أقالت الحكومة الاسبانية أمس الجمعة حكومة إقليم كاتالونيا وحلت البرلمان هناك ودعت لإجراء انتخابات مبكرة في الإقليم في 21 ديسمبر/كانون الأول في محاولة لإنهاء أسوأ أزمة سياسية تمر بها إسبانيا في 40 عاما.
وجاء قرار مدريد بعد اعتماد برلمان كاتالونيا أمس الجمعة قرارا يعلن أن الاقليم أصبح “دولة مستقلة تأخذ شكل جمهورية” قبل أداء النشيد الانفصالي في غياب المعارضة،
وعلى اثر ذلك قال رئيس الوزراء الاسباني ماريانو راخوي في خطاب بثه التلفزيون “نعتقد أنه من الملح الاستماع لمواطني كاتالونيا. نستمع لهم جميعا حتى يتسنى لنا اتخاذ قرارات بشأن مستقبلهم وحتى لا يتمكن أي شخص من التصرف خارج إطار القانون نيابة عنهم”.
وكان مجلس الشيوخ الإسباني قد فوض وقت سابق أمس الجمعة الحكومة المركزية بقيادة رئيس الوزراء ماريانو راخوي بفرض الحكم المباشر على إقليم كاتالونيا بعد دقائق من إعلان الإقليم الاستقلال عن إسبانيا.
وأكد راخوي عبر تويتر أن “دولة القانون ستعيد الشرعية في كاتالونيا”. وتنذر التطورات الأخيرة بتفاقم التوتر بين الجانبين
ودعا الزعيم المحافظ جميع الاسبان إلى “التزام الهدوء” في رسالة حملت توقيعه بالأحرف الأولى فيما كان مجلس الشيوخ يناقش تولي الأمور في كاتالونيا وإقالة قادتها الانفصاليين.
وطلبت الحكومة الإسبانية برئاسة راخوي مجلس الشيوخ إقالة جميع أعضاء حكومة إقليم كاتالونيا بمن فيهم رئيسها كارليس بوتشيمون (54 عاما) و13 “مستشارا” آخرين. وأحدهم هو سانتي فيلا المكلف بشؤون الشركات استقال مساء الخميس.
وقال رئيس الحكومة إن مهام حكومة كاتالونيا ستتولاها “هيئات تؤسسها الحكومة الوطنية لهذه الغاية” لكن “مبدئيا من قبل الوزارات الوطنية ما دام استمر هذا الوضع الاستثنائي”.
وطلبت الحكومة الإسبانية كذلك منح راخوي سلطة حل البرلمان الكاتالوني والدعوة إلى انتخابات في الإقليم “خلال مدة اقصاها ستة أشهر من تاريخ إقرار مجلس الشيوخ” الاجراءات. ويعتبر هذا من اختصاصات بوتشيمون في الأحوال العادية.
وطلبت أيضا من مجلس الشيوخ منحها سلطة تعيين واقالة واستبدال كل الهيئات والكيانات لتابعة لحكومة الاقليم.
جهاز شرطة كاتالونيا
وبموجب الاجراءات المقترحة، سيصبح جهاز شرطة منطقة كاتالونيا “موسوز ديسكوادرا” الذي يضم 16 ألف عنصر تحت سلطة مدريد بشكل مباشر.
وطلب راخوي أيضا باستبدال عناصر شرطة كاتالونيا إذا لزم الأمر “بعناصر من قوات أمن الدولة” أي الشرطة الوطنية والحرس المدني.
المسائل المالية
وسبق أن وضعت الحكومة مالية الاقليم تحت الوصاية في سبتمبر/ايلول في محاولة لمنع اجراء الاستفتاء حول الاستقلال الذي نظم في 1 أكتوبر/تشرين الأول رغم حظره من قبل القضاء الاسباني. وتبقى هذه العقوبة سارية.
وتطالب الآن بسلطة ممارسة كل الصلاحيات المالية وفي شق الموازنة والضرائب لضمان ألا يذهب أي من المال الذي يتم تحصيله من الضرائب المحلية أو من المبالغ التي تحولها مدريد إلى المنطقة، لتمويل جهود الانفصال.
الاتصالات والإعلام
ويريد راخوي تولي “مهام حكومة اقليم كاتالونيا في مجال الاتصالات والخدمات الرقمية”.
