نظام الملالي يتجمل استعداداً لتلميع صورة المرشد الأعلى خامنئي أو ربما يخشى الانقسام في وقت حرج ويحاول إعادة ترتيب البيت الداخلي , فالقرار المفاجئ الذي اتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بالإفراج قادة الحركة الخضراء المعارضة يحمل بين طياته مآرب أخرى وتداعيات كبرى
القرار الذي ينتظر فتوى المرشد و سيتم تطبيقه خلال 10 أيام إذا لم يعارضه علي خامنئي، تضمن الإفراج عن مهدي كروبي، زعيم الحركة الخضراء المعارضة والذي يخضع للإقامة الجبرية منذ 8 سنوات مع ميرحسين موسوي وزوجته زهراء رهنورد كما شمل رفع الحظر الإعلامي عن محمد خاتمي، الرئيس الإيراني السابق وزعيم التيار الإصلاحي.
عراب هذا المشروع هو إسحاق جهانغيري، النائب الأول للرئيس الإيراني حسن روحاني،والذي أكد هناك تحركاً لجمع الشخصيات والرموز البارزة في البلاد خلال الأيام القادمة من أجل توحيد الصفوف وأن احتمال إزالة القيود المفروضة على الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي تأتى فى إطار ترتيب لقاء يجمعه وقادة النظام الإيراني .
دوافع تحركات الملالي تأتى في إطار إعادة ترتيب البيت داخلياً وتوحيد أجنحة النظام بوجهيه الإصلاحي والمتشدد بهدف احتواء التوترات المتزايدة والسخط الشعبي الناجم عن انهيار الاقتصاد والعملة المحلية عبر منح المعارضة مساحة للتحرك بشكل لا يهدد النظام وبالوقت نفسه يتيح لأقطابه تلميع أنفسهم أمام المجتمع الدولي لاسيما المرشد الأعلى على خامنئى بغية تخفيف الضغوط الدولية على طهران عبر إبداء مرونة في التعاطي مع الملفات الداخلية وقد سبق أن طالبت الخارجية الأميركية في فبراير من العام الماضي ، السلطات الإيرانية برفع الإقامة الجبرية المفروضة على قادة المعارضة والتى رأت الأولى أنها تتعارض مع المقررات والحقوق الدولية، التي أعلنت طهران التزامها بها.
وثمة ترجيحات تؤشر إلى أن هذه الخطوات تهدف إلى الإتيان بموسوي وكروبي كبديل عن حكومة روحاني إذا فشلت المفاوضات حول إبقاء الاتفاق النووي مع الأوروبيين، وبدء سريان العقوبات الأميركية الأقسى من نوعها، والتي ستبدأ واشنطن بفرض المجموعة الأولى منها في 4 آب/أغسطس المقبل. فهناك رغبة شبه مكتومة داخل الحرس الثوري لإقصاء روحاني والذي سيكون محظوظا إن بقي في السلطة حتى الخريف المقبل لاسيما مع محاولات البحث عن كبش فداء لأخطاء الملالي والنظام بجناحيه المعتدل والمتشدد يمكن من خلاها تهدئة الأصوات المعارضة ولو بعض الوقت من جهة , وتمنح المتشددين فرصة لإلقاء اللومعلي الرئيس الذي يمثل التيار المعتدل .
