ثمة ترجيحات بأن تتزايد وتيرة الاضطرابات في منطقة المغرب العربي خلال العام المقبل ,والتى قد تأتى مدفوعة بالانتخابات المرتقبة والاحتجاجات الشعبية فضلاً عن التوجهات الاقتصادية , كما من المحتمل استمرار حالة الجمود المتعلقة بعملية صنع القرار لاسيما فى القضايا الحرجة فى كل بلد على حدة ,تاركة فراغاَ لأنظمة الحكم المنهكة بالفعل , ممايعزز احتمالات اتساع الفجوة بين المواطنين والنخب وارتفاع موجات الهجرة غير الشرعية فى ظل استمرار الانقسام في ليبيا وما يحمله من تداعيات على الأمن الإقليمي . ومن المتوقع كذلك أن تتكثف المنافسة الجيوسياسية بشمال إفريقيا مع سعي الجهات الفاعلة الخارجية للحصول على فرص اقتصادية واستراتيجية في المنطقة.في ضوء ما سبق يركز التحليل على الاتجاهات الرئيسية التي يجب مراقبتها خلال 2019 والتي تشير إلى حالة عدم اليقين في المنطقة المغاربية خلال العام المقبل.
انتخابات الجزائر
من المقرر أن تتجه الجزائر إلى صناديق الاقتراع في أبريل المقبل . وإذا أجريت الانتخابات على النحو المتوقع فإن ذلك من شأنه أن يضمن للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ولاية خامسة لكنه يؤشر كذلك ,على أن سماسرة السلطة لاسيما من العسكريين ، ونخب الأعمال القوية قد تمكنوا من كسب المزيد من الوقت للتوصل إلى من سيتم استغلالهم لمواصلة إرث بوتفليقة. غير أنه إذا تم تأجيل الانتخابات ، كما تتكهن بعض شخصيات المعارضة ،فإن ذلك سيحمل دلالات على أن مهمة الرئيس الجزائرى قد انتهت لكن لم يحدث بعد توافق بشأن خليفته. السؤال الأهم الآن ليس من الذي سيحل في نهاية المطاف محل الرئيس ، لكن هل يمكن للقوى هناك أن تتوحد حول استراتيجية لتوجيه البلاد نحو نظام اقتصادي سوقي أكثر تنافسية مع الحفاظ على شبكات الأمان الاجتماعي التي دعمت الاستقرار خلال العقدين الماضيين؟
الاستقطاب السياسي التونسي
مع استعداد تونس لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في نوفمبر المقبل , تتصاعد الاحتمالات بارتفاع وتيرة الصراع والاستقطاب السياسي لاسيما عقب فك الارتباط بين حركة النهضة ونداء تونس حيث أفضى الوفاق بينهما إلى دعم استقرار البلاد خلال السنوات الماضية دون تحقيق أي تقدم يذكر على الصعيد الاقتصادي .
اتساع دائرة الصراع بين رئيس الوزراء يوسف الشاهد والرئيس قائد السبسي أحد الاحتمالات المرجحة خلال هذا العام . حيث يسعى الشاهد إلى تنفيذ عدد من الإصلاحات الاقتصادية ، لكن مراكز القوى وأصحاب المصالح التي تتطلع إلى الحفاظ على بقايا النظام السلطوي القديم تقوض جهود رئيس الوزراء . فضلاً عن أن تشكيل الأحزاب السياسية الجديدة يخلق مجالا أكثر زخماً لكن بالوقت ذاته تزداد وتيرة الغضب الشعبي من النخبة السياسية بسبب فشلها في معالجة الأزمة الاقتصادية في البلاد ، بما في ذلك التضخم ، وانخفاض الدينار التونسي ، والبطالة المستمرة.
دراما الصحراء المغربية
عقب سنوات من التناقض الأميركي ، وضعت إدارة ترامب نصب عينيها حل نزاع الصحراء المغربية ، أو ربما تجميد مساعي الأمم المتحدة لحفظ السلام في الإقليم حال فشل كل الجهود التفاوضية .و أقنعت الإدارة الأمريكية أطراف النزاع بالاجتماع في ديسمبر لكن لم يثمر عن تقدم ملحوظ في مسار الحل . ومن غير الواضح ما إذا كان لدى البيت الأبيض استراتيجية محددة لحل النزاع أم أنه يريد ببساطة إغلاق ملف استمر لأكثر من عقدين لكن الشيء المؤكد هو أنه دون استراتيجية واضحة لاستئناف المحادثات ، من المرجح أن يتصاعد التوتر الدبلوماسي بين المغرب والجزائر ، الأمر الذي يحتمل أن يؤدي إلى تحركات من كلا الحكومتين تقوض مصالحهما الخاصة ومصالح دول المنطقة.
