بينما يصب العالم تركيزه على مسألة التأثير الروسي في سوريا يمارس الكرملين نوعاً من التسلل الهادئ دون ضجيج على الشاطئ المقابل هدفه إعادة تموقع روسيا في الشمال الإفريقي وأن تحجز لها مكانا طالما حلمت به ً بالمياه الدافئة غربي المتوسط
هذا التوجه فى السياسة الروسية بدأت ملامحه في التشكل مع وصول بوتين لقمة هرم السلطة والذي أطلق فى عام 2000 مبدأه المعروف بـ”مبدأ بوتين” والذي يقضى بـالمساهمة في بناء “عالم متعدد الأقطاب.. يكون لروسيا دور أساسي فيه”ومنذ ذلك الحين وعلى امتداد الخمسة عشرة عاماً الماضية عمدت روسيا إلى توسيع دائرة تواجدها في الشرق الأوسط ككل وفى شمال إفريقيا بوجه خاص حيث ارتأت قيادة الكرملين أن نظام دولي جديد في طور التشكيل وأن لديها مسئولية في صياغة ملامحه وقد استطاع بوتين استيعاب تلك المتغيرات الاستراتيجية جيداً وأدرك أن الفرصة باتت مواتية للوصول إلى المياه الدافئة على المحيط الأطلسي وحجز مكان بالقرب من قواعد الناتو والحدّ من قدرة الولايات المتحدة على المناورة عسكرياً بل وسحب البساط أمام النفوذ الأمريكي بالمنطقة بشكل تدريجي.
وعلى الرغم من النفي الروسي لمحاولات التمدد بالشمال الإفريقي والتي تم اختزالها وفقا لتصريحات موسكو فى أنها تتعامل مع شمال إفريقيا من منطلق “تقوية التكوين الإقليمي والمحلي، الذي يسمح لتلك الدول بتحديد مصيرها بيدها”وان مساعدتها ليبيا التي دمرها غزو حلف شمال الأطلسي تأتى في إطار استعادة تكوينها المحلي المتمثل بدايًة في إعادة البنية التحتية وأجهزة الدولة, غير أن واقع الأحداث والاتفاقات المبرمة يؤشر إلى قدرة موسكو على انتهاز الفرص عن طريق التعاون العسكري، ودبلوماسية الطاقة، والتجارة
إذ أن مؤشرات السياسة الروسية في الشمال الإفريقي تعود لما قبل اندلاع الثورات العربية حيث ارتكزت في تلك الفترة على تعزيز علاقاتها في المنطقة من خلال إحياء الاتفاقيات القديمة، والتي كانت قد جمدت نتيجة عدم التزام الدول بسداد ديونها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وذلك لأجل إنعاش التعاون في المجالات التجارية والعسكرية، وفى هذا السياق تم إسقاط جزء من الديون عن بعض الدول، وإسقاط كامل الدين عن بعضها الآخر، كما حدث مع ليبيا، التي وصل حجم ديونها 4.6 مليار دولار، والجزائر التي وصل حجم ديونها حوالي 4.7 مليار دولار. كما عمل بوتين على استعادة مكانة بلاده في سوق تصدير السلاح وكانت البداية من الجزائر بصفقة سلاح بلغت قيمتها 7.5 مليار دولار، ثم ليبيا في 2008م، بلغت 2 مليار دولار، وتم استكمالها بصفقة أخرى في 2010م، بقيمة 1.8 مليار دولار، كما تم توقيع اتفاقيات تصدير سلاح مماثلة مع كل من مصر والسودان. هذا إلى جانب تركيز الجهود الاستثمارية على قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية لتعويض خسائر الديون، وشملت تلك العقود دول ليبيا والجزائر، هذا فضلا عن اتفاقية للتبادل التجاري والسياحي مع مصر وكذلك تونس
ومع أن الصيغة الجديدة لعلاقة روسيا مع دول شمال إفريقيا وروسيا كانت إيجابية لصالح الطرفين غير أن اشتعال ثورات الربيع العربي عرض مصالح موسكو لعدد من المخاطر ووضعها أمام جملة تحديات لاختبار حدود تلك المكانة والنفوذ، ومدى إمكانية الحفاظ عليها وضمان استمراريتها لاسيما مع الاعتقاد الروسي بأن الغرب يقف وراء جميع الحركات الاحتجاجية التي استهدفت تفكيك الأنظمة السياسية بتلك الدول الأمر الذي أفضى نسبياً إلى تقويض النفوذ الذي سعى بوتين جاهداً إلى استعادته. لكن سرعان ما نجحت روسيا عبر انتهاج سياسة اتسمت بالثبات والاستمرارية في تجاوز التداعيات الخطرة على مصالحها، وأصبحت مع الوقت مطلوبة للعب دور وظيفي في استعادة الأمن والاستقرار.
