في محيط قصر قرطاج , اشتدت رحى المعارك بين أجنحة الائتلاف الحاكم حيث وصل الصراع بين طرفي السلطة إلى مستويات غير مسبوقة فى تونس التي تواجه حاليا أخطر أزماتها السياسية منذ الإطاحة بـ”زين العابدين بن علي” ,فالنار التي ظلت مستعرة تحت رماد الكتمان خرجت للعلن وبقرار من السبسي نفسه
“السبسي الابن” كلمة السر في الصراع المحتدم والذي بات معلناً الآن عقب تدخل الباجي قائد السبسي خلال حوار متلفز يوم الأحد 15 يوليو مُخيّرا الشاهد بين الاستقالة أو اللجوء إلى مجلس نوّاب الشعب لتجديد الثقة في حكومته الأمر الذى يؤشر إلى اصطفافه في “حرب” نجله ” حافظ ضد “يوسف الشاهد” رئيس الحكومة والتى خرجت على رؤوس الأشهاد أواخر أيار/مايو الماضي، عندما أقر الشاهد، بوجود أزمة سياسية تمر بها البلاد، محملاً مسؤوليتها لحافظ السبسي.و رد الأخير على الشاهد فى بيان أكد خلاله أن “الحكومة الحالية تحوّلت إلى عنوان أزمة سياسية، ولم تعد حكومة وحدة وطنية”.ونُقل عن الشاهد أنه انتقد علناً في أكثر من مناسبة، داخل قصر قرطاج (الرئاسي) نجل الرئيس بحضور والده وزعيم “حركة النهضة” وقيادات نقابات العمال ورجال الأعمال. وذهب رئيس الوزراء إلى حد تحميل قائد السبسي الابن مسؤولية الأزمة السياسية التي يواجهها الحزب الحاكم والتي تسببت في تراجع شعبيته بنسبة 70 في المائة خلال انتخابات مايو الماضي مقارنة بانتخابات أواخر 2014.
الأزمة داخل حركة “نداء تونس″، أدت إلى انقسام الحزب الحاكم حول مصير الحكومة التي يترأسها يوسف الشاهد (المنتمي إلى الحزب إلى فريقين : الأول داعم للشاهد وحكومته، والآخر يدعم المدير التنفيذي للحزب ونجل الرئيس ، حافظ قائد السبسي .وفى حين يدعو الأول إلى إجراء تعديل يقدم نفسه على أساس الهيئة السياسية للحزب (كان له 86 نائباً والآن 56 من أصل 217)، يطالب الثاني بتغيير الحكومة.ودخل الصراع منحى من التعقيد بعد رفض رئيس الوزراء يوسف الشاهد طلب الرئيس التنحي من منصبه أو تغيير حكومته. مبرراً تمسكه بمنصبه بما أطلق عليه ” التداعيات الخطيرة ” والتي يمكن أن يسفر عنها تغيير الحكومة في هذه المرحلة الحرجة التي تتطلب الحفاظ على الاستقرار السياسي فى ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة والتزام تونس مع شركائها الدوليين .
وبالرغم من أن الجلسة العاصفة لمجلس النواب والتي تضمنت التصويت على وزير الداخلية الجديد، هشام الفوراتي يوم السبت الماضي ,عدها الشاهد اختبارًا لقياس نبض البرلمان وحقيقة وجود كتل داعمة له من عدمه غير أنها تخللتها مداخلات لنواب وجهوا انتقادات لاذعة للشاهد اتهموه فيها بالفشل، وأن التونسيين في عهده أصبح أقصى طموحهم الحصول على الحليب والماء والدواء، وشككوا في الأرقام التي قدمها عن النمو الاقتصادي متهمين إياه بالانشغال بالانتخابات الرئاسية المرتقبة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، على حساب مشاكل الشعب . وتواجه حكومة الشاهد أيضا مشكلات حادة مع اتحاد الشغل التونسي أكبر تنظيم عمالي في البلاد الذي يصر علي رحيل الحكومة؛ لعجزها الفادح عن ضمان أمن البلاد بعد جريمة جندوبه التي وقعت قرب حدود الجزائر وقتل فيها 6 عناصر من قوات الحرس الوطني التونسي، وقام بارتكابها تنظيم القاعدة الذي يتشكل من عدد من التونسيين الذين كانوا يعملون في العراق وسوريا إلي جوار داعش، ويبدو أن الشكوك تحيط بموقف رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي تتهمه دوائر عديدة بأنه أفسح الطريق لهذه الجماعات بإقالته وزير الداخلية السابق لطفي براهم وتعيين غازي الحريبي حليف حزب النهضة بدلا منه، والذي ضرب وزارة الداخلية في مقتل عبر سلسلة إقالات عدد من القيادات الأمنية التي تشكل العمود الفقري للأمن التونسي
ومع أن الوزير الجديد غير متحزّب، إلا أن تزكيته في البرلمان وإنهاء التصويت لصالحه اكتسب سمة الرهان السياسي وأن الشاهد نجح في أن يكسب جولة أخرى ضد نجل الرئيس. ولعل هذا ما دفع الشاهد إلى التوجه للكاميرات بإشارة إعلان النصر. مع ذلك، لم تثمر ورقة اختبار الشاهد إلا انتصاراً جزئياً وغير مكتمل فقد أعلن رئيس الجمهورية قبل خروجه من البرلمان منح الشاهد مهلة عشرة أيام لعرض نفسه وكامل حكومته على المجلس النيابي لتجديد الثقة
