الرئيسية » تقارير إخبارية » هل كان صعود “داعش” نتيجة لسياسات أميركية مضللة؟
تقارير إخبارية تقارير ودراسات رئيسى

هل كان صعود “داعش” نتيجة لسياسات أميركية مضللة؟

داعش
داعش

هل كان صعود “داعش” حتميا؟ هو عنوان مناقشة هامة في دوائر السياسة الخارجية الأميركية، حيث تدور تفاصيل المناقشة حول فرضية مهمة ، تناقش السؤال التالي : هل كان لا بد من ظهور “داعش”، أم أنه كان نتيجة لسياسات أميركية مضللة؟

ويتفق معظم المحللون السياسيون على أن ظهور “داعش” كان نتيجة لسياسات أميركية مضللة ،ولكن الجدل أيضا محفوف بمسألة مهمة وهى أن اللوم هل يقع على أميركا بسبب تدخلها العسكري لمواجهة “داعش” أم أن اللوم يطالها بسبب تقاعسها في بعض الأحيان عن حسم هذه المواجهة .

ويقول المحللون السياسيون أيضا إن غزو العراق أدى إلى ظهور “داعش” بينما يصر آخرون على أن السبب الرئيسي وراء ظهورها هو قرار أوباما بالانسحاب من العراق في عام 2011 .

هذا ويستخدم البعض تحليلا مضادا لتقييم ما إذا كانت قرارات السياسة الأميركية المختلفة قد أدت إلى خروج “داعش” من مهدها،مؤكدين أن ذلك يتمثل في أربعة نقاط.
وكان أول هذه النقاط هو قرار إدارة بوش بغزو العراق في عام 2003.

أما الثلاثة الأخرى فقد وقعت خلال إدارة أوباما ،وتشمل أولا: قرار عدم الضغط على العراق، للسماح للولايات المتحدة بمغادرة عدد كبير من القوات الأميركية، وثانيا :قرار عدم التدخل بقوة في الحرب الأهلية السورية ، وثالثا: قرار عدم التدخل بشكل أكثر قوة لمساعدة الحكومة العراقية على هزيمة “داعش” قبل أن تسقط في يدها مدينة الموصل.

إن “صعود “داعش” كان مأساة لا يمكن تجنبها”، ولكن كل من حالتي ضبط النفس والنشاط يتقاسمان اللوم، ولو لم يقم واضعو السياسات الأميركيون بغزو العراق في عام 2003، أو كانوا أكثر عدوانية في العراق وسوريا من 2011-2014، يقولون: “ربما لم يكن داعش قد ظهر على الإطلاق”.

ونجد على سبيل المثال، أن التدخل المحدود في سوريا في الفترة 2011-2013 قد يكون له فوائد، ولكن ربما لم يكن له تأثير في تحويل مسار الصراع بشكل جوهري مع صعود “داعش”.
وبالمثل، فإن غزو العراق في عام 2003 كان من شأنه أن يترك الولايات المتحدة مثقلة بتكاليف الاستمرار في احتواء ذلك البلد، في حين أن ضرب “داعش” عسكريا في أواخر عام 2013 أو أوائل عام 2014 ربما أضعف تلك المنظمة عسكريا،وأدى إلى تفاقم الأوضاع السياسية التي كانت تغذي ارتفاعها .

كان ينبغي على أميركا التدخل بشكل أكبر في السياسة العراقية في عام 2010 من أجل خلق حكومة أقل طائفية، من تلك التي ظهرت في نهاية المطاف، لكن التدخل العسكري الأميركي للأسف كان يخلق مشاكل أكثر مما يحل، مما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتضخيم الصراعات الأهلية .

وهناك أمور أخرى، من الناحية النظرية، يمكن أن تفسر صعود “داعش”، لكن يمكن أن نقول إن قرارا أميركيا بعدم غزو العراق عام 2003 كان من شأنه أن يحول دون صعود تنظيم “داعش”.

والسبب بسيط: السبب الوحيد الواضح لظهور “داعش” هو غزو العراق، وكما أوضح الرئيس أوباما في عام 2015، فإن “داعش هى نتيجة مباشرة للقاعدة في العراق، خرجت من غزونا، وهو مثال على العواقب غير المقصودة، وهذا هو السبب في أننا يجب أن نركز على الهدف عموما قبل أن نطلق النار”.

