الرئيسية » رئيسى » السيناريو الأخطر .. هل تصبح جماعات “الإرهاب الأبيض” داعش جديدة؟
تقارير ودراسات رئيسى

السيناريو الأخطر .. هل تصبح جماعات “الإرهاب الأبيض” داعش جديدة؟

بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بحتمية “صدام الحضارات” للمفكر الأميركى صامويل هنتنغتون فإن فهم ظاهرة الإرهاب الأبيض وصعود التيارات الشعبوية بسياقتها المركبة تبدو بسيطة ولا تتطلب المزيد من الاجتهادات لرصد وتوصيف دلالات موجات الكراهية  متعددة الحلقات من حوادث الإرهاب القومى الأبيض والتى شهدت مدينة إل باسو بولاية تكساس آخر حلقاتها ..لكن الإشكالية هنا تتمثل فى أن تلك التيارات تنتهج نفس المسارات الصعودية للجماعات الإرهابية المتطرفة  .

الشواهد على تصاعد نظرية السيادة البيضاء  تبدو لافتة إذ لاتقتصر  ممارستها على نطاق جغرافى محدد بل تتشبع مساراتها بمناطق متفرقة فى أوروبا والولايات المتحدة , وإذا كان  الهجوم الإرهابي المزدوج الذي استهدف المصلين الأبرياء في مسجدي “النور” و”لينوود” في مدينة كرايست شيرش النيوزيلندية بتاريخ15مارس/آذار 2019 أثناء صلاة الجمعة مؤشراً هاما على تصاعد تيارات العنف الأبيض , فإن الحودات المتلاحقة التى شهدتها الولايات المتحدة والتى كان آخرها  مذبحة الباسو، بولاية تكساس تدق أجراس الخطر حول التداعيات الكارثية المحتملة لتلك الظاهرة .

وكانت الولايات المتحدة قد شهدت على مدار الشهر الجارى وأواخرالمنصرم عدة حوادث إطلاق نار عشوائية أسفرت عن وقوع عدد كبير من الضحايا. حيث جاء الحادث الأول يوم الأحد 28 يوليو، إذ قتل مسلح ثلاثة أشخاص في مهرجان للطعام في شمال كاليفورنيا قبل أن ينتحر. فيما شهد يوم السبت 3 أغسطس مذبحة في مدينة تكساس، حيث قُتل 20 شخصًا وأُصيب 26 آخرون إثر إطلاق نار داخل متجر “وول مارت” بمدينة إل باسو بولاية تكساس. وبعدها بساعات، أي في فجر الأحد 4 أغسطس، سقط 9 قتلى على الأقل، وأصيب 16 شخصًا، إثر إطلاق نار في وسط مدينة دايتون بولاية أوهايو.

المتهم التقليدى والأول فى تنامى ظاهرة العنف الأبيض , العامل الاقتصادى  ومع ذلك يبدو  رغم أهميته عاجزاً عن إعطاء تفسير  متكامل لانتشار التطرف اليميني في الغرب .إذ ثمة دوافع أخرى متداخلة  أسهمت فى تحفيزه,  لعل  أهمها حالة المخاض التي يعيشها النظام السياسي الدولي. و الفشل الأمني للنخب السياسية الليبرالية في أوروبا. يضاف إلى ذلك استفحال ظاهرة العولمة التي أدت إلى تفجر صراع الهويات الذي تم التعبير عنه بانتشار ظاهرة اليمين المتطرف.

فوقاً لدراسة أعدها الباحث فى النزاعات الدولية إبراهيم فرحات أنه بالتزامن مع التحولات في بنية النظام الدولي إلى نظام متعدد الأقطاب حاولت جهات عديدة ملء الفراغ الذي تركه الانسحاب العسكري الأميركي من المنطقة. وهرعت دول مثل روسيا وإيران لتأمين موقع لها في النظام الدولي الجديد “المتعدد الأقطاب”، وبالقوة العسكرية التي تم التعبير عنها بالقصف الجوي الروسي المكثف في سوريا، وانتشار ظاهرة المليشيات الإيرانية المسلحة في سوريا ولبنان والعراق واليمن. التمدد الروسي والإيراني الباحث عن مكان في “النظام التعددي الجديد” ولّد صراعات جديدة وزاد حدة صراعات قائمة، الأمر الذي تسبب في موجات هجرة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث تجاه أوروبا الغربية تحديداً. وفجّر وصولُ اللاجئين صراعَ هويات  استفحل بمرور الوقت ومارست قيادة اليمين المتطرف دوراً مهماً في المبالغة في “الخطر الثقافي” وما يمثله من تأثير على نمط حياة الأوروبيين

ولايمكن قراءة صعود الموجات  اليمنية فى أوروبا بمعزل عن تنامى نظيرتها فى الولايات المتحدة  حيث تقع مدينة إل باسو التابعة لتكساس على الحدود مع المكسيك، وهى منطقة جاذبة للمهاجرين بما يعنى تشابه الظروف التى أفضت إلى تفشى النزعات القومية  وتنعكس بشكل متكرر بحالة الاستقطاب والتراشق بين المتطرفين من اليمين وفئات أخرى من الشعب الأمريكي على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يتأكد أيضًا مع نتائج بعض الدراسات التي تشير إلى تزايد الهجمات الإرهابية من قبل المتطرفين اليمينيين في الولايات المتحدة.

البيان الذي نشره المتهم بجريمة تكساس قبيل ارتكاب جريمته وأعرب خلاله عن تعاطفه  مع منفذ هجوم كرايستتشيرش الذي وقع في نيوزيلندا وأدى إلى مقتل حوالي 51 شخصًا، يحوى بين طياته السيناريو الأسوأ المتمثل فى احتمال  تشابك أصحاب نظرية السيادة البيضاء بالقدر  الذى يمكنهم  من  تنفيذ هجمات إرهابية كبيرة على غرار ما حدثت في 11 سبتمبر.لاسيما مع السهولة والسرعة اللذين يوفّرهما الإنترنت فى التواصل  , وأن تفضى  التشابكات بين حركات القوميين البيض المتطرفين في مختلف دول العالم ليس  إلى تنفيذ هجمات فردية أخرى، فحسب بل إلى شن  هجمات كبيرة وان يؤدى هذا الترابط إلى إفراز أخرى مماثلة للتيارات الجهادية المتطرفة مثل داعش والقاعدة

القواسم المشتركة، بين صعود تنظيم داعش والإرهاب القومي الأبيض تبدو متزايدة إذ أن  أنصار السيادة البيضاء دعايتهم مشابهة لداعش “قبل أعوام الأمر الذي يسهم كثيراً في فهم أسباب وقوع هجمات الإرهاب القومي الأبيض وتكرارها وكثرة عدد ضحاياها. ففي الحالتين؛ توجد أيديولوجيا تتبنى العنف بطريقة استعراضية وعشوائية كما أن  التغيّرات العالمية التي أثرّت وسمحت بظهور داعش تسارعت وتيرتها، مثل انتشار الشبكات الاجتماعية، إذ يستحيل عملياً القضاء على مجموعة يحرّكها مثل هذا النوع من الأفكار، وتتغلغل في شبكات التواصل الاجتماعي بصورة لا مركزية مع تفشّي هذا العنف تتولّد دائرة مفرغة من التطرف اللانهائي تسفر عن اجتذاب مزيد من الأشخاص، ويبدأ الأمر في الوصول إلى درجة مرعبة؛ حيث يؤدّي كلّ هجوم إلى الترويج أكثر وأكثر للأصولية والأيدولوجية الكوارثية على الإنترنت، ما ينتج عنه بالتبعية مزيد من الاعتداءات. وذلك بحسب جي إم بيرجر، مؤلّف كتاب “التطرّف”، وعضو مجموعة “فوكس-بول” للأبحاث.

لكنّ التباينات بين تنظيم داعش وأصحاب نظرية السيادة البيضاء  لاتزال كثيرة ؛ فقد حاول زعماء تنظيم الجماعة الإرهابية توظيف حماسة أتباعها من أجل خلق حكومة ودولة ذات عمر قصير، بينما لا يحظى القوميون البيض بقيادة رسمية بالدرجة المطلوبة.