التطورات في ليبيا كشفت عن مدى تأثير روسيا على مجريات الأحداث في المنطقة, فقد اختارت موسكو الانخراط في الأزمة منتعشةً بنجاحها في سوريا، واعترفت بالمجلس الوطني الانتقالي عام 2016، لكنها فى الوقت نفسه شرعت فى العمل بصورة ناشطة مع خصمه المشير خليفة حفتر والذي تميل له موسكو على نحو متزايد وترى به رجلاُ قوياً بسبب إعلانه الدائم عن كراهية الجماعات الإسلامية وخلفيته العسكرية لكن دعم موسكو لحفتر والذي برز في السنوات الأخيرة يمكن إدراجه كذلك في إطار محاولة للضغط على خيار الغرب المفضل في طرابلس والمتمثل في حكومة فايز السراج. . وقد زار حفتر روسيا ثلاث مرات خلال عام 2016، وفي كانون الثاني/يناير 2017، صعد على متن حاملة الطائرات الروسية “الأميرال كوزنستوف”، التي رست حينئذ قبالة ساحل طبرق. وفي آذار/مارس، أفادت بعض التقارير أن القوات الخاصة الروسية تمركزت غرب مصر لمساعدة قوات حفتر عبر الحدود.و تم رصد تسلم الجيش الليبي لبعض مدافع الميدان الروسية، وكذلك وصول بعض قطع الغيار الخاصة بمقاتلات الميج 23 التي يمتلكها سلاح الجو الليبي، وبالطبع كان هذا الدعم محدودًا بشكل كبير نظرًا لحظر التسلح المفروض على ليبيا.هذا إلى جانب انطلاق ما يشبه “الجسر الجوي” من قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية بسوريا لنقل جرحى الجيش الوطني للعلاج في المستشفى الميداني الروسي بواسطة طائرات النقل.
التفاعل الروسي مع مختلف الأطراف الليبية الفاعلة يأتي في إطار مساعي سيد الكرملين لاستعادة نفوذه وذلك بتقديم نفسه كصانع سلام بديل عن الأمم المتحدة واتفاقياتها التى يدعمها الغرب فضلاً عن كونه جزء من استراتيجية روسية ترمى إلى التحوط من حفتر خاصة وان أهم ما يشغل بوتين هو بسط نفوذه في لبيبا، بغض النظر عمن يتولى دفة الحكم في البلاد حيث يتطلع إلى ميناء طبرق لإبرام اتفاقات محتملة لرسو السفن .حيث أن التواجد بشكل دائم في المياه الليبية سوف يعزز من النفوذ الروسي بالمنطقة فضلاً عن أن تمركزها عسكرياً على الشواطئ الليبية، ناهيك عن نقل أسطولها من البحر الأسود إلى البحر المتوسط يعد أحد وسائلها للحفاظ على منفذ المياه الدافئة التي حلمت بها بعد إخفاقها في أفغانستان، ومن ثم تأزم الوضع في سوريا.
