نجح الجيش اللبناني في تحرير أربعة سوريين ومواطن تركي كانت ميليشيا آل المقداد قد أخذتهم رهائن واشترطت لإخلاء سبيلهم تحرير أحد أقاربهم الذي يقال إن المعارضة السورية قد اختطفته مع آخرين.
وكان الفصيل الشيعي اللبناني قد اختطف عشرين مغترباً من العمال السوريين انتقاماً لاختطاف أربعة وعشرين "حاجاً" شيعياً على يد مجموعة معارضة سنية في سورية. وقد كان الأمر الآخر الذي لاقى تغطية أقل في الإعلام الغربي- لكن كانت له تداعيات على نفس الدرجة من الأهمية – هو اعتقال وزير العمل اللبناني السابق ميشال سماحة في 9 أغسطس "آب"، بتهمة التخطيط لتفجير عشاء إفطار رمضاني لأفراد من الجالية السنية. وقد جاءت الادعاءات ضد السيد سماحة – وهو مسيحي بارز على صلة وثيقة بالنظام السوري والميليشيا الشيعية "حزب الله" – صادمة للحكومة اللبنانية التي تعاني بالفعل من العنف في سورية. وتبرز هذه الأحداث الأخيرة ليس فقط المخاوف بشأن امتداد العنف من الانتفاضة الدموية ضد بشار الأسد التي دامت حتى الآن ثمانية عشر شهراً، بل تسلط الضوء أيضاً على الحاجة إلى استراتيجية أميركية فعالة لتعزيز الاستقرار وتشجيع قيام تحالف سياسي قابل للبقاء يحل محل الحكومة الحالية في لبنان الخاضعة لسيطرة "حزب الله".
ويقول ديفيد شنكر مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن واندرو تابلر الزميل الأقدم في البرنامج إنه منذ عقود يعتبر سماحة شخصية اجتماعية في لبنان. فهو عضو منتخب في البرلمان من قبل "حزب الكتائب" المسيحي القومي، وشغل سابقاً منصب وزير السياحة والإعلام، ومرتين وزير الإعلام في الحكومات التي ترأسها الراحل رفيق الحريري. وبعد انتهاء الحرب الأهلية واحتلال سورية للبنان عام 1991، أقام سماحة علاقات وثيقة بشكل متزايد مع نظام حافظ الأسد في دمشق. وفي وقت لاحق وبعد اغتيال الحريري عام 2005 و"ثورة الأرز" وانسحاب سوريا من لبنان، تواءم سياسياً مع "قوى 8 آذار" الموالية لسورية بقيادة "حزب الله". وفي عام 2007، مُنع من السفر إلى الولايات المتحدة بسبب دوره في "زعزعة استقرار لبنان".
وفي وقت مبكر من هذا الشهر، اعتقلت "قوات الأمن الداخلي" اللبنانية السيد سماحة ووجهت إليه تهمة التخطيط لشن هجمات إرهابية، "كما اتُهم غيابياً اثنان من ضباط الجيش السوري من بينهم رئيس "جهاز أمن الدولة" اللواء علي مملوك". وأفادت التقارير أن سماحة اعترف أثناء التحقيقات معه "بتهريب متفجرات في سيارته من سورية إلى لبنان" بهدف تنفيذ "تفجيرات في شمال لبنان – لا سيما في منطقة عكار – بمعرفة سورية".
وقد أخبرت قوات الأمن الصحافة اللبنانية أنه نقل – مع محرضين آخرين – متفجرات بهدف وضعها أسفل المركبات، على غرار الأجهزة التي كانت تستخدم في السابق ضد شخصيات مناهضة لسورية في لبنان "مثل مذيعة قناة "إل بي سي" التلفزيونية مي شدياق ومحرر صحيفة "النهار" سمير قصير.
انتشار عمليات الاختطاف
في مايو "أيار"، قامت جماعة معارضة مسلحة غير معروفة يطلق عليها "الثوريون السوريون في محافظة حلب" باختطاف أربعة وعشرين شيعياً في سورية. ولاحقاً أفرجت الجماعة السورية عن النساء الرهائن لكنها واصلت احتجاز أحد عشر رجلاً، قيل في البداية إن خمسة منهم كانوا أعضاء في "حزب الله". ولم يتحقق حتى الآن سوى تقدم محدود في تأمين الإفراج عنهم، حيث اشترطت الجماعة توجيه زعيم "حزب الله" اعتذاً للشعب السوري عن دعمه للقمع الوحشي للانتفاضة الشعبية من جانب نظام الأسد. وقد رفض نصر الله الاستسلام لهذا الشرط.