السبسي حاول تفادى الهزيمة في البرلمان بخطوة استباقية تمثلت بالتراجع في الوقت الضائع عبر إقرار التصويت لمرشّح الشاهد للداخليّة فقد أدرك الأب والابن.. أنّه برغم قرار كتلة النداء بعدم التصويت لمرشّح الشاهد لوزارة الداخليّة.. فإنّه سيحصل على الأصوات الواجبة والمطلوبة لاسيما وأن خارطة التوجهات بالبرلمان كشفت انحياز كتلة النهضة التي تضمّ 68 نائبا للشاهد وقد حضروا للمجلس جمعياً صباح جلسة التصويت لذلك يبدو طبيعياً أمام سياسي محنك يجيد المناورات مثل الباجي السبسى أن يقطع الطريق أمام انتصار الشاهد ويتراجع في اللحظة الحاسمة مغلّبا في الأخير المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية . فضلاً عن أن استمرار رفضه كان يعنى ظهور حزب النهضة في صورة المنتصر في مواجهة نداء تونس ممثّلا في جناح ابنه حافظ وأن تنسب المصادقة على تعيين وزير داخليّة الشاهد إلى دعم حركة النهضة له
حركة النهضة لم تفوت الفرصة دون استثمارها فصراع أجنحة السلطة لا يقتصر على النداء والشاهد وعائلة السبسى فقد حسمت الحركة موقفها وأعلنت رفضها القاطع لإقالة الشاهد فى هذا التوقيت مؤكدة على لسان رئيسها راشد الغنوشى “أن الحزب مع الاستقرار واستمرار حكومة الشاهد وعلى من يريد تغيير الحكومة الذهاب إلى البرلمان” .و بالرغم من كل الإطراءات والرسائل المشفرة التي وجهها إليها “السبسي” اكتفت ببيان دعت فيه الحكومة إلى “تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي تم التوافق حولها في “وثيقة قرطاج 2″، والتزام رئيسها بعدم الترشح لرئاسيات 2019” إذ يبدو أن الحركة لا تريد تكرار الخطأ الذى اقترفته من قبل بالموافقة على رئيس الحكومة السابق “الحبيب الصيد” وكانت “النهضة” قد رفضت هذا الأمر في البداية ثم وافقت على مضض. وواقعياً تبدو حركة النهضة أكبر المستفيدين ممّا يحدث، فهي تدعم الشاهد سياسياً وتدفعه إلى القيام بإصلاحات ليبرالية لا شعبية، من دون أن تتحمل هي التكلفة على مستوى الشارع ، والواضح كذلك أن راشد الغنوشي صف إلي جوار رئيس الوزراء يوسف الشاهد ليزيد من قوة الانقسام داخل حزب نداء تونس ويطيل من عمر الأزمة ويعطل حلولها بما يخدم أغراض حزبه السياسية.
الأزمة الراهنة ليست الأولى من نوعها فقد سبق وواجهت تونس نفس السيناريو واحتدم الصراع بين أجنحة الائتلاف الحاكم حول رئيس الحكومة السابق “الحبيب الصيد”، عندما دعا نجل “السبسي” إلى إبعاده، واصطف والده خلفه بزعم فشل الحكومة في تغيير الأوضاع الاقتصادية. وقد بدأت الحالة الراهنة إثر توقف مشاورات ما يعرف بـ«اتفاق قرطاج 2»، وهو وثيقة من 64 نقطة تحدد أولويات عمل الحكومة، ومثّلت النقطة الأخيرة منها موضع الخلاف، حيث نصّت على إحداث تغيير جذري على التركيبة الحكومية. وكان من المفترض أن تعوّض الوثيقة الجديدة «اتفاق قرطاج 1» الذي وقعّته كبريات المنظمات المهنيّة والأحزاب قبل عامين، والذي شمل تقديم الدعم للحكومة مقابل التزام الأخيرة بما جاء في الاتفاق. حينها، جاء رئيس الجمهوريّة بيوسف الشاهد الذي يفتقد الخبرة السياسيّة وفرضه على رأس «حكومة الوحدة الوطنيّة». مع الوقت، انسحب عدد من الأحزاب من الاتفاق، واعتبرت المنظمات المهنيّة أنّ الشاهد لم يلتزم ببنوده.
“معركة الشقوق لا تعنينا ولن نكون أدوات لتصفية حسابات” بتلك الجملة عبرت المعارضة التونسية عن موقفها واكتفت حتى الآن بالتفرج وإصدار بيانات، إذ تؤكد قيادات من “الجبهة الشعبية اليسارية”، بعد اجتماعها، أنّ رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية باتا في مواجهة مفتوحة من أجل الاستيلاء على ما بقي من حزب “نداء تونس”.
الصراع بين دوائر السلطة فى تونس لا ينفصل بأى حال عن الانتخابات الرئاسية المقبلة إذ أن الحملات الإعلامية المتبادلة بين قطبي السلطة وحلفاء الشقّين المتنافسين تؤشر إلى أن سباق الرئاسة قد بدأ بوقت مبكر . وربما يؤدى إلى استفحال الأزمة لاسيما مع بروز مخاوف لدى قيادة “نداء تونس” من تعاظم طموحات الشاهد السياسية حيث يراهن المراقبون على أن احتدام الخلاف قد يدفع رئيس الحكومة ومناصريه إلى الانفصال وتشكيل حزب جديد يخوض غمار الاستحقاق الرئاسي فى 2019 مستخدمين شعارات معارضة لتوريث الحكم فى ظل وجود اتهامات يسعي السبسي وقيادات النداء لتولى نجل الأول سدة الحكم خلفاً لوالده , ولعل ما يزيد من عمق الصراع صغر سن الشاهد مقارنة بمنافسيه حيث لم يتجاوز الخامسة والأربعين ويعتقد هؤلاء أن ذلك ورقة رابحة تضاعف من فرص فوزه لاسيما وأن لديه مشروعه السياسي الخاص الذي باتت تتضح ملامحه يوماً تلو الآخر .









اضف تعليق