قبل أيام قليلة، شهدت طرابلس مأساة جديدة. في حي باب التبانة، انهارت أبنية سكنية، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا وإصابة آخرين، فيما استمرت فرق الإنقاذ بالبحث بين الركام تحت ظروف صعبة وقاسية. هذه الحادثة ليست الأولى، فقد سبقتها انهيارات مماثلة في الأحياء القديمة، ما يجعل المدينة تعيش كارثة متكررة، وكأنها تُدمر مرتين: مرة من الداخل بفعل الإهمال المزمن، ومرة من الخارج بفعل الظروف الاقتصادية والسياسية التي تركت الدولة عاجزة عن حماية المواطنين. مع كل انهيار، تتكشف الحقيقة الصادمة: أين أصحاب المليارات؟ وأين الدولة التي من المفترض أن تكون الحامية للمواطنين؟ المدينة تهدر، وأرواح الأبرياء تُزهق، بينما بعض الجهات القوية والثروات الضخمة تبقى بعيدة عن أي مساءلة. إن غياب الرقابة والمحاسبة وتحويل السلطة إلى نخبة مركزية متخلفة يؤدي إلى هذه المآسي المتكررة، ويحول حياة الناس اليومية إلى كابوس دائم.
لبنان، منذ عقود، يعمل وفق نظام مركزي طائفي يوزع السلطة وفق الانتماءات الدينية لا وفق الكفاءة أو الحاجة الحقيقية للمواطن. هذا النظام أدى إلى شلل الدولة في إدارة شؤون المواطنين، وترك المدن تتدهور تحت وطأة الإهمال المستمر، وفي الوقت نفسه أفسح المجال أمام النخبة الغنية للابتعاد عن المسؤولية المباشرة تجاه مجتمعاتها. عندما تنهار المباني، وعندما تنهار البنية التحتية، وعندما تفشل الدولة في تأمين الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، يدفع الناس الثمن بأرواحهم وممتلكاتهم.
طرابلس مثال صارخ على هذا الفشل البنيوي. المباني القديمة، التي لا تخضع لرقابة صارمة أو صيانة دورية، تتحول إلى أفخاخ قاتلة. القوانين موجودة على الورق، لكن غياب التنفيذ يترك المواطن بين المطرقة والسندان: يواجه الإهمال الداخلي، ويعاني تداعيات الفوضى الاقتصادية والسياسية من الخارج. هذا الواقع يطرح سؤالاً كبيراً: هل ستظل الحكومة المركزية عاجزة بينما المدن تنهار ويدفع الناس حياتهم ثمناً؟
