يرى عدد من المحللين الجيوسياسيين في المشرق العربي أن المفاوضات الأميركية مع إيران قد تفضي إلى تعميق نفوذ طهران في لبنان، غير أن هذا التقدير يغفل، بحسب رؤية مغايرة، التحولات الجوهرية التي شهدتها الساحة اللبنانية والإقليمية خلال الفترة الأخيرة، والتي تجعل استعادة إيران سيطرتها السابقة على لبنان، عبر حزب الله، أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وتستند هذه الرؤية إلى أن لبنان يمتلك اليوم فرصة غير مسبوقة للتحرر من النفوذ الإيراني، بل إن هذا المسار بدأ بالفعل، مدفوعًا بجملة من المتغيرات السياسية والعسكرية والإقليمية.
ويأتي في مقدمة هذه المتغيرات سقوط الممر اللوجستي الذي وفرته سوريا في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، والذي مثّل لعقود شريانًا استراتيجيًا لنقل الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر من إيران إلى حزب الله. وعلى الرغم من نجاح الحزب في تطوير جزء من قدراته الإنتاجية داخل لبنان، فإنه ظل يعتمد بصورة كبيرة على هذا الممر لإعادة التزود بالإمدادات العسكرية.
كما شكّلت الأراضي السورية عمقًا استراتيجيًا للحزب، استخدمت لتخزين الأسلحة، وتدريب المقاتلين، وتنقل القيادات، وإنشاء منشآت عسكرية بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب الغطاء السياسي الذي وفره نظام الأسد، وهو ما يفسر مشاركة آلاف من مقاتلي حزب الله في دعم النظام السوري خلال سنوات الحرب.
ومع التغيير الذي شهدته سوريا، انتهت هذه الشراكة، ولم يعد حزب الله يمتلك العمق الاستراتيجي الذي كان يستند إليه، خصوصًا في أي مواجهة محتملة مع إسرائيل.
وتطرح هذه المتغيرات سؤالًا آخر يتعلق بمدى قدرة أي اتفاق أميركي-إيراني، حتى لو تضمن ترتيبات تخص لبنان، على منع اندلاع مواجهات جديدة بين حزب الله وإسرائيل. ويشير أصحاب هذا الطرح إلى أن اتفاق عام 2006 لم يمنع تكرار الضربات والمواجهات العسكرية، وهو ما يجعل الرهان على الاتفاقات وحدها غير كافٍ لتغيير الواقع الأمني.
وعلى المستوى الداخلي، برز تطور وصف بأنه غير مسبوق، بعدما أعلنت الحكومة اللبنانية للمرة الأولى خطة لنزع سلاح حزب الله، ورفعت من مستوى انتقادها للتدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية، مستفيدة من التغيير في المشهد السوري، ومن الضربات الإسرائيلية التي أضعفت القدرات العملياتية للحزب.
كما أسهمت عملية أجهزة النداء (البيجر) عام 2024، إلى جانب سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات بارزة في حزب الله، في إضعاف البنية العسكرية للحزب، وهو ما منح الحكومة اللبنانية مساحة أكبر لتبني خطاب أكثر صراحة تجاه الحزب والداعم الإيراني.
ورغم أن الإجراءات العملية لا تزال محدودة مقارنة بحجم التصريحات، فإن مطار رفيق الحريري الدولي لم يعد، وفق هذا التقدير، يمثل نقطة إمداد مفتوحة كما كان في السابق، في ظل تشديد الرقابة على الرحلات القادمة من إيران.
ويخلص هذا الطرح إلى أن لبنان لن يعود إلى دائرة السيطرة الإيرانية، وأن ما يجري يمثل بداية مسار تحرر تدريجي فرضته التحولات الإقليمية وتغير موازين القوى، بعدما فقد حزب الله جزءًا كبيرًا من صورته كقوة لا تُقهر، وهو ما انعكس أيضًا على المناخ الداخلي، حيث بات النقاش حول دوره وسلاحه أكثر حضورًا في المجال العام.
وفي المقابل، لا يستبعد أصحاب هذا الرأي استمرار امتلاك إيران وحزب الله أوراق ضغط داخل لبنان، سواء عبر تعطيل مؤسسات الدولة أو الدفع نحو الفوضى، مع التحذير من أن أي محاولة للسيطرة بالقوة أو تنفيذ انقلاب ستكون لها تداعيات كارثية، وقد تدفع البلاد إلى حرب أهلية.
كما يُنظر إلى المشهد السوري الجديد باعتباره عاملًا إضافيًا يحد من قدرة إيران على إعادة بناء نفوذها في لبنان، إذ إن دمشق الجديدة لن تكون معنية، وفق هذا التصور، بالسماح بعودة الظروف التي كانت تجعل الأراضي السورية قاعدة خلفية لحزب الله.
وبناءً على ذلك، يرى أصحاب هذا التقدير أن المفاوضات مع إيران لا تمثل تهديدًا للبنان بقدر ما قد تشكل فرصة تاريخية لترسيخ مسار استقلال القرار اللبناني، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد، إذا ما أحسنت الدولة اللبنانية استثمار التحولات الجارية.
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق