الرئيسية » رئيسى » حرب لييبا الأبدية ..أبعاد و مآلات التفاعل الإيراني
تقارير ودراسات رئيسى

حرب لييبا الأبدية ..أبعاد و مآلات التفاعل الإيراني

i.alarab.co.uk

للوهلة الأولى تبدو الساحة الليبية بتعقيداتها الراهنة بعيدة عن مرمى خارطة النفوذ الإيرانى لكن ثمة تحولات بالمشهد دفعت طهران إلى أن  تراقب عن كثب ما يدور هناك لاسيما مع دخول العديد من القوى الإقليمية على خط الصراع فضلاً عن انعكاسات الوضع على محاولاتها للتمدد فى شمال أفريقيا .

ولعل هذا ما دفع معهد طهران للدراسات المعاصرة في الخليج الفارسي وشمال أفريقيا إلى عقد ورشة عمل تحت عنوان: التطورات الليبية وتبعاتها الإقليمية على جمهورية إيران الإسلامية، والتي شارك  بها مجموعة من الخبراء والباحثين في هذا الشأن حيث ناقش المجتمعون عدة محاور لمتابعة التطورات الليبية والقوى الفاعلة في المشهد بغية رفع توصيات لصناع السياسات الإيرانية.

مساعى طهران لاستبيان الموقف فى طرابلس تضعنا بمواجهة احتمال هو الأقرب للواقع الجيوسياسيى , إذ من المرجح أنه يتجه النظام الإيراني إلى التخندق  ضمن محور تركيا ودعم حكومة فايز السراج خاصة وأن سيطرة الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس يعد انتصارا لمحور الاعتدال العربى بقيادة الرياض والقاهرةوتغييراً بموازين القوى في الشرق الأوسط لصالحهم وحلفاءهم  مما قد يشكل تهديداً لمشروعها و لدورها العسكرى بملفات أخرى فى المنطقة . .

يضاف إلى ذلك أن انتصار حفتر قد يقوض دورها المتنامى في تطويق  شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. فقد عملت إيران على مدار ثلاثة عقود على خلق حواضن وجيوب لها في القارة السمراء  تتفاوت في قوتها  وأدواتها من دولة لأخرى.وفقا للنطاق الجغرافي ففى الغرب تلبست إيران عباءة الدين فى “الحزام الإسلامي غربي أفريقيا”( المنطقة الجغرافية التي تمتد من موريتانيا غرباً حتى النيجر شرقاً، ومن موريتانيا شمالاً حتى ليبيريا جنوباً ومنها حتى نيجيريا)  ونجحت بالتموضع  فى ظل وجود غالبية مسلمة  فى تلك الدول.

وتعود أهمية الشمال الأفريقى بالسياسات الملائية إلى كونه واجهة خلفية  سبق واستخدمتها  للتحرك الدبلوماسي والاقتصادي في مواجهة الحصار الدولي والعزلة الإقليمية، فضلاً عن انه ضلع أساسي في “الهلال الشيعي” . وفي فترة ما قبل الاتفاق النووي أسهم تطور العلاقات الاقتصادية فى التخفيف من وطأة الحصار وساعد على فتح أسواق جديدة للاستثمار أمام القطاع الخاص الإيراني المحاصر وتبنت طهران سياسة النفط مقابل اليورانيوم و زادت صادرات النفط الإيراني لأفريقيا من 1.3 مليار دولار عام 2003، إلى 3.6 مليارات دولار عام 2012. بما يعنى أن توجه إيران نحو إفريقيا كان إحدى محاولاتها لفك الحصار العالمي عليها، وكانت إفريقيا الفضاء الأنسب لذلك، باعتبارها ساحة الصراع الثانية عالميًّا والمورد الطبيعي الأكبر للعالم، وهو ما انعكس بجلاء تام في مايو 2018 بإعلان المغرب قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، بسبب اتهامات بدعم طهران لجبهة البوليساريو.

اصطفاف إيران إلى جانب تركيا وحكومة السراج يخدم مصالحها فى سوريا إذ أنه قد يشكل ضغطاً متزايداً  على موسكو والتى تسعى لتحجيم نفوذ طهران فى دمشق وبالوقت ذاته تدعم قوات حفتر بما يعنى أن دخول إيران على خط الصراع فى ليبيا  قد تعمد إلى توظيفه كوسيلة للمتفاوض مع الروس ودفعهم إلى  الاستجابة لمطالبها في سياق  إعادة ترتيب البيت الداخلي في سوريا و توزيع  القطاعات الاقتصادية وفق نسق محدد .

