب لعائلة الأسد، وصعدوا من أصول متواضعة، ليحققوا ثروات بفضل الفوز بعطاءات حكومية، وهو سبب لاستياء العائلات العلوية الأكثر رسوخا، والتي تعرضت للتهميش على أيدي الأسد ووالده.
والآن تعود هذه الانقسامات لتطفو على السطح من جديد على ما يبدو، في بيئة تتعرض فيها الثروة للخطر، بسبب الانتفاضة، والآن يخشى كثير من العلويين من انتقام أعداء الأسد منهم بشكل جماعي.
وتكشف تفاصيل إطلاق النار في المقهى في يوم 29 سبتمبر أن التوترات الداخلية بدأت تظهر على السطح، مع تكبد الطائفة خسائر.









اضف تعليق