الرئيسية » تقارير ودراسات » من يقف وراء الاحتجاجات في العراق ؟
تقارير ودراسات رئيسى

من يقف وراء الاحتجاجات في العراق ؟

” احتجاجات عفوية”  صفة أطلقها المراقبون على الاحتجاجات التى تشهدها المحافظات الجنوبية فى العراق ,إذ تشير الأروقة السياسة هناك إلى أنها لا ترتبط بأي فصيل حزبي وأنها بمثابة انفجار غاضب في وجه نظام كامل ومع ذلك تحاول أطراف سياسية ودينية عديدة أن تخرج تلك المطالبات من سياقها لتنتقل إلى الجانب السياسي.

المظاهرات لا تهدأ فى العراق إلا قليلاُ  فمنذ عام 2009 والتربة شبه مهيأة دائماً لاستقبالها  فقد شهدت العراق احتجاجات شعبية مماثلة  ضد ضعف الخدمات وارتفاع الأسعار والبطالة في يوليو 2015،وعادة ما يراها البعض نتاج لنظام الحكم القائم على  المحاصصة الطائفية والحزبية أو إلى  التجاذبات الداخلية والخارجية.

ولكن إشكالية الاحتجاجات الأخيرة والتي اندلعت فى 8 من يوليو الجاري  أنها تأتى فى  وضع حرج وظرف حساس , ففى الوقت الذي كان من المفترض أن تمنح فى الانتخابات البلاد هدوءا نسبياً واستقرار داخلى لاسيما مع الإعلان عن انتهاء تنظيم داعش  أضفت المظاهرات على الواقع السياسي مزيداً من التعقيد فى ظل عملية إعادة الفرز لأصوات الانتخابات والسجال السياسي المتصاعد حول تركيبة الحكومة المقبلة والكتل الرئيسية فيها.

ارتفاع سقف المطالب وفتح  ملفات سياسية بامتياز، لتشمل إسقاط الأحزاب ، التي يتهمها كثيرون بالمسؤولية عن تدهور الخدمات الأساسية واستشراف الفساد في البلاد.فضلاً عن بيان ما يطلق عليه  ” تنسيقيات المحافظات الجنوبية” بحظر عمل الأحزاب السياسية وإعادة كتابة الدستور وإعادة بناء العملية السياسية بما يتوافق وإرادة العراقيين, ربما يحمل إشارات على ضلوع قوى وتيارات خارجية في تفجير الأوضاع في جنوب ووسط العراق، من خلال توظيف بعض التيارات والقوى السياسية والاجتماعية، لحرف بوصلة الاحتجاجات “السلمية” باتجاه العنف، وزعزعة الأمن والاستقرار لإدخال البلاد في حالة من الفوضى الأمنية.

لهيب التحركات الحالية يؤشر إلى أزمة حقيقة قد تهدد مستقبل العملية السياسية فى العراق لاسيما وأنها تتركز فى المحافظات الجنوبية  (البصرة والنجف وميسان) كما تأتى على وقع انقسام حاد داخل المخيم الشيعي بين نورى المالكي وحيدر العبادى عقب نتائج الانتخابات الأخيرة فبالرغم من أن التظاهرات حظيت بتأييد معظم القوى الشيعية ومن بينها المرجع الأعلى علي السيستاني والتيار الصدري  الذى أعلن زعيمه مقتدى الصدر تأييده لمطالب المحتجين ، وناشد المتظاهرين الحفاظ على السلمية، والمحافظة على الممتلكات داعياً في تغريدة على تويتر الكتل السياسية الفائزة إلى تعليق كل الحوارات السياسية من أجل التحالفات وغيرها إلى حين إتمام تلبية مطالب المتظاهرين الحقة , غير أن المحللين يرون أن تدخل في إطار المناورات داخل المعسكر الشيعي ومن اجل الضغط على العبادى  خاصة بعد الدعم الضمني الذي أعلنه المالكي للتحركات الاحتجاجية والذى يمكن إدراجه في إطار النكاية السياسية برفيقه في الحزب ومنافسه بذات الوقت حيدر العبادى  .والذي  خاطب ، المحتجين، عبر تويتر، قائلاً: “أحييكم أيها الشباب المحترمون، وأحيي الروح الوطنية العالية فيكم عندما حملتم السلاح دفاعاً عن بلدكم العزيز العراق، وحققتم النصر على عصابات (داعش)، فأنتم اليوم القلب النابض للعراق، وأنتم اليوم قادة هذا الحراك المطالب بالخدمات والحياة الحرة الكريمة”.