ويشمل ذلك مركز الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الذي يسيطر على جميع اتصالات الحكومة الكاتالونية وخدمات الانترنت فيها.
وبموجب الاجراءات المقترحة، سيكون ممكنا استبدال المدراء أو الموظفين في الإعلام الرسمي الكاتالوني.
وأكدت الحكومة الاسبانية في اقتراحاتها أنها ترغب في “ضمان نقل المعلومات الصادقة والموضوعية والمتوازنة والتي تحترم التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى التوازن بين الأقاليم”.
ويعني ذلك أنه سيكون بمقدور مدريد تقرير ما سيتم بثه عبر قنوات تلفزيونية كاتالونية شعبية مثل “تي في3”.
واتهمت النقابات محطة “تي في3” ببث معلومات منحازة لصالح الاستقلال تماما كما اتهمت النقابات قناة “تي في اي” الاسبانية الأخيرة بالانحياز لصالح مدريد.
برلمان الإقليم
واقترحت مدريد أيضا أن تضع تحت وصايتها أنشطة البرلمان الكاتالوني حيث للنواب الانفصاليين منذ 2015 غالبية محدودة (72 مقعدا من 135).
وقد وافق هؤلاء النواب في 6 سبتمبر/أيلول على قانون نظم بموجبه الاستفتاء في مطلع أكتوبر/تشرين الأول ثم الغت المحكمة الدستورية هذا القانون.
ويطالب راخوي بالتمكن من تعيين “سلطة” يكون أمامها 30 يوما للتحقق من أن أي مشروع قانون أو أي مبادرة برلمانية لن تتعارض مع الاجراءات المتخذة للسيطرة على كاتالونيا.
وفي حال اقالة بوتشيمون فإن البرلمان لن يتمكن من اختيار أو تعيين خلف له.
وكان قد جاء في مقدمة قرار برلمان كاتالونيا الذي أيده سبعون نائبا من أصل 150 إثر اقتراع سري “نحن نشكل الجمهورية الكاتالونية بوصفها دولة مستقلة وسيدة (دولة) قانون، ديمقراطية واجتماعية”.
وأيد سبعون نائبا القرار وعارضه عشرة نواب وامتنع عضوان عن التصويت، فيما غادر معظم نواب المعارضة الجلسة احتجاجا في وقت سابق.
ويطلب القرار في حيثياته من حكومة كاتالونيا التفاوض حول الاعتراف بها في الخارج في حين لم تعلن أي دولة دعمها للانفصاليين.
وتعود آخر محاولة لكاتالونيا لإعلان استقلالها إلى العام 1934، حين أعلن رئيسها حينها لويس كومبانيس قيام جمهورية كاتالونية ضمن “جمهورية فدرالية اسبانية”.
الجمهورية تنتظرنا
وكان تحالف بوتشيمون “معا من أجل النعم” وحزب الوحدة الشعبي اليساري المتطرف قد قدم في وقت سابق الجمعة إلى برلمان كاتالونيا قرارا لإعلان “كاتالونيا دولة مستقلة على شكل جمهورية”.
وأعلنت المعارضة أنها ستقاطع الجلسة، فيما يريد قسم كبير من الكاتالونيين نصفهم على الأقل بحسب استطلاعات الرأي، البقاء ضمن مملكة اسبانيا.
وتشغل الأحزاب الانفصالية من اليسار المتطرف إلى اليمين الوسطي غالبية المقاعد (72 مقعدا من أصل 135) في برلمان كاتالونيا منذ سبتمبر/أيلول 2015 وهي تقود آلية تسعى من خلالها إلى إعلان استقلال الإقليم، الأمر الذي يثير غضب قسم كبير من الكاتالونيين المؤيدين لوحدة اسبانيا.
وصوّت 90 بالمئة ممن شاركوا في الاستفتاء لصالح الانفصال عن اسبانيا. وبلغت نسبة المشاركة في عملية الاقتراع 43 بالمئة، بحسب الحكومة الاقليمية وهي أرقام غير قابلة للتحقق منها. ويعتبر الانفصاليون نتائج الاستفتاء بمثابة “تفويض” لإعلان الاستقلال.
