في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، تأتي زيارة البابا لتعيد التذكير بحقيقةٍ أساسية كثيراً ما حاولت الأزمات طمسها: الدور الجوهري للمسيحيين في تكوين هوية لبنان، وفي صناعة أيام مجده، وفي حماية فكرة الوطن كوطنٍ للحرية والتعدد والإنسان. ليست الزيارة حدثاً بروتوكولياً، بل شهادة عالمية بأن وجود هذه الجماعة كان ولا يزال ركيزة وطنية، وأن لبنان من دونها لم يكن ليحمل ملامحه الحضارية ولا حضوره الثقافي ولا إشعاعه في الشرق.
منذ نشأة لبنان الحديث، لعب المسيحيون دوراً محورياً في تعليم أبنائه، بناء مؤسساته، تطوير صحافته، وإرساء نموذج التعايش الذي ميّز البلاد عن محيطها. الجامعات، المدارس، المستشفيات، الحركة الفكرية، المشهد الفني، والمبادرات الاجتماعية والإنسانية، كلها حملت بصمة واضحة للمؤسسات والرهبانيات والشخصيات المسيحية التي وضعت خدمة الإنسان فوق كل اعتبار. هذا الإسهام لم يتراجع حين ضاقت الأرض بأبنائها؛ فحتى في الاغتراب، ظل اللبنانيون المسيحيون سفراء لوطنهم، يدعمونه اقتصادياً، يستثمرون فيه، ويعيدون وصل لبنان بالعالم من خلال نجاحاتهم وثقتهم بوطنهم الأم.
زيارة البابا تأتي لتذكّر بأن هذا الإرث ليس مجرد ذكرى، بل مسؤولية مشتركة للحفاظ عليه. حين يقف رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى جانب اللبنانيين، فهو يرسل رسالة واضحة: بقاء المسيحيين في لبنان ضرورة وطنية وليست مسألة عددية أو فئوية. فهم جزء من معادلة الاستقرار، ومن روح هذا البلد، ومن قدرته على النهوض مهما اشتدت الأزمات. وإذا كان لبنان في الماضي منصة للحوار والانفتاح والتلاقي، فلأن هذه الجماعة حافظت على قيم الانفتاح، ودافعت عن حرية الرأي والمعتقد، وكرّست الثقافة بوصفها لغة للوطن لا للطوائف.
الزيارة تحمل أيضاً بُعداً عملياً. فحين يرى العالم البابا على أراضي لبنان، تتجه الأنظار مجدداً إلى معاناة شعبه، وإلى الحاجة الملحة لإعادة إعمار ما تهدّم، ليس فقط في الحجر بل في الثقة والاقتصاد والدولة. إعادة البناء ليست ترفاً، بل ضرورة للحفاظ على لبنان الذي نعرفه. ولا يمكن لهذا البناء أن يتحقق من دون إعادة تأكيد دور المسيحيين كشركاء أساسيين، لأن مستقبل لبنان يحتاج إلى كل عناصر قوته التاريخية، وعلى رأسها تنوعه ووجود من حافظ على جوهر هذا التنوع.
لبنان اليوم يقف على مفترق طرق، وزيارة البابا تأتي كدعوة إلى أن يستعيد نفسه. فالأوطان تُبنى عندما تتذكّر شعوبها قيمها الأساسية، وعندما تعود إلى الأسس التي صنعت مجدها. وجود المسيحيين، بثقافتهم وإسهاماتهم وارتباطهم العميق بلبنان، هو أحد هذه الأسس التي لا يمكن التفريط بها. ومن هنا، تصبح الزيارة دعوة صريحة إلى طيّ صفحة الانقسام واليأس، وفتح صفحة جديدة من الشراكة الوطنية الحقيقية.
إنّ لبنان الذي عرفناه لا يزال ممكناً. ولبنان الذي يستحقه أبناؤه يمكن أن يولد من جديد. زيارة البابا ليست نهاية المسار، بل بدايته: تذكير بما قدمه المسيحيون للوطن، تأكيد على أنّ دورهم أساسي في مستقبله، وإشارة إلى أن إعادة البناء واجب وطني لا يحتمل التأجيل.
م الاستعانة بـchatgpt فى كتابة المقال









اضف تعليق