مأزق ليبيا يهدد بالانهيار
تسير ليبيا بخطى متسارعة نحو تعميق الصراع ,فعلى الرغم من الجهود التي بذلها مبعوث الأمم المتحدة لبناء حوار وطني, غير أن المعركة المتصاعدة للسيطرة على طرابلس بالإضافة إلى مرافق إنتاج وتصدير النفط من شأنها زيادة حدة الانقسام القائم , وطالما أن الأطراف الرئيسية المسلحة تسعى للحل عبر نهج الحصول على كل شيء أو لاشيء ,فإن البلاد مرشحة لاستمرار موجات العنف السياسي التي من شأنها تعزيز الانقسامات المتأصلة وحالة الفراغ الأمني والسياسي ,بشكل قد يسفر عن تعميق الأزمة الاقتصادية في ليبيا على الرغم من ارتفاع عائدات النفط , ويزعزع استقرار جيرانها فضلاً عن كونه يوفر ملاذا آمنا للخلايا الجهادية السلفية للعمل وإعادة ترتيب صفوفها مجدداً .كما ستظل الجهات الفاعلة الخارجية منقسمة حول الحلول العملية لمواجهة التحديات في ليبيا.
أكثر من الاحتجاجات
يحمل العام المقبل وعوداً بالمزيد من الاحتجاجات الشعبية المطالبة بزيادة الأجور والعدالة الاجتماعية فى دول المغرب الثلاث.إذ من المرجح أن يخرج المواطنون العاديون إلى الشوارع مطالبين الحكومات بأن تكون أكثر وضوحا وتقدم خدمات فعالة ، ويبدو أن الحكومات عالقة بين المتظاهرين ، الذين يشجع نجاحهم على المزيد من المطالب ، و المقرضين الدوليين ، الذين يضغطون لخفض الدعم ، ويقلصون من رواتب موظفي القطاع العام ، ويتشددون بالسياسة المالية. لذلك من المؤكد أن تلبية طلبات المقرضين ستزيد من غضب الرأي العام. فضلاً عن أن عدم وجود حلول اقتصادية واضحة يضمن استمرار الاحتجاجات المنظمة والنوبات العفوية في جميع أنحاء المنطقة.
التطرف والإرهاب
تسليط الضوء على مقتل اثنين من السياح الاسكندنافيين في المغرب في كانون الأول / ديسمبر 2018 والهجوم الانتحاري في وسط مدينة تونس في أكتوبر / تشرين الأول يسلط الضوء على التهديد المستمر للإرهاب في المغرب العربي. كان الهجوم في المغرب هو الأول منذ عام 2011 ، وكان تفجير تونس هو الأول منذ أن قتل مهاجم انتحاري 12 شخصًا في وسط العاصمة في أواخر 2015. وبينما أحرزت الحكومات تقدمًا في تفكيك الخلايا الإرهابية المحلية وتراجعت فرص الانضمام إلى الجماعات الجهادية السلفية في الخارج ، يمكن للأفراد المتطرفين المتأثرين بفكر القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية إطلاق أعمال عنف عشوائية باسم السلفية الجهادية , دون سابق إنذار . وفي ليبيا ، بعد عامين من عزل داعش داخل معقلها في سرت ، ينشط التنظيم فى أجزاء أخرى من البلاد ومع ذلك فإن الإرهاب ليس التهديد الرئيسي في المنطقة ، ولكن الهجمات العشوائية قد تتخذها الحكومات ذريعة لتبرير قدر أكبر من سلطات إنفاذ القانون. كما يمكن أن يؤدي المزيد من العنف إلى تهديد السياحة ، ل سيما في تونس والمغرب ، وكلاهما يعتمد على عائدات السياحة لتغذية الاقتصاد.
الهجرة غير الشرعية
وستستمر شمال إفريقيا في كونها بوابة جنوب الصحراء إلى أوروبا ، مما يجهد الموارد المحلية ويهيمن على الأجندات الدبلوماسية لحكومات شمال أفريقيا مع كل من الشركاء الأوروبيين والأفارقة. وقد انخفضت المعابر من ليبيا إلى إيطاليا في عام 2018 ولكنها زادت على الطريق من المغرب إلى إسبانيا. إن سكان شمال أفريقيا الذين يسعون إلى الوصول إلى أوروبا يستخدمون أيضاً تدابير يائسة بشكل متزايد لمغادرة منازلهم بحثاً عن فرص أفضل., فالهجرة غير الشرعية لمواطني شمال أفريقيا إلى أوروبا هي مقياس للبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المنطقة.حيث تشير التدفقات المتزايدة للمهاجرين إلى وجود ظروف سياسية واقتصادية أكثر تحديًا في المنطقة المغاربية.