احتواء صراع الأجنحة المتفاقم في البلاد، أحد الأهداف التي يسعى خامنئي لتحقيقها إذ أن الصراع الدائر بين المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية في إيران يتسم بالأزلية حيث يوجد تياران رئيسيان يتصارعان على النفوذ وهما المحافظ ” المتشدد” الذي يمثل عدة أحزاب وجمعيات رديفة منها حزب المؤتلفة الإسلامية ورابطة رجال الدين المناضلين كما أنه يسيطر على أجهزة المخابرات والحرس الثوري وأجهزة الرقابة القضائية، والثاني هو التيار الإصلاحي بزعامة روحانى ويضم 15 حزباً وجمعية سياسية
نزعات المرشد الأعلى لجمع شتات جناحي السلطة والعفو عن قادة المعارضة الخضراء يمكن تصنيفها كذلك فى زاوية التعبئة الشعبوية إذ سيدفع نحو تجاوز الانقسامات الداخلية وتنفيس الاحتقان الشعبي الناتج عن تدهور الوضع الاقتصادي, فبدلاً من أن توجه المعارضة سهامها إلى قلب النظام تقوم عوضاً عن ذلك بانتهاج خطاب معادى للولايات المتحدة طالما استثمره الملالى ببراعة و سرعان ما سيصطف النظام بوجهيه المحافظ والإصلاحي لمواجهة الغطرسة الأمريكية إذ أن خطاب إيران الشعبوي والراديكالي، الذي يأتي على خلفية تعزز مشاعر العداء للسياسة الأميركية والغربية غالبا ما يلقى صدى واسعاً وتزداد نسبة مؤيديه مع استدعاء نظرية المؤامرة وتصدرها للمشهد والذي يبدو الوقت ملائماً لها خاصة مع الإعلان عن المساعي الأمريكية الرامية إلى تشكيل تحالف أمني وسياسي إقليمي لمواجهة “خطر إيران”. و تشكيل ما وصفه مسئولون في البيت الأبيض والشرق الأوسط بنسخة عربية من حلف شمال الأطلسي أو “ناتو عربي”،فضلاً عن تفشى هواجس ” تفكيك إيران ” حيث أكد روحاني مخاطباً شعبه أن السياسات الرئيسية التي تتبعها واشنطن تجاه إيران هي “إسقاط النظام وتفكيك الدولة والتى تأتى فى إطار تخويف الشعب ودفعه نحو تجاوز الانقسامات الداخلية . تهديدات روحاني والردود الأميركية عليها، دفعت في اتجاه محاولة لملمة الصفوف الإيرانية وتجاوز الانقسام
السحر قد ينقلب على الساحر إذ أن الإفراج عن قادة الثورة الخضراء ريما يمثل تحولاً جذريا بالمشهد الإيرانى وقد يمثل قادة التحرك الأخضر وقوداً جديداً للثورة, فعندما يتناول المراقبون الوضع الإيراني وموجة الاحتجاجات الأخيرة، عادة ما يربطون ذلك بموجة الاحتجاجات السابقة التي حدثت عقب انتخابات 2009 والتي عرفت إعلاميا بالثورة الخضراء. وربما وجد البعض بها امتدادات لما حدث سابقا وان كانت متأخرة قليلا، إذ كانت مقموعة وحين توفرت لها فرصة الانطلاق خرجت الجماهير الغاضبة للتعبير عن احتجاجها. فقد كان مير حسين موسوي (76 عاما) ومهدى كروبي (80 عاما) مرشحين إصلاحيين في الانتخابات المثيرة للجدل التي فاز فيها الرئيس محمود أحمدي نجاد في العام 2009. وبعد هزيمتهما في تلك الانتخابات، قاد موسوي وكروبي في ذلك العام حركة الاحتجاج على إعادة انتخاب أحمدي نجاد، بسبب عمليات غش على نطاق واسع. ولعبت زهراء رهنورد زوجة موسوي دوراً بارزاً في الحركة الاحتجاجية ودون توجيه أي تهمة إليهما وضع الرجلان قيد الإقامة الجبرية منذ شباط/ فبراير 2011.
ومع ذلك ينظر البعض إلى امكانية التغيير المقبل على يد الحركة الخضراء على انها مناورة أو هامش صغير في ظل نظام ولاية الفقيه المسيطر على الحياة السياسية الإيرانية لاسيما وأن قيادات الحركة وتحديدا في خطها الأول المتمثلة في حسين موسوي و كروبي فضلاً عن محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني هم شخصيات مهمة وفاعلة من داخل النظام الثيوقراطي الحاكم وقد تولوا جميعا مناصب حساسة في الحكم والقضاء والبرلمان.
عند استقراء الساحة الداخلية حالياً، يتضح بأن النظام ا لم يعد قادراً على حشد وتوحيد الجبهة الداخلية بشكل فعلى ، وأن الحديث عن مصالحة وطنية أو تلاحم وطني في مواجهة الضغوط الخارجية صار متأخراً؛ إذ تعاني الأطراف المتصارعة في الداخل من أزمة ثقة، ويعاني النظام ككل من تراجع ثقة الشارع بشكل كبير.









اضف تعليق