دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة غامضة. فبينما ما تزال الضربات تتواصل خلال وقف إطلاق النار، يتبادل الطرفان المطالب في إطار المفاوضات. ومن بين النقاط التي تطرحها إيران الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز. وفي الوقت الذي تنفي فيه أن للولايات المتحدة أي تأثير على المضيق، فإنها تطالب بإنهاء القيود البحرية الأمريكية على الموانئ الإيرانية، إضافة إلى ضمانات لمرور آمن تحت السيطرة الإيرانية.
عند الحديث عن إيران، أشعر بأنني مضطر لإعادة صياغة ما قاله صدام حسين خلال الحرب الإيرانية-العراقية، وهي أيضاً آخر مرة واجه فيها مضيق هرمز عوائق حقيقية للملاحة. قال صدام إنه إذا أخرجت سلاحك فليس للتهديد بل للقتل. واليوم، وبعد عقود من تهديد إيران بإغلاق المضيق، قامت بذلك فعلاً. ومع ذلك، ورغم الضرر الذي لحق بالاقتصاد العالمي، فقدت إيران فرصة استخدامها الحاسمة. لقد خرج هذا السلاح، الذي ظل التهديد به لسنوات طويلة، إلى العلن أخيراً — لكنه كان واضحاً أنه أضعف من أن يتغلب على الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، نحن الآن في وضع صعب. لا جدال في أن أفعال النظام الإيراني تشكل تهديداً لاستقرار ومستقبل الشرق الأوسط والعالم. وحتى إن لم يكن الأمر “سلاحاً”، فهو شظية تضيف مزيداً من الضغط.
في البداية، لا دولة — ولا حتى الصين — ستقبل باستمرار النظام في إيران في تهديد أو التحكم بهذا المضيق، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عادة. تحصل الصين على نحو نصف وارداتها من النفط الخام من الشرق الأوسط، لذا فإن أي اضطراب يمثل تهديداً مباشراً لاقتصادها. ومع استمرار الأخذ والرد، تبقى هناك دائماً إمكانية أن نشهد تصعيداً سريعاً وخطيراً.
الجهد الدبلوماسي الأساسي يتمثل في مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يطالب إيران بوقف الهجمات على الملاحة فوراً، وإزالة الألغام، ووقف فرض القيود غير القانونية، وضمان حرية الملاحة. وقد شبّه خبراء الهدف طويل الأمد بحل مشابه لاتفاق حبوب البحر الأسود 2022-2023، الذي ورغم الحرب في أوكرانيا والتوترات في المنطقة، ضمن مروراً آمناً للغذاء والأسمدة والسلع الأساسية.
أما فيما يتعلق بالمقترح العسكري متعدد الجنسيات، فقد طُرحت سلسلة أفكار بهدف إعادة تأمين المرور الآمن عبر المضيق. أحدثها مهمة دفاعية متعددة الجنسيات تقودها المملكة المتحدة وفرنسا. الهدف هو حماية السفن التجارية، وتوفير مرافقة لها، وإزالة الألغام، بمشاركة أكثر من 40 دولة.
من جهتها، أطلقت الولايات المتحدة “مشروع الحرية”، وهو عملية مرافقة أحادية الجانب لكنها قابلة للتوسع، تم تفعيلها لفترة وجيزة قبل أن تُعلّق لأسباب دبلوماسية. إضافة إلى ذلك، اقترحت واشنطن إطاراً أوسع باسم “بنية حرية الملاحة البحرية”، يدعو شركاء دوليين إلى دعم دبلوماسي وعسكري منسق.
ومع استمرار الأخذ والرد بين العمل العسكري — حتى لو كان دفاعياً — والدبلوماسية، تبقى دائماً إمكانية أن نشهد تصعيداً سريعاً وخطيراً. وإذا حدث ذلك، فهل ستضطر الولايات المتحدة ودول أخرى إلى نشر قوات برية؟
النظام الإيراني يدرك أن الولايات المتحدة قادرة على إلحاق المزيد من الضرر، لكنه يدرك أيضاً أن أمريكا لا ترغب في إرسال جنود لإنجاز المهمة. وتدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن النظام الإيراني، رغم قدرته على إظهار صورة من “المقاومة” عبر عمليات محددة، فإن بنيته العسكرية قد تعرضت لدمار كبير. إذن، ما الذي سيأتي بعد ذلك؟ كم سيستمر هذا الوضع القائم؟ ومن سيتراجع أولاً؟
من المرجح أن الولايات المتحدة وإيران بدأتا بالفعل مرحلة طويلة الأمد من المواجهة، مع الاقتراب من الخطوط الحمراء لحرب شاملة ونشر قوات برية.
وقد تجلت أهداف النظام الإيراني في محاولة فاشلة للحرس الثوري الإيراني لتنفيذ عملية تسلل إلى جزيرة بوبيان الكويتية هذا الشهر. فقد حاولت مجموعة صغيرة من ستة عناصر مسلحين من الحرس الثوري الوصول بالقوارب، لكن القوات الكويتية تصدت لهم واحتجزت أربعة منهم. وأُصيب ضابط كويتي واحد. وبينما قالت طهران إن الأمر كان خطأً في الملاحة خلال دورية روتينية، لا يصدق ذلك إلا القليل. ومن الجدير بالذكر أن الجزيرة تستضيف مشروع ميناء مبارك الكبير المدعوم من الصين. مثل هذه العمليات المتكررة، ورغم نفيها رسمياً، تبدو كأنها تهدف إلى زيادة عمليات احتجاز الرهائن والابتزاز، دون أن تصل إلى مستوى يستدعي تصعيداً عسكرياً أمريكياً.
في المقابل، ستعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على إضعاف النظام أكثر أو الدفع نحو سقوطه عبر التسلل، من خلال دعم شبكات المعارضة الداخلية والأقليات العرقية مثل الأكراد والبلوش والأذريين بشكل غير معلن. وقد يكون عمل أجهزة الاستخبارات، إلى جانب مزيد من الضربات الجوية والعمليات السيبرانية، هو الطريق المستقبلي لتجنب نشر قوات برية. كما أن القدرة على اغتيال شخصيات من النظام، إلى جانب تخريب البنية التحتية الحيوية عبر قوات خاصة محدودة أو عمليات بالوكالة، يمكن أن تعرقل سيطرة النظام بشكل كبير.
وبالتالي، لم تعد هذه عملية قصيرة الأمد، بل أصبحت طويلة المدى، ستركز على حرب المعلومات، والاغتيالات المستهدفة، والتخريب الاقتصادي. ولا شك أن الهدف الأساسي سيكون تقويض الولاء داخل القوات العسكرية والأمنية. وبالنظر إلى البرامج السرية السابقة، فإن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ أهدافها بدقة عالية وبنفس قدر الإنكار الذي يستخدمه النظام الإيراني. وفي النهاية، قد يؤدي ذلك إلى سقوط النظام، لكن الصبر والوقت سيكونان العاملين الحاسمين.
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى









اضف تعليق