لكن يظل إنقاذ الاتفاقات التي أبرمت فمع نظام القذافى أحد علات الحضور الروسي وقد حاولت موسكو خلال السنوات الست الماضية إنقاذ هذه الصفقات. ففي تموز/يوليو 2017، بدأت شركة النفط والغاز الروسية الحكومية “روسنفت” بشراء النفط من “المؤسسة الوطنية للنفط” الليبية والأهم بالنسبة لروسيا،وعمدت كذلك إلى توسيع التعاون الاقتصادي، فخلال عام 2017 تضاعف ذلك التعاون بين موسكو وطرابلس، ليصل 135 مليون دولار مقارنة بعام2016
مطالبات الناطق الرسميّ باسم قوات المشير خليفة حفتر، بأن تلعب روسيا دوراً أكبر في الملف الليبيّ يشبه الدور الذي لعبته في سوريا، عسكريّاً وبخاصّة دبلوماسيّاً، لإبعاد دول مثل تركيا وقطر وإيطاليا أو الحدّ من نفوذها يمثل فرصة ذهبية لموسكو لتُرفّع من حضورها.إذ أن تصريح أحمد المسماري (الناطق الرسميّ باسم قوات المشير خليفة حفتر) يؤشر إلى رؤيته حول إمكانية توظيف العُزلة الروسيّة في ليبيا لمصلحته والتي نجمت عن وجود توافق أوروبي أميركيّ على تحييد موسكو من الملف الليبي، حيث تنتشر في الإعلام الغربي تحذيرات من تفاقم الحضور الروسي في ليبيا، وإحالات تُذكر بمشاريعها هناك خلال فترة حكم القذافي. وترتبط المشاريع التي يخشى الغربيّون إحيائها باتفاق يعود إلى عام 2008 لإقامة قاعدة بحريّة روسيّة في مدينة بنغازي، وصفقات تسليح تقارب قيمتها 2 مليار دولار، إضافة إلى صفقة لمدّ سكة حديديّة بين شرق البلاد وغربها، ومشاريع طاقة مشتركة, فالأمر بالنسبة لحفتر يرتبط بمشروعه في توحيد البلاد عسكرياً، ومن ثم انتظار تفويض بالحكم .
على المستوى الاستراتيجي تبعد السواحل الجزائرية 70 كيلومترًا عن سواحل دول الناتو (إسبانيا وفرنسا)، لذا فالجزائر حليف استراتيجي؛ لاسيما في ظل أزمات روسيا مع الناتو .كما تعد من المشترين الخمسة الأوائل للأسلحة الروسية، إذ تتلقى من موسكو أكثر من 80 في المائة من معدّاتها، واستحوذت عام 2016 على 10% من صادرات الأسلحة الروسية. وفي عام 2006، أعفت موسكو الجزائر من دين قدره 4.7 مليارات دولار كانت الجزائر تدين به للاتحاد السوفييتي، ما أتاح للدولتَين تحسين علاقاتهما وتوطيد روابطهما السياسية والاقتصادية وأبرم على إثر ذلك اتفاق أسلحة مع الجزائر هو أكبر عملية بيع للأسلحة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بلغت قيمته نحو 7.5 مليار دولار . ويرى محللون أن روسيا تعمل على تسليح جيش الجزائر “كما تسلّح جيشها الخاص، لتعطي رسالة لأوروبا بأن من يغامر بالاقتراب من الجزائر كأنه يقترب من روسيا”. لافتين إلى أن العلاقة الشرعية المتوارثة بين روسيا والجزائر من عهد الاتحاد السوفييتي كانت وراء أن تعتبر موسكو الجزائر واحدة من الدول القلائل التي تزودها بـ6 غواصات (كيلو) المعروفة باسم الثقب الأسود والتي تتميز بهدوئها وعدم قدرة العدو على مراقبتها. ولا يقف الدور الروسي عند توريد الأسلحة المتطورة إلى الجزائر فحسب، بل يتضمن كذلك المُساهمة عبر إمدادهم بالخبراء العسكريين الروسي لتطوير صناعة السلاح والمعدات. وفي عام 2016، بدأت الجزائر وروسيا تتبادلان المعلومات الاستخباراتية حول تحركات الجماعات الإرهابية في جميع أنحاء شمال أفريقيا
وعلى الرغم من رغبة موسكو في تفعيل حضورها بقطاع النفط في الجزائر غير أن كون الأخيرة أكبر مزود للغاز الطبيعي إلى أوروبا بعد النرويج وروسيا جعل روسيا تنظر إليها باعتبارها منافس وليست شريك و تعتمد موسكو على هذا النهج في التعاون مع الجزائر للسيطرة على أسعار الغاز العالمية ومع ذلك فشركة “غازبروم” الروسية تملك أصولاً في الجزائر، وقد فازت بعقود للتنقيب عن النفط والغاز وتطوير استخراجهما، لكن القوانين الصارمة التي تحكم الاستثمارات الأجنبية في الجزائر تحدّ من الإمكانات الاستثمارية لهذه الشركات.
