الرئيسية » أحداث اليوم » لماذا كان موقف وزراء القوات اللبنانية محقّاً في رفض قانون ردّ الودائع
أحداث اليوم تقارير ودراسات رئيسى

لماذا كان موقف وزراء القوات اللبنانية محقّاً في رفض قانون ردّ الودائع

منذ ما يقارب ست سنوات، يعيش المودِعون اللبنانيون واحدة من أقسى حالات الظلم المالي في تاريخ البلاد. أموال جُمِدت قسراً، ومدّخرات تبخّرت من دون أي قانون، ومن دون أي قرار قضائي، ومن دون مساءلة سياسية أو مالية حقيقية. واليوم، يُطرح ما يُسمّى بقانون «ردّ الودائع» أو «سدّ الفجوة المالية» على أنه مخرج للأزمة، فيما هو في الواقع محاولة جديدة لتكريس الإفلات من المحاسبة. من هنا، كان موقف وزراء القوات اللبنانية — جو راجي، جو عيسى الخوري، كمال شحادة وجو صدي — موقفاً صائباً ومسؤولاً.
هذا القانون لا يحلّ المشكلة لأنه يتجاهل جوهرها. فهو لا يجيب عن السؤال الأساسي: من بدّد أموال المودعين؟ بدلاً من تحديد المسؤوليات الواضحة للدولة، ولمصرف لبنان، وللمصارف التجارية، يحوّل النصّ الكارثة المالية إلى مسألة تقنية تُدار بالأرقام والجداول الزمنية. وكأنّ الانهيار حصل بفعل قضاء وقدر، لا نتيجة سياسات مالية ونقدية خاطئة، وقرارات واعية اتُخذت على مدى سنوات.
الأخطر من ذلك أنّ القانون يشرعن الظلم. فهو يطلب من المودعين أن ينتظروا عشرات السنين لاستعادة جزء من أموالهم، من دون أي ضمانات فعلية، لا لناحية القيمة ولا المهل ولا العدالة بين المودعين. هكذا يصبح «ردّ الودائع» وعداً سياسياً فضفاضاً، لا حقاً قانونياً مُلزِماً، وتتحمّل الفئات الأضعف وحدها كلفة الانهيار.
في المقابل، يوفّر هذا القانون مظلّة حماية للسلطة وللمسؤولين عن الانهيار. فهو يشكّل درعاً سياسياً وقانونياً يمنع المحاسبة، ويؤجّل البتّ بالمسؤوليات، ويفتح الباب أمام طيّ الملف من دون تدقيق شامل أو توزيع عادل للخسائر. إنها محاولة واضحة لإقفال أكبر جريمة مالية في تاريخ لبنان من دون عدالة، ومن دون حقيقة، ومن دون إصلاح جذري.
من هذا المنطلق، فإن موقف وزراء القوات اللبنانية ليس موقف تعطيل، بل موقف مبدئي. رفض هذا القانون لا يعني رفض الحل، بل رفض الحلّ الوهمي. هو رفض تحميل المودعين وحدهم ثمن الانهيار، ورفض تحويل السرقة إلى «تسوية»، والكارثة إلى «إدارة أزمة».
لبنان لا يحتاج إلى قانون يحمي المنظومة، بل إلى إطار واضح يبدأ بتحديد حجم الخسائر الحقيقية، وتسمية المسؤولين عنها، وحماية صغار المودعين أولاً، وفرض إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي ولإدارة المال العام. من دون ذلك، لن تعود الثقة، ولن تقوم دولة، ولن يُبنى اقتصاد.
إن الوقوف إلى جانب موقف القوات اللبنانية اليوم هو دفاع عن مبدأ بسيط لكنه أساسي: أموال الناس ليست أرقاماً قابلة للمقايضة، والعدالة المالية ليست خياراً سياسياً بل شرطاً لأي نهوض حقيقي.

الصورة تم إنشاؤها بواسطة Chatgpt