ولامس الاختطاف وتراً حساساً لدى الشيعة اللبنانيين. ففي الأسبوع الماضي، وبدافع الإحباط من جراء عدم وجود تحركات بشأن القضية، اختطفت عشيرة المقداد – أحد أقاربها هو من بين الرهائن – عشرين عاملاً سورياً في لبنان، وتستمر يومياً في زيادة ذلك العدد الإجمالي. كما تعهدت العشيرة بأسر أبرياء آخرين من دول تدعم المتمردين المناهضين للأسد، مما أدى إلى خروج جماعي للمواطنين السعوديين والقطريين من لبنان. وكانت قد أعلنت سابقاً عن إلقاء القبض على مواطن تركي.
ازدياد التوترات الطائفية
على الرغم من أن العلاقة الدقيقة بين "حزب الله" واللبنانيين المختطفين في سورية لا تزال غير واضحة، إلا أن ازدياد الاختطافات لا يدع مجالاً للشك بأنها طائفية: فالشيعة اللبنانيون يختطفون أبناء السنة السوريين بينما يقوم السنة السوريون بأسر أبناء الشيعة اللبنانيين. والأمر المؤكد هو أن هذه التكتيكات تعكس ملامح الحرب في سورية – لكنها تعكس أيضاً الانقسامات السياسية اللبنانية مما يجعل هذه الممارسات خطرة للغاية.
وعلى عكس الاختطافات – أسلوب يبدو أنه تطور داخلي وبدون تشجيع خارجي – فإن مخطط سماحة يعكس الاستراتيجية طويلة الأجل لنظام الأسد القائمة على تفادي الضغط عن طريق زرع الفوضى الطائفية في لبنان. ولو كانت قنابل سماحة قد وصلت أهدافها، لكانت المذبحة الناجمة عنها ستؤجج التوترات بين السنة والشيعة، وتزكي مرة أخرى نار الكراهية الطائفية طويلة الأجل، وربما تُعيد لبنان إلى الحرب الأهلية.
ويبدو أن بيروت قد تفادت الأزمة – على الأقل حالياً – بإلقائها القبض على سماحة. لكن الطائفية المتواصلة في لبنان – كما يتضح من الاشتباكات بين العلويين والسنة التي وقعت اليوم في طرابلس – والقتال الاستقطابي المجاور جعل الدولة جاهزة لأعمال التخريب السورية. ورغم أن مصير سماحة يبدو أنه السجن، إلا أن لدى دمشق عدداً وافراً من الأنصار في لبنان. ولا شك أن نظام الأسد سينظر إلى التدهور هناك باعتباره مصدر تشتيت للانتباه وإبعاد التركيز عن إراقة الدماء المتواصلة على الساحة الداخلية، فضلاً عن أنه سيبعث رسالة تذكير لواشنطن مفادها أنه ربما تكون هناك تكلفة إقليمية باهظة جداً للتدخل العسكري في سوريا.
الحرب الباردة في لبنان
تحولت الانتفاضة في سورية إلى حرب طائفية، حيث تدعم إيران الشيعية ودول المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا السنية أتباعها الإقليميين. وفي الوقت نفسه في بيروت، يشعر "حزب الله" المدعوم من الإيرانيين بالقلق من تداعيات سقوط الأسد ويضغط على الفلول المؤيدين للغرب، المتمثلين بصفة أساسية في "تحالف 14 آذار" السني من أجل إضفاء طابع قانوني على ترسانة الميليشيا الكبيرة. كما تسعى المنظمة إلى تغيير القانون الانتخابي اللبناني على أمل تقويض خصومها السياسيين، الذين فازوا بأغلبية برلمانية في عمليتي الانتخاب الماضيتين وقد يكررون ذلك الإنجاز في انتخابات 2013.