حيث  توحى سياقات التطورات الراهنة أنهما تسعيان لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة في ظل منافسة شرسة على الصعيدين الاقتصادى والاستراتيجي مما أفضى فى مارس الماضى, إلى اصطدم النظام السورى  بواقع انقسامه داخليا إلى  معسكرين أحدهما بقيادة ماهر الأسد شقيق الرئيس ، وقائد الفرقة المدرعة الرابعة للجيش ، والذى يعد رجل إيران فى سوريا ويعتقد أن ولائه بكامل فرقته لطهران و تهدف من خلاله إلى تشكيل مليشيات إضافية لإرساء جذورها على المدى الطويل وتعزيز تحركاتها لبناء ممر نفوذ عبر العراق وسورية إلى لبنان.والثانى حلف الداعمين للكرملين  بقيادة وزير الدفاع علي عبد الله أيوب وسهيل الحسن قائد ميليشيا “قوات النمر” . وقد ظهرهذا الانقسام عقب قرار الأسد بمنح إدارة ميناء اللاذقية لإيران  مما أثار استياء الروس والتى رأت أنه يمس مصالحه  وهوما انعكس فى التهديد  بمطالبة الأسد بسداد ديون الحرب السورية ، والتى تقترب من نحو  من 10 مليارات دولار إذا ماسمح لطهران بإدراة الميناء   . ولعل هذا مادفع النظام حينها, لتحقيق قدر من التوازن بين طموحات داعميه , إذ كشفت الأنباء المتداولة عن صفقة محتملة تستحوذ موسكو بموجبها على ميناء طرطوس لمدة تصل إلى نحو نصف قرن   وأشارت مصادر إلى أن تأجير ميناء طرطوس في الأصل كان من نصيب إيران، التي تفوق ديونها على نظام بشار الأسد 20 مليار دولار.والتى طلبت من نظام بشار تأجير الميناء 49 عاما، ووافق الأسد، ولكن الروس قطعوا الطريق عليها. وطلبوا تحويل العقد لهم بدلا من إيران.

لذلك ربما تشكل  مخاوف طهران من استدارة الاسد الكاملة نحو موسكو عبر تغييرات هيكلية برأس النظام تم أتخاذها في يوليو الماضي لتحجيم النفوذ الإيرانى وهى الخطوة التى حظيت  بتأييد دولي وإقليمي , دافعاً قوياً لدعم السراج واستخدام الورقة الليبية التى تبدو رابحة باللحظة الراهنة لاسيما وأن روسيا تبحث عن موطىء قدم بالمياه الدافئة في شمال أفريقيا لترابط بالقرب من قوات الناتو .

لكن المفارقة التى تبدو منطقية وغير منطقية في آن واحد ,هى ما تداولته التقارير الإسرائيلية بشأن دعم إيران لقوات المشير حفتر ، حيث فجر ممثل إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، مفاجأة يوم الأربعاء الماضي عندما كشف عن إرسال إيران أسلحة متطورة لقوات اللواء خليفة حفتر في ليبيا. وبحسب المسؤول الإسرائيلي فإنه تم التقاط صور لأربع قطع من هذه الصواريخ، والتي تعتبر بمثابة نسخة إيرانية عن صواريخ كورنيت الروسية المشهورة والفعالة باستهداف الدروع من مصفحات ودبابات.

ومع أن سياقات التنافس الجيوستراتيجى تنفى ما ورد بالتقارير الإسرائيلية خاصة وأنها تنبىء بانضمام إيران إلى محور الرياض عدوها اللدود في الشرق الأوسط  ,غير أن هناك العديد من المؤشرات تجعل من غير الممكن استبعاد هذا الاحتمال إذا ما وضعنا في الاعتبار أن روسيا تعد بنهاية المطاف حليفاَ قوياً لإيران سبق وجرى التنسيق بينهما فى الملف السورى .علاوة على أن المشير حفتر يمثل نظيراً ليبياً مكافئاً لمشروع الأسد لهذا قد يبدو  دعمه طبيعياً  وبالوقت نفسه قد تعمد  إلى توظيف ذلك فيما بعد لتحسين علاقتها مع دول على غرار مصر .

علاوة على ذلك فإن انضمام طهران لمعسكر حفتر قد يمثل فرصة مواتية لإضعاف تركيا في سوريا . إذ حرص أنقرة على تكريس تواجدها على النقاط الرئيسية على طرق الطاقة الأوروبية من خلال الانخراط في الملف الليبى يعنى مزيد من الاشتباك مع الغرب مما يتيح لطهران أيضاً تصفية حساباتها مع أنقرة في ساحة أخرى عوضاً عن  المواجهة المباشرة في سوريا كما حدث إبان قصف الدون التركية  للميليشيات الإيرانية في إدلب بداية مارس الماضي.

في كل الأحوال إيران لا تمتلك القدرة على الانخراط عسكرياً في ليبيا لذلك سيقتصر حضورها على الصعيد السياسي ..وايا كان الجناح الذى ستميل إلى دعمه فإنها ستعمد إلى توظيفه لتحقيق مكاسب بملفات أخرى شائكة ..لكن يظل الرهان معقوداً حول إمكانية أن  تتحول الساحة الليبية إلى سوق رائجة لأسلحتها .