ديفيد كيلكولن، الذي عمل في مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية في الفترة 2005-2006، وكان كبير مستشاري الجنرال ديفيد بترايوس في ذروة ارتفاع العراق في 2007-2008 قد أشار بشكل أكثر صراحة قائلا : “لن يكون هناك داعش إذا لم نكن قد غزت العراق”.

ومن الصحيح أيضا أن سوء الإدارة خلال حرب العراق جعل الأمور أسوأ، وأبرزها أن قرار تفكيك الجيش العراقي و “اجتثاث البعثيين” من حكومة ما بعد صدام ،جعل أعداء من البعثيين السابقين، وكثير منهم ينضمون لاحقا إلى التمرد الداعشي.

لكن الغزو والاحتلال كانا العنصر الرئيسي الذي جعل العراق مغناطيسا للمسلحين من جميع أنحاء الشرق الأوسط وبؤرة للتمرد والإرهاب.

وبحلول عام 2006، وجدت تقديرات الاستخبارات الوطنية الأميركية حول اتجاهات الإرهاب العالمي أن الحرب في العراق كانت “تشكل جيلا جديدا من القادة والإرهابيين “.

لقد أصبحت الحرب “السبب الرئيسي” للجهاديين، مما أدى إلى استياء عميق من الولايات المتحدة ازاء الانخراط الارهابي في العالم الاسلامي وزرع مؤيدي الحركة الجهادية العالمية في العراق”.

على النقيض من ذلك، على الرغم من أن أوباما كان يمكن أن يبذل جهودا أكبر في عام 2010 لترتيب سبل استخدام القوة، فقد كان بإمكان الإدارة أن تتنبأ بأن فشلها في ذلك سيؤدي إلى ظهور” داعش”.

علاوة على ذلك، حتى لو كان هناك 000،20 جندي أميركي بقوا في العراق، وحاولوامنع بعض السبل المباشرة لتكوين تنظيم ” داعش”، فإن وجودهم لم يفعل شيئا للتخفيف من دوافع صعود التنظيم.

وفي الواقع، كان استمرار وجود القوات الأميركية في العراق سببا أدي إلى تفاقم العديد من المظالم التي أعطت “داعش” طاقتها ومبرر وجودها.

وكما أظهرت قدرة الطالبان في أفغانستان على البقاء، فقد تكون الولايات المتحدة قد بقيت في العراق إلى أجل غير مسمى دون “هزيمة الإرهاب”، ومن ثم دون حل مشكلة كيفية الرحيل بلا خطر.

وبالنظر إلى أنه كان من مصلحة الولايات المتحدة مغادرة العراق في مرحلة ما، وأن ذلك قد بدا سانحا عام 2010، فقد كان تنظيم القاعدة في العراق – سلف تنظيم “داعش” – قد تدهور بشكل خطير على مدى السنوات الثلاث السابقة، ومن المؤكد أن الإدارة الأميركية كان يجب عليها أن تتوقع مستوى من عدم الاستقرار المتزايد بعد الانسحاب من العراق، ولكن لا أحد كان يتوقع بأن الانسحاب سيؤدي إلى الارتفاع المذهل لتنظيم “داعش”.

ومن ناحية اخرى، توقع الكثير من الاشخاص، بمن فيهم خبراء فى وزارة الخارجية الأميركية، الكثير من الفوضى والعنف والصراع الاهلى الناجم عن الاطاحة بصدام حسين.

وخلاصة القول هي أن التدخلات العسكرية محفوفة بالمخاطر وتثير بلا شك عواقب سلبية غير مقصودة في المستقبل.

والدرس الذي يجب استخلاصه حول كيفية تجنب الوحوش المستقبلية مثل “داعش” ليس في بعض الأحيان أن تكون أميركا أكثر حرصا في استخدام القوة، ولكن أن نضع في اعتبارنا أن هذا العمل العسكري، لا سيما في الشرق الأوسط، سيؤدي حتما إلى نتائج سلبية غير مقصودة، ومن ثم ينبغي أن يظل الملاذ الأخير المطلق.