وترغب سورية وإيران في دعم موقف "حزب الله" الآخذ في الضعف، مما يُمكِّن الميليشيا من توفير عمق استراتيجي في لبنان في حالة مغادرة الأسد دمشق وإقامته دولة علوية رديفة على طول الساحل. بيد أن قاوم "تحالف14 آذار" حتى الآن تلك الجهود الداعمة رغم مواجهته ضغوطاً متزايدة. وفي الواقع، قد يتعزز قريباً وضع خصوم "حزب الله" اللبنانيين بإضافة زعيم الدروز المؤثر وليد جنبلاط وأصوات الناخبين الهامة والمتأرجحة التي بإمكانه الحصول عليها. ورغم أن جنبلاط كان عضواً رئيسياً في "تحالف 14 آذار"، إلا أنه ترك هذا "التحالف" في عام2009 وساعد على إيصال حكومة قوى "8 آذار" إلى السلطة. وهو مستعد الآن إلى الانضمام مرة أخرى إلى "تحالف 14 آذار" الذي أعيد بعثه "أو على الأرجح أُعيد تكوينه" – وهو تطور سوف يعمل على تحسين الموقف السياسي للتحالف الذي كان قوياً وتوجيه صفعة إضافية إلى "حزب الله". بيد أنه يثير هذا الاحتمال شبح عام 2008، عندما غزت الميليشيا بيروت واستولت على الحكومة من أجل الحفاظ على مميزاتها السياسية والعسكرية. ورغم أن "حزب الله" يبدو متحفظاً بشأن توجيه أسلحته تجاه الشعب اللبناني مرة أخرى، إلا أن رده على خلع الأسد المحتمل يصعب التنبؤ به.
واشنطن والمعركة القادمة
وخلال الفترة من2005 إلى 2008، كان دعم "تحالف 14 آذار" العنصر الجوهري في سياسة إدارة بوش تجاه لبنان وسورية. وفي عام 2009، زار نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن بيروت عشية الانتخابات البرلمانية على أمل إعطاء دفعة للتحالف. بيد أنه لم توجه واشنطن منذ ذلك الحين سوى القليل من الاهتمام إلى لبنان. وبدلاً من المساعدة في توطيد ما كان حيئذ الأغلبية الوحيدة المنتخبة ديمقراطياً والمؤيدة للغرب في العالم العربي، حاولت واشنطن تعزيز روابطها مع النظام السوري – وهي سياسة انتهت فقط باندلاع الانتفاضة السورية العام الماضي. وحتى اليوم فإن الدعم العسكري السنوي للقوات المسلحة اللبنانية البالغة قيمته100 مليون دولار أميركي هو العنصر الباقي الوحيد الذي يمكن التعرف عليه حول السياسة الأميركية في لبنان.
وعلى الرغم من أن الدعم العسكري مفيد، إلا أنه غير كافٍ لمنع سورية من زعزعة استقرار لبنان. ونظراً لتاريخ لبنان في العنف الطائفي العنيف فإن انتقال العنف من سورية قد يكون حتمياً، بيد، تستطيع واشنطن وينبغي عليها أن تتخذ خطوات لمنع وقوع الأسوأ. يجب على الولايات المتحدة على أقل تقدير أن تقدم مرة أخرى دعماً سياسياً قوياً لخصوم الأسد و"حزب الله" اللبنانيين. وبالإضافة إلى تشجيع السنة المعتدلين المنتسبين لـ "تحالف 14 آذار" على ملء الفراغ القيادي الذي يستغله حالياً الإسلاميون السنة المتشددون، ينبغي على واشنطن الضغط على التحالف لاستيعاب الشيعة اللبنانيين الذين يعارضون "حزب الله"، ومن ثم جعل الكتلة قوة وطنية أكثر شمولية قادرة على تولي السلطة لو قُدِّر لها الفوز مرة أخرى في الانتخابات الوطنية عام 2013.
وفي الوقت نفسه، وفي ظل غياب الإجماع الدولي بشأن المجازر في سورية، ينبغي على واشنطن تجديد جهودها للحث على تطبيق قرار مجلس الأمن رقم1701 – لا سيما النصوص الخاصة بمنع نقل الأسلحة إلى الميليشيات في لبنان. وتعمل بيروت بالفعل على اعتراض طريق الأسلحة الموجهة إلى المتمردين السوريين. ومن خلال تنفيذ نصوص النقل البحري في القرار، تستطيع واشنطن أن تساعد على بدء عملية إغلاق شريان الحياة الرئيسي لأسلحة "حزب الله" – وهو شريان لا يمكنها قطعه نهائياً إلى حين انهيار نظام الأسد.
وعلى الرغم من أن مصير لبنان يكمن في النهاية في أيدي اللبنانيين، إلا أن جهود الأسد لإثارة الفوضى في البلد المجاور تعني أن واشنطن لا تستطيع أن تظل مراقباً لا مبالياً. وبطبيعة الحال فإن الطريق الأمثل لتعزيز الاستقرار في لبنان هو مساعدة المعارضة السورية على الإطاحة بالأسد. ومع ذلك، فبدون ذلك النهج القوي، ينبغي على واشنطن العمل على إرساء الاستقرار في بيروت من خلال دعم حلفائها اللبنانيين، لا سيما في جهودهم لخوض انتخابات 2013.









اضف تعليق