بينما كان حشد يحتفل بفوز بالي باغايوكو، العمدة الجديد لبلدية سان دوني الباريسية، كانوا يهتفون: «نحن جميعًا أبناء غزة». المرشح الفائز من حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتطرف يعتبر أن سان دوني هي عاصمة المقاومة ضد ما يسميه الإمبريالية، ويرى أن سكانها، مثل سكان غزة، يعانون من الظلم. وإذا كان الشيوعيون في الماضي يستخدمون أوضاع العمال كقضية جامعة، فإن اليسار المتطرف اليوم يستخدم غزة كرمز تعبوي جديد.
على الرغم من الإمكانات الحقيقية المرتبطة بقربها المباشر من العاصمة الفرنسية، تعاني سان دوني من صعوبات اجتماعية واقتصادية كبيرة. فهي تتميز بمعدل بطالة مرتفع وفقر هيكلي، حيث يعتمد أكثر من نصف سكانها على المساعدات الاجتماعية. كما تعاني الخدمات العامة من ضغط مستمر، وتشهد مستويات من الجريمة أعلى بكثير من المتوسط الوطني. ويُغذّي ذلك التفاوت الاقتصادي ووجود اقتصاد موازٍ، رغم الجهود التي بُذلت مؤخرًا لتحسين الأمن وجاذبية المنطقة، خاصة في إطار التحولات العمرانية المرتبطة بمشاريع كبرى مثل قرية الرياضيين لدورة الألعاب الأولمبية 2024.
إذا نظرنا إلى التاريخ السياسي، نجد أن سان دوني تتمتع بجذور يسارية قوية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما ظهرت طبقة عاملة قوية مع التصنيع. وقد ترسخ هذا التوجه منذ عشرينيات القرن الماضي مع تأسيس الحزب الشيوعي الفرنسي بعد مؤتمر تور، ما جعل سان دوني واحدة من أبرز معاقل «الضواحي الحمراء» لما يقرب من قرن، قبل أن تشهد مؤخرًا إعادة تشكيل بين مختلف القوى اليسارية. وما نشهده اليوم في سان دوني هو انتقال من اليسار المتطرف التقليدي المتمثل في الحزب الشيوعي إلى اليسار المتطرف الجديد الذي تمثله «فرنسا الأبية»، بعد بضع سنوات تحت راية الاشتراكيين.
لذلك، لا تحظى الأحزاب المحافظة بأي فرصة في سان دوني، ما يجعل الانتخابات فيها صراعًا بين مختلف أطياف اليسار. ومع ذلك، وكما كانت المدينة رمزًا للحزب الشيوعي خلال مرحلة إزالة التصنيع، تسعى «فرنسا الأبية» اليوم إلى جعلها مركز ثقلها الجديد.
في سان دوني، حلّ المهاجرون محل العمال الذين كانوا يشكلون قاعدة الحزب الشيوعي، وهم يمثلون اليوم أكثر من 30% من السكان. ولهذا يلقى خطاب غزة صدى قويًا، لأنه يتناغم مع مشاعر السكان. وقد استخدم اليسار المتطرف هذا الموضوع في جميع رسائله وسردياته خلال السنوات الماضية. وعندما يُطرح سؤال حول علاقة غزة بالانتخابات البلدية في فرنسا، يأتي الرد سريعًا بأن معاناة غزة وظلمها يرمزان إلى صعوبات ونضالات سكان سان دوني وما هو أبعد.
وقد تكون الحقيقة أن الجروح ذاتية الصنع، وأن الربط بنزاع لا ينتهي، مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، يمنح جهات مثل «فرنسا الأبية» شعورًا أكبر بالرسالة والهدف. ولا يسعني إلا أن أتساءل كيف يمكن لسكان سان دوني أن يروا تدهور الأوضاع خلال العقود الأخيرة دون أن يفكروا في التغيير. تغيير حقيقي. كيف يمكنهم التعايش مع هذا المستوى من انعدام الأمن، ومبانٍ يسيطر عليها تجار المخدرات، وخدمات عامة معطلة باستمرار، دون المطالبة بتغيير سياسي فعلي؟
بعد أكثر من قرن من هيمنة اليسار المتطرف والمعاناة، ربما قد تساعد رؤية سياسية أخرى. لكن «فرنسا الأبية» تستخدم غزة اليوم لقول «لا»، وللتأكيد على أن النضال ضد الإمبريالية يجب أن يستمر. وهكذا يتكرر الشعار المعروف في الشرق الأوسط: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». إنه نهج جماعي يقضي على حياة الأفراد.
من جهة أخرى، تدرك الأحزاب المحافظة أن الفوز في سان دوني أمر شبه مستحيل، ولذلك تستخدمها كمثال لإبراز ما تعتبره فشلًا لليسار، وغالبًا ما تُلقي باللوم على المهاجرين. فعلى سبيل المثال، اضطرت المذيعة التلفزيونية أبولين دو ماليرب يوم الثلاثاء إلى الاعتذار لعمدة سان دوني الجديد بعد أن نسبت إليه خطأً قوله إنها «مدينة السود». وقد انتشر هذا الاقتباس الخاطئ على نطاق واسع عبر الإنترنت، واستخدمه معلقون لتعزيز صورة سلبية عن المنطقة. في الواقع، كان باغايوكو قد وصف سان دوني بأنها «مدينة الملوك والأحياء»، مشيرًا إلى إرثها التاريخي، وكان سوء الفهم ناتجًا جزئيًا عن ضوضاء خلفية خلال مقابلة مباشرة قصيرة.
وبالمثل، يُستخدم ربط العمدة الجديد بهتاف «أبناء غزة» من قبل اليمين لتأكيد أن أنصاره لا ولاء لهم لفرنسا، وأن البلاد تواجه خطر الانقسام. وبين هذا وذاك، يبقى سكان سان دوني عالقين في الوسط، وقد تم تجاهل حياتهم وأمنهم وفرصهم.
لقد تضررت سان دوني منذ مرحلة إزالة التصنيع، وتُركت لمصيرها الذي يزداد سوءًا. بلدية يعتمد سكانها بشكل كبير على المساعدات الاجتماعية لا يمكن أن تعمل بشكل سليم. وهذا لا يؤدي إلا إلى تكريس ولائها السياسي واستمرار تبعيتها، حتى خارج نطاق الانتخابات البلدية. كما أن استحضار غزة يضع الوضع في إطار الضحية الجماعية بدلًا من تشجيع المسؤولية أو اتخاذ إجراءات فعالة لتحسين حياة الناس، خصوصًا الأطفال.
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق