الرئيسية » أرشيف » هل ترى حكومة "تمام سلام" النور قريباً ؟
أرشيف

هل ترى حكومة "تمام سلام" النور قريباً ؟

تشهد الساحة السياسية اللبنانية حالة من الترقب بانتظار إنجاز استحقاقات حكومية وانتخابية يحكمها توافق بين القوى السياسية على القانون الانتخابي الذي سيتم اعتماده في الانتخابات النيابية المقررة في شهر يونيو القادم والتوصل إلى تفاهم على تشكيل الحكومة القادمة التي تم تكليف السيد تمام سلام برئاستها.

وقد بدأ لبنان مرحلة سياسية جديدة يأمل بها الشعب ان تعيد التوافق الداخلي إلى البلاد وذلك بعد أن كلف سلام رسميا في السادس من شهر ابريل الجاري برئاسة الحكومة بعد أن استقال نجيب ميقاتي من رئاسة الحكومة في 22 من شهر مارس الماضي لأسباب عدم التوافق على قانون انتخابي في بلاده وعدم الاتفاق الوزاري على تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات إضافة إلى عدم التمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي.

وكان  سلام قد انهى في التاسع والعاشر من ابريل الجاري الاستشارات النيابية غير الملزمة التي أجراها على مدى يومين من أجل تشكيل الحكومة القادمة . وقد أكدت معظم الكتل النيابية والنواب الذين التقاهم سلام على أهمية الاسراع بتشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات النيابية بموعدها في شهر يونيو القادم.

ويواجه تشكيل الحكومة القادمة تحدياً يكمن في التباين بالاراء بين القوى السياسية على شكل الحكومة ما بين مؤيدين لحكومة سياسية أو حكومة وحدة وطنية (قوى الثامن من آذار) إضافة إلى النائب وليد جنبلاط رئيس جبهة النضال الوطني وأحد اقطاب قوى الرابع عشر من آذار عند انطلاقتها وأحد اعضاء ما عرف بـ"الوسطية " وهو مصطلح سياسي برز خلال الأشهر الماضية والذي جمع جنبلاط ونجيب ميقاتي رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية والرئيس اللبناني ميشيل سليمان بهدف تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية وما بين قوى سياسية لبنانية أخرى تؤكد على ضرورة تشكيل حكومة تكنوقراط (قوى الرابع عشر من آذار).

إلا أن رئيس الحكومة المكلف أعلن أن حكومته لا تحتمل أن تكون حكومة وحدة وطنية أو حكومة سياسية أو حكومة أقطاب تلافيا للثلث المعطل والخلافات السياسية بين الفرقاء، مؤكداً حرصه على تشكيل "حكومة المصلحة الوطنية " التي تنحصر مهمتها بإجراء الانتخابات النيابية وتحقيق الاستقرار في بلاده.

وفي هذا السياق قال محمد رعد رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة"(وهي الكتلة التي تمثل حزب الله في المجلس النيابي) في تصريح له بعد لقاء سلام خلال الاستشارات النيابية "طالبناه بأن تكون حكومة سياسية جامعة تشرف على الانتخابات وتدير شؤون البلاد ويمثل فيها الفرقاء السياسيون بحسب أوزانهم وحضورهم نسبياً في المجلس النيابي.

من جهته، قال رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون المتحالف مع حزب الله "نريد حكومة توافق وطني، ولا نريد فقط أن تجري الانتخابات، بل مواجهة هذه المرحلة، فهناك أحداث في الشرق الأوسط، والوضع غير مستقر، وفي أي لحظة يمكن أن تنعكس علينا. لذا، واجبنا أن نكون جاهزين في الحكومة، وحكومة الوحدة الوطنية هي القادرة على مواجهة هذه الأحداث والوقوف في وجهها.

بدوره، أكد فؤاد السنيورة رئيس كتلة المستقبل (الكتلة التي تمثل تيار المستقبل الذي يرأسه سعد الحريري ) التي تعد من أبرز مكونات "قوى 14 آذار" على ضرورة  تشكيل حكومة من فريق عمل متجانس، وان تكون متآلفة في ما بينها ومن غير المرشحين للانتخابات النيابية. وشدد على ضرورة إنجاز الحكومة للعملية الانتخابية بأسرع وقت ممكن لأن هذه حكومة انتخابات.

من جانبه أكد سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية المنضوي في "14 آذار"، أن الحل "يكون بالذهاب إلى حكومة حيادية تكنوقراط"..اما  وليد جنبلاط رئيس جبهة النضال الوطني فقال إنه لن يصوت على حكومة من لون واحد وانه مع حكومة وحدة وطنية.
من جهته أكد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني على "اهمية تشكيل حكومة وفاق وطني تتصدى للاستحقاقات والملفات الكثيرة التي تواجه لبنان واللبنانيين في هذه المرحلة.

وعلى الرغم من تأييد كافة القوى السياسية لسلام الذي نال ثقة 124 نائباً من أصل 128 نائباً من أعضاء البرلمان  خلال الاستشارات النيابية التي أجراها الرئيس  سليمان مع النواب والكتل النيابية يومي الخامس والسادس من الشهر الجاري إلا أن هناك بعض الصعوبات التي قد تواجه مرحلة تشكيل الحكومة أيضاً على ضوء تمسك بعض القوى السياسية ببعض الحقائب الوزارية أو ما يعرف بالحقائب "السيادية " (كوزارة الخارجية والداخلية والطاقة). وهو ما أكده سلام عندما قال في تصريح له إن المرحلة السياسية التي تمر بها بلاده حرجة وتحتاج إلى جهد كبير لعبورها وذلك بالتعاون مع جميع القوى السياسية.

وأضاف أن "المحركات في الملف الحكومي لا تزال مطفأة"، معرباً عن أمله بأن ينسحب الإجماع على التكليف في مرحلة التأليف.
ويقع على عاتق الحكومة القادمة مسؤولية إجراء الانتخابات النيابية في ظل عدم التوافق لغاية الآن بين الاطراف اللبنانية على أي قانون انتخابي سيتم اعتماده للانتخابات التي من المفترض ان تتم شهر يونيو القادم وسط احتدام السجال بين الاطراف خاصة بعد ان أقرت اللجان النيابية في شهر فبراير الماضي مشروع "اللقاء الارثوذكسي غير المتوافق عليه من كافة الاقطاب السياسية بما يتضمن من مادة خلافية اساسية ( كل طائفة تنتخب نوابها ) ووسط إصرار بعض القوى السياسية على القانون الحالي أو ما يعرف" بقانون الستين "الذي يعتمد النظام الأكثري كآلية انتخاب، ويكون فيه تقسيم الدوائر الانتخابية على أساس الأقضية (المنطقة).

ويأتي هذا السجال في وقت تعمل لجنة التواصل النيابية حاليا من أجل إيجاد صيغ للتوافق على قانون انتخابي جديد بعد ان وقع الرئيس اللبناني خلال الشهر الجاري على قانون تعديل المهل في قانون الستين الذي أحاله عليه المجلس النيابي بعد أن صادق المجلس على اقتراح القانون المعجل المكرر الرامي إلى تعليق جميع المهل حتى 19 مايو القادم وإقفال باب الترشح قبل 3 اسابيع من موعد الانتخابات وسحب الترشيح قبل اسبوعين وذلك بغياب جبهة النضال الوطني واعتراض نجيب ميقاتي رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية والوزير أحمد كرامي وتحفظ النائبين بطرس حرب ونقولا فتوش.

ويهدف إقرار قانون تعديل المهل إلى إتاحة الفرصة لصدور قانون انتخابي جديد يتوافق عليه الجميع، في وقت يلقى إقرار قانون تعديل المهل اعتراضا، حيث قامت بعض القوى السياسية بترشيح نوابها على أساس قانون الستين الانتخابي (جبهة النضال الوطني التي يترأسها جنبلاط)، في حين تواردت معلومات بأن جبهة النضال تتجه إلى توجيه طعن في قانون المهل، مؤكدة وجوب التقيد بالمهل لتقديم الترشيجات للانتخابات النيابية حسب قانون الستين.

وتعمل لجنة التواصل في مجلس النواب  حالياً على عقد اجتماعات مكثفة في محاولة جديدة للتوافق على قانون انتخابي وإيجاد صيغة لتلافي إجراء الانتخابات على أساس "قانون الستين" (المعمول به حاليا ) أو مشروع "اللقاء الأرثوذكسي"(الذي أقرته اللجان النيابية). وسط هذه الأجواء أكد نبيه بري رئيس المجلس أن الجلسة التي ستعقد شهر مايو القادم ستكون فاصلة وقال في تصريح له إن المهلة الفاصلة عن منتصف الشهر المقبل هي حاسمة، ويتوقف عليها مسار قانون الانتخاب، مشددا على  أنه سيدعو إلى جلسة عامة في 15 مايو ، "سيأكل فيها النواب ويشربون وينامون ويستيقظون إلى أن يخرجوا بنتيجة واضحة".

وكان بري قد شدد في تصريح له قبل أيام على ضرورة التوصل إلى قانون جديد للانتخابات ببلاده خلال مهلة الشهر التي حددتها الهيئة العامة للمجلس النيابي في جلستها الأخيرة، مجدداً التأكيد على أنه مع أي قانون انتخابات يتفق عليه اللبنانيون.

وقال إنه "شجع لجنة التواصل النيابية على تكثيف جهودها واجتماعاتها للتوصل إلى اتفاق حول صيغة القانون المختلط في اقرب فرصة قبل موعد الجلسة العامة التي سيدعو إليها في منتصف مايو المقبل والتي ستكون نتائجها حاسمة بالنسبة إلى هذا الموضوع."

وتواجه العملية الانتخابية جملة من التحديات التقنية التي قد تحول دون إجراء الانتخابات النيابية ضمن المهل الدستورية حيث أشار مروان شربل وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال إلى العوائق التي قد تؤدي إلى الطعن في الانتخابات النيابية التي من المفترض أن تتم شهر يونيو القادم وهي عدم وجود تمويل لإجراء الانتخابات وعدم وجود هيئة الإشراف على الانتخابات وعدم وجود لجان القيد، موضحاً أن كل هذه الأمور تم وضعها في الكتاب الذي أرسله إلى رئاسة مجلس الوزراء والذي أعلن فيه ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها.

ويعتبر إجراء الانتخابات النيابية في موعدها أمراً هاماً في مسار نجاح حكومة تمام سلام حيث يتخوف عدد من المهتمين بالشأن اللبناني من أن يصل رئيس الحكومة المكلف إلى مرحلة يواجه فيها صعوبة في تشكيل الحكومة ويلجأ إلى التعذر جراء عدم التوافق على قانون انتخابي، حيث قال سلام إنه إذا حصلت الانتخابات تستقيل الحكومة، وإذا طال التأليف أو تعذر وتم التجديد للمجلس النيابي فإنه سيعتذر ويسلم الأمانة ويقول إن مهمته انتهت وليأتوا بحكومة تمديد، في حين تنظر بعض الأوساط بتفاؤل إلى المرحلة القادمة في ظل الاجماع الذي لاقاه سلام في مرحلة التكليف وبموقفه الحاسم بأنه على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية حيث قال إنه منذ أن صار رئيسا مكلفا أصبح للجميع وليس لطرف سياسي معين، وحكومته يجب ان تكون للجميع لا مع ولا ضد أحد، بل حكومة وطنية تجمع الكل وليكن الصراع والخلاف داخل المؤسسات.

كما يراهن البعض على نجاح سلام نظر للاتساق في المواقف بينه وبين الرئيس اللبناني حيث ينطلق سلام في ترجمة توجهات الرئيس سليمان في تركيبة حكومية يُصرّ على ان تكون من غير المرشحين للانتخابات النيابية، وأن تكون مهمتها المركزية إجراء الانتخابات وان تراعي التوازن السياسي والطائفي، وان تكون حكومة محصنة بالثقة التي تحتاج إليها في مجلس النواب لتكون قادرة على الإنتاج والعمل بروح الفريق المتجانس.

وبرأي المتفائلين فان نجاح تمام سلام في مهمته مرهون أيضا بإصراره على تأليف حكومة تلاقي قبولا من الجميع حيث نفى أن يكون في وارد التفرد بتشكيل الحكومة، مؤكداً أنه ينتظر من القوى السياسية اللبنانية مقترحاتها بأسماء من ترغب في توزيرهم في حين تواردت معلومات صحافية أن رئيس الوزراء المكلّف والرئيس اللبناني سيختاران من الأسماء، ما هو مناسب ومؤات للمعايير المطلوبة، بحيث تكون غير حزبية وغير مرشحة للانتخابات النيابية.

ويؤكد عدد من المتابعين للشأن اللبناني على ضرورة انجاز الاستحقاقات الحكومية والانتخابية من أجل الحفاظ على مكانة لبنان داخل المجتمع الدولي إضافة إلى استعادة ثقة المستثمرين نظرا للترابط بين السياسة والاقتصاد وفي ظل تأثير الوضع السياسي الداخلي سلبا على تشجيع الاستثمارات الداخلية او استقطاب الاستثمارات من الخارج كون الاستثمارات تبحث عن مكان آمن لها، كما تؤكد الجهات الرسمية اللبنانية أن انجاز الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها من تشكيل حكومة إلى اجراء الانتخابات النيابية أمر هام بالنسبة لمكانة لبنان في المجتمع الدولي حيث أكد الرئيس اللبناني ميشال سليمان على ضرورة انجاز الاستحقاقات الحكومية والانتخابية في مواعيدها بما يبقي للبنان صورته ومكانته كدولة ديمقراطية تحظى باحترام المجتمع الدولي.

من جانبه أعرب وزير الداخلية اللبناني عن تمنياته بان تتوصل القوى السياسية في بلاده إلى الاتفاق حول قانون انتخابي جديد تماماً كما تم الاتفاق على تسمية تمام سلام رئيساً للحكومة، معتبراً أن الأمر مرهون بمصير البلد وهو تحت المنظار الدولي والإقليمي ولا يجوز أن نمر بمرحلة دون انتخابات.

ويقع على عاتق حكومة تمام سلام بعد نجاحه بتشكيلها جملة من التحديات المحدقة على ضوء الملفات الهامة التي تستتبع متابعتها ومنها الانقسام السياسي الداخلي والذي زادت وتيرته الازمة السورية على ضوء الخلافات بين القوى السياسية اللبنانية بين مؤيد ومعارض للنظام وهي الحكومة التي ستخلف حكومة ميقاتي المؤلفة من اكثرية تضم حزب الله وحلفاءه، والتي اعتمدت رسمياً "سياسة النأي بالنفس" حيال النزاع السوري. وقد أكد تمام سلام في بيان التكليف على ضرورة إخراج لبنان من حالة الانقسام والتشرذم السياسي وما انعكس منه على الصعيد الامني ودرء المخاطر المترتبة عن الاوضاع المأساوية المجاورة والاجواء الاقليمية المتوترة ومنع الانزلاق باتجاهها.

ومن الملفات الهامة ايضا الملف الامني في ظل التوتر الذي تشهده المناطق الحدودية والخروقات المتكررة من الجانب السوري وما تشهده بعض المناطق اللبنانية من توترات من طرابلس بشمال لبنان إلى صيدا بالجنوب الى البقاع شرق لبنان على خلفية الصراع بين أبناء تلك المدن على خلفية سياسية ومذهبية، إضافة الى الملف الاقتصادي مع عجز في موارنة الدولة يتجاوز 56 مليار دولار.

وعلى الرغم من كافة المعطيات الايجابية الا أن رئيس الوزراء المكلف لم يضع جدولاً زمنياً لتأليف الحكومة، مؤكداً أنه ليس مع التسرع في تأليف الحكومة، لكنه ليس مع التأخير لأن بلاده بحاجة إليها.

ويبقى السؤال هل تستطيع حكومة تمام سلام أن ترى النور قريباً وتكون جسر العبور بلبنان نحو الأمن والاستقرار وان تنجز الانتخابات وفقا لمواعيدها الدستورية.