وفى تونس يمهّد الكرملين من خلال السياحة وتأثيرها على الاقتصاد ، الطريق لممارسة نفوذ روسي أكبر في البلاد. فعندما هزت سلسلة هجمات إرهابية تونس بعد أحداث “الربيع العربي”، وامتنع سياح أوروبا عن زيارة تونس، قامت روسيا بملء ذلك الفراغ عبر مواطنيها. حيث ازداد عددهم إلى 600 ألف في العام 2017، أي أكثر من ضعف ما كان عليه في العام 2014 وبنسبة تخطت 10 في المائة من عدد زوار البلاد في ذلك العام.
العلاقات الروسية – التونسية لم تقتصر على السياحة بل شملت منذ عام 2011 مكافحة الإرهاب والطاقة النووية. وفي عام 2016، بدأت موسكو تشارك تونس صور التقطتها الأقمار الصناعية للجماعات الإرهابية المتنقلة في أنحاء المغرب العربي، وهو الأمر الذي أثنى عليه المسئولون هناك نظراً لمساهمته في إحباط الهجمات المرتبطة بشبكات التهريب على طول الحدود الليبية. كما أبرمت الدولتان اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية وتعهدت موسكو بتزويد القوات المسلحة التونسية بطائرات هليكوبتر
وتستحوذ المغرب على مساحة لا بأس بها من الأجندة الروسية حيث تعدها بوابة الاستثمار بالقارة السمراء ونموذجاً فى مكافحة الإرهاب وفي عام 2016، التقى ملك المغرب محمد السادس مع الرئيس بوتين في موسكو، في أول زيارة يقوم بها العاهل المغربي لروسيا منذ عام 2002. وقد سعى الملك إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية من خلال تجديد اتفاقية التجارة الحرة بين الدولتين وإفساح مجال أكبر أمام الروس للاستفادة من الثروة السمكية المغربية على ساحل المحيط الأطلسي. وجاءت زيارته على خلفية العلاقات المتوترة مع إدارة أوباما، وقد تجلى توطيد الشراكة مع المغرب في الإعلان الذي صدر في تشرين الأول/أكتوبر الماضي حول إبرام إحدى عشر اتفاقية في قطاعيْ الزراعة والطاقة والقطاع العسكري، بما في ذلك اتفاقية تبدأ روسيا بموجبها في توريد الغاز الطبيعي المسال للمملكة.
الثعلب الروسي يبدو مؤمناً بمقولة الإيطاليّ نيكولو ميكافيلي إن “على الدول أن تضع مصالحها الوطنية فوق كل اعتبار” وقد تمكن الكرملين تحت قيادة بوتين من استعادة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووضع حد للعزلة الدولية التي عاشتها .









اضف تعليق