وثمة مؤشرات على الحضور الإيراني فى المشهد  الاحتجاجي ترتبط فى مجملها بتوقيت التظاهرات والمحافظات التى اندلعت بها ذات الأغلبية الشيعية , فقد انطلقت بعد ثلاثة أيام  فقط من تهديدات طهران بإغلاق مضيق هرمز وتضمنت فى الأيام الأولى منها محاولات عرقلة إنتاج النفط العراقي، وتصديره، بعد محاصرة محتجين لمكاتب شركة نفط الجنوب وعدد من مقرات الشركات العالمية ,هنا تدور التكهنات حول رسائل إيرانية مفادها أن بإمكانها وفق ما تمتلكه من نفوذ على القوى السياسية والفصائل المسلحة أن تبرهن على قدرتها بإيقاف إنتاج النفط العراقى بل ومنع تصديره حال مضت الولايات المتحدة فى مساعيها لمنع شراء النفط الإيراني في الموعد المقرر في 4 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ولا يخرج الدور الإيراني أيضاً عن سياق عرقلة العملية السياسية فى مجملها وتصفية حساباتها مع رئيس الوزراء، حيدر العبادي، وتفويت الفرصة على قائمته لتشكيل الحكومة الجديدة.حيث لا تزال نتائج الانتخابات تثير مخاوف طهران من احتمال استبعاد القوائم الموالية لها “فتح  ” و ” دولة القانون”  من الحكومة المرتقبة ولعل ذلك ما يفسر دعم قيادات الحشد الشعبي  للحراك الاحتجاجي والتي ارتأت أهمية فى استثمار الاحتجاجات لممارسة مزيد من الضغط على العبادى وإجهاض محاولات التجديد له .

إقدام إيران على وقف إمدادات الكهرباء لمحافظة البصرة في هذا التوقيت وفي شهر من أشد شهور السنة ارتفاعاً في درجات الحرارة، والتي تتجاوز 50 درجة مئوية يحمل إشارات على عزمها خلق أزمة شعبية و إشاعة الفوضى بشكل يثبت فشل العبادى  في التعاطي معها حال استمرت الاحتجاجات ووصلت حد الصدام المسلح  الأمر الذى قد يخلق قناعة لدى الولايات المتحدة والدول الحليفة بالتخلي عن خيار دعمه ,في استدعاء  لمشهد الضغط الإيراني على نوري المالكي في أغسطس/آب 2014، لسحب ترشيحه لولايةٍ رئاسية ثالثة بعد انهيار القوات الأمنية في الموصل، ومحافظات سنية أخرى مما قد يصب فى مصلحة الكتل الحليفة لها والمتمثلة فى قائمتي الفتح  بقيادة هادي العامري، أحد أبرز قيادات “الحشد الشعبي” و”ائتلاف دولة القانون” برئاسة نوري المالكي

محاولات العبادي لامتصاص موجة الغضب المفاجئة والتي انعكست في اتخاذ مجموعة من القرارات الهامة، منها صرف ما يقارب ثلاثة مليارات دولار لمشاريع في البصرة، من أجل فرص عمل ومساكن ومشاريع تحلية مياه وتعزيز الكهرباء على الرغم من أنها بادرة على  حسن النية إلا أنها لن تقنع المتظاهرين خاصة وأنه يقف على أعتاب نهاية ولايته ولا توجد ضمانات لاستمراره حتى يتمكن من تنفيذ وعوده في ظل الإجماع الشيعي على رحيله فضلاً عن عدم امتلاك الحكومة الصلاحيات والأموال الكافية

“العبادى فى موقف لا يحسد عليه” فقد وجد نفسه وحيداً منعزلاً وسط الاحتجاجات عقب انصراف القوى السياسية عنه والتي بدت غير مهتمة بالوقوف إلى جواره إذ أن الإجراءات الأمنية المتشددة التي اتخذها ضد المتظاهرين وضعت سمعته السياسية  على المحك وجعلتها عرضة للتآكل  مما قد يؤثر على فرصته في الفوز بالولاية الثانية التي يطمح إليها. ولعل ما يزيد من تعقد موقفه حالة عدم الرضا التي تسود أوساط حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي ضد ما يوصف بسياساته المترددة.لذلك يجد العبادى نفسه أمام خيارين الأول يتمثل فى استرضاء المتظاهرين عبر وعود بات واضحاً أنه لن يستطيع تنفيذها والثاني يتركز فى الاستسلام  لمخطط التعامل بعنف مع التظاهرات من أجل ألا تنقلب الميليشيات عليه وتأخذ زمام المبادرة في التعامل مع الشارع وهو ما يرجحه المراقبون خاصة وأن  الصدام المباشر قد يمكنه من إثبات شيء من القوة التي يعتقد أنه يحتاج إليها في مواجهة خصومه