وصرّح النائب في الحزب اليساري المتطرف البير بوتران “مسؤوليتنا هي الخضوع للتفويض الشعبي، ليس هناك طريقة أخرى للخروج”.
وتراجع بوتشيمون الخميس عن خيار الدعوة إلى انتخابات إقليمية مبكرة، في ضربة قاضية لآمال فتح مجال للحوار والتهدئة.
واتهم مدريد بعدم اعطائه “أي ضمانات” لجهة عدم تطبيق المادة 155 اذا أعلن اجراء انتخابات مبكرة.
دعم أميركي أوروبي لوحدة اسبانيا
واعتبرت واشنطن الجمعة أن كاتالونيا “جزء لا يتجزأ من اسبانيا” معربة عن دعمها اجراءات مدريد لإبقاء البلاد “قوية وموحدة”، حسبما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عقب إعلان الإقليم استقلاله.
وأفادت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر ناويرت “تتمتع الولايات المتحدة بصداقة كبيرة وشراكة راسخة مع حليفتنا في حلف شمال الأطلسي، إسبانيا”، مضيفة أن “كاتالونيا جزء لا يتجزأ من إسبانا والولايات المتحدة تدعم اجراءات الحكومة الاسبانية لإبقاء إسبانيا قوية وموحدة”.
وأكد رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أن الاتحاد الأوروبي ليس بحاجة إلى “المزيد من التصدعات”.
وتابع “لا يجب أن نقحم أنفسنا في الجدل الداخلي في اسبانيا، لكنني لا أرغب في رؤية الاتحاد يتكون من 95 بلدا في المستقبل”، في تحذير من الأزمة التي تشجع مساع انفصالية أخرى في أوروبا.
وأعلن دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي أن اسبانيا تبقى المحاور الوحيد للاتحاد الأوروبي بعد اعلان استقلال كاتالونيا.
وحثّ المفوض الأوروبي لشؤون البحث والعلوم والابتكار كارلوس مويداس الجمعة باسم أوروبا على “احترام الدستور” الاسباني بعد تقديم الانفصاليين قرار إعلان الاستقلال.
وقال “أعتقد أنه يجب علينا جميعا احترام الدول كما هي، يجب احترام الدستور وهذا أمر بغاية الأهمية بالنسبة لأوروبا. الأمر لا يتعلق بإسبانيا فقط، إنما هو مسألة أوروبية”.
وأكد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الجمعة “دعمه الكامل” لرئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي من أجل “احترام” دولة القانون في اسبانيا، وذلك بعد إعلان كاتالونيا استقلالها من جانب واحد.
وقال ماكرون “لدي شخص واحد أخاطبه في إسبانيا، رئيس الوزراء. هناك دولة قانون في اسبانيا بقواعد دستورية ينبغي احترامها. دعمي الكامل لرئيس الوزراء الاسباني”، وذلك ردا على الصحافيين في اليوم الثاني من زيارته إلى غويانا الفرنسية في أميركا الجنوبية.
وأعلنت ألمانيا الجمعة أيضا عدم اعترافها بإعلان اقليم كاتالونيا الاسباني استقلاله من جانب واحد، حسب ما صرح ناطق باسم المستشارة الألمانية انغيلا ميركل.
وكتب ستيفن شيبرت على تويتر “الحكومة الألمانية تتابع بقلق تدهور الأوضاع في كاتالونيا ولا تعترف بإعلان الاستقلال”.
وقبل اعلان برلمان كاتالونيا قرار الاستقلال، تجمع مئات الانفصاليين في برشلونة في محيط البرلمان، حيث اجتمع النواب الانفصاليين لتنقيح قرار يقترح إنشاء “دولة كاتالونية مستقلة بشكل جمهورية”.
وقد يساهم تعليق الحكم الذاتي في تنامي الاستياء من حزب راخوي الشعبي ويرى البعض أنه سيساهم في زيادة الرغبة بالاستقلال.
وتواجه المنطقة التي تمثل 19 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي الاسباني، انتقال مثير للقلق لـ1600 شركة إلى خارج الإقليم.
وقد يؤدي استمرار الأزمة إلى آثار اقتصادية سلبية جدا على المنطقة وإسبانيا ككل التي تعتبر القوة الاقتصادية الرابعة في منطقة اليورو.









اضف تعليق