تنافس القوى الدولية
حددت الصين وروسيا شمال أفريقيا على أنها ساحة مهمة لتعزيز نفوذهما التجاري والأمني . وتلعب روسيا دوراً دبلوماسياً أكثر نشاطاً في ليبيا وتسعى من خلاله إلى إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع البلاد مما يمكنها من الحصول على موطئ قدم عسكري آخر في البحر الأبيض المتوسط. فى حين حددت الصين الموانئ في شمال إفريقيا كعنصر حاسم في مبادرة الحزام والطريق. إنها بالفعل الشريك الاقتصادي الأكثر أهمية في الجزائر ، وقد استثمرت مليارات الدولارات في مشاريع توسعة الموانئ والبنية التحتية في البلاد. كما أشارت الصين إلى اهتمامها بالاستثمار في ميناء بنزرت التونسي ، وهو موقع مهم للكابلات تحت البحر ، كما تسعى إلى زيادة وجودها على طول ساحل المغرب المتوسطي. بصفة عامة , تحتاج البلدان في المنطقة إلى تحديث اقتصاداتها وبناء البنية التحتية ،و تقدم الصين حوافز جذابة للشراكة .
على الرغم من الاتجاهات السابقة غير أن ثمة تطورات إيجابية في المنطقة. أولاً حرية التعبير متأصلة الآن في تونس ، وهي واحدة من الإنجازات القليلة للثورة. صحيح أنها ليست قصة النجاح التي يدعيها الكثيرون ، لكن مناقشاتها السياسية المكثفة تشير إلى التعددية السياسية ، وهو إنجاز جدير بالملاحظة. ثانياً ، وضع توسيع البنية التحتية في المغرب أساساً للتنمية الاقتصادية المستقبلية حيث أصبح مجمع ميناء طنجة المتوسطي مركزاً هاماً للنقل عبر البحر المتوسط في ومركزاً إقليمياً لصناعة السيارات. ﺛﺎﻟﺜﺎً ، إن اﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺎت اﻟﻌﺎﻣﺔ ﺣﻮل اﻟﻔﺴﺎد واﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ واﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ وﻏﻴﺮهﺎ ﻣﻦ أوﺟﻪ اﻟﻘﺼﻮر اﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ أﻧﺤﺎء اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺗﻌﻨﻲ أن اﻟﻤﻮاﻃﻨﻴﻦ ﻳﺤﺎﺳﺒﻮن ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻣﺘﺰاﻳﺪ المسؤولين ومع أن مستويات التقدم بطيئة ، لكن النقاش لا يزال حيا.
المعضلة الرئيسية أمام حكومات شمال أفريقيا هي التغلب على الجمود السياسي والتناحر الضيق لمواجهة التحديات الاستراتيجية التي ستشكل بلدانهم لعقود قادمة. وإذا تمكنت الأنظمة هناك من المضي قدماً في التغلب على تلك الإشكالية وإثبات أنهم يستجيبون لاحتياجات مواطنيهم ، فإن شمال أفريقيا ستكون مجهزة بشكل أفضل للهروب من الاضطرابات المحتملة في العام المقبل. لكن إذ أخفقوا ، سيزداد الصدام بين المواطنين والأنظمة الحاكمة وستمتد تأثيراته إلى أبعد من حدود المغرب الكبير.
كل هذا يهم الولايات المتحدة لأن تزايد الاضطراب والديناميكيات المتغيرة في المنطقة المغاربية تؤثر على نطاق واسع من المصالح الأمريكية بما في ذلك مكافحة الإرهاب والطاقة والتجارة العالمية وأمن المتوسط. ومع ذلك ، تبدو واشنطن غير قادرة على حماية مصالحها والاستفادة من الفرص المتاحة .وفى حين تعترف الصين وروسيا بأهمية المنطقة الجيوستراتيجية. ويستثمرون م في البنية التحتية ، والتكنولوجيا ، والطاقة ، والصناعة التحويلية التي تضع الأساس لشراكات في المنطقة المغاربية من شأنها أن تمنحهم فرصة مستقبلية جيوستراتيجية.,تريد الحكومات المحلية وجودًا أمريكيًا أكثر قوة ، ولكن إذا كانت الولايات المتحدة لا تستجيب ، فإنها ستبحث , بلا شك , عن بدائل أخرى .
حرف أنظار الإدارة الأميركية إلى ما وراء الاضطراب في المنطقة المغاربية يعد المفتاح الرئيسى للفرص المتاحة هناك . غير أن الإخفاق في الانخراط بشكل أكثر استراتيجية الآن سيجعل الولايات المتحدة أقل أهمية في الساحة الجيوسياسية الحساسة التي تتغير بسرعة.
المصدر : حاييم مالكا – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) – واشنطن









اضف تعليق