من الرياض إلى أبوظبي، ومن القاهرة إلى المنامة، استمع كثيرون في العالم العربي باهتمام إلى تصريحات ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الأخيرة في مؤتمر ميونيخ للأمن السنوي. لم يكن ما سمعوه مجرد خطاب أمريكي آخر حول النظام العالمي، بل كان إعادة تموضع تحمل في طياتها نبرة مختلفة تتناغم مع منطقة اعتادت أن تعيش تداعيات النقاشات النظرية الكبرى على أرض الواقع.
على مدى عقود، وجد الشرق الأوسط نفسه عند تقاطع الخطاب الدولي والوقائع الميدانية. كانت الرؤى الكبرى تُعلن في العواصم الغربية، بينما تُدفع كلفتها في مدن عربية. ما عكسه خطاب روبيو كان توجهاً أكثر واقعية يرتكز إلى المصالح والاستقرار. وفي منطقة تقدّر الوضوح على الغموض، والثبات على التقلب، فإن لذلك أهمية خاصة.
إن تركيز الإدارة الأمريكية الحالية على سيادة الدول، والواقعية الاستراتيجية، وتقاسم الأعباء، يعكس مبدأً لطالما دعت إليه حكومات الشرق الأوسط: الدول القوية تصنع الاستقرار، والاستقرار يصنع الازدهار. لقد أظهرت تجارب فرض النماذج السياسية من الخارج نتائج متباينة، بل مكلفة أحياناً. من ليبيا إلى أجزاء من المشرق، كانت الفوضى ثمناً باهظاً. إن التحول نحو احترام مؤسسات الدولة وإعطاء الأولوية للنظام ليس تراجعاً، بل نضجاً سياسياً.
العالم العربي اليوم ليس كما كان قبل عشرين عاماً. المملكة العربية السعودية تمضي في تحولها ضمن رؤية 2030. والإمارات العربية المتحدة أصبحت مركزاً عالمياً للوجستيات والابتكار. ومصر تخوض مسار إصلاح اقتصادي معقد. في الخليج وخارجه، تحل الاستثمارات في التكنولوجيا والتنويع الاقتصادي والدبلوماسية الإقليمية محل المواجهات الأيديولوجية. الشرق الأوسط لم يعد ينتظر أن يُعاد تشكيله، بل يعيد تشكيل نفسه.
أقر خطاب روبيو بعالم متعدد الأقطاب دون الوقوع في أوهامه. وهذا أمر أساسي للمنطقة. فالشرق الأوسط يرتبط بعلاقات اقتصادية عميقة مع آسيا، وشراكات أمنية مع الولايات المتحدة، وروابط طاقوية مع أوروبا، واستثمارات عابرة للقارات. لا يريد أن يُحشر في ثنائية استقطاب جديدة، بل يسعى إلى شراكات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل.
كما أن التشديد على مواجهة الجهات المزعزعة للاستقرار يحمل دلالة مهمة. فالمنطقة تدرك جيداً كلفة الفراغات الأمنية، سواء تمثلت في ميليشيات خارج سلطة الدولة أو شبكات تطرف عابرة للحدود. سياسة أمريكية واضحة في الردع وتحديد الأولويات ترسل رسالة إلى الخصوم كما إلى الحلفاء بأن الولايات المتحدة ما زالت حاضرة، ولكن بحسابات أكثر انضباطاً واتساقاً.
ينتقد البعض المقاربة الواقعية باعتبارها “تعاملية” أكثر من اللازم. لكن في الشرق الأوسط، يمكن للوضوح التعاملاتي أن يكون ميزة لا عيباً. فهو يقلل من سوء الفهم، ويضبط التوقعات، ويؤسس لشراكات مبنية على مصالح محددة: أمن الطاقة، حماية الممرات البحرية، مكافحة الإرهاب، والتعاون التكنولوجي. وعندما تكون المصالح واضحة، تصبح الشراكات أكثر استدامة.
هناك أيضاً بُعد نفسي مهم. فسنوات من التذبذب في الخطاب والسياسات الأمريكية خلقت شعوراً بعدم الاتساق: دعوات للإصلاح يقابلها أحياناً تساهل مع الفوضى، وحديث عن الانسحاب يقابله تمدد في ساحات أخرى. إن وضوح الأولويات يعيد بناء الثقة، ويبعث برسالة مفادها أن واشنطن تعرف ما تريد، وما لا تريد.
تأتي هذه اللحظة في سياق تحولات كبرى في خريطة الطاقة العالمية، وصراعات مستمرة في الجوار، وتنافس استراتيجي يعيد رسم ملامح النظام الدولي. والشرق الأوسط يقف في قلب هذه المعادلات: موقع جغرافي حيوي، موارد طاقة أساسية، واستثمارات سيادية مؤثرة. إن استقراره ليس مصلحة إقليمية فحسب، بل ضرورة عالمية.
دعم الرؤية التي طُرحت في ميونيخ لا يعني التخلي عن الإصلاح أو التنمية البشرية. بل على العكس، فالاستقرار هو شرطهما الأساسي. ما تشهده دول الخليج من استثمارات في التعليم، وتمكين المرأة، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، يبرهن أن النظام والتحديث ليسا متعارضين، بل متكاملين.
إن الولايات المتحدة التي تحترم سيادة الدول، وتحدد أولوياتها بوضوح، وتبني تحالفاتها على المصالح المشتركة، تجد صدى إيجابياً في عواصم عربية كثيرة. فالمنطقة لا تبحث عن تبعية، بل عن شراكة. لا تريد دروساً، بل تنسيقاً. لا تريد تقلباً أيديولوجياً، بل استمرارية استراتيجية.
إذا استمر هذا النهج القائم على الواقعية والوضوح والشراكة، فقد يكون ذلك بداية مرحلة أكثر توازناً في العلاقات بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط. وبالنسبة لمنطقة عرفت الاضطراب والتحول في آن، فإن ذلك سيكون تطوراً مرحباً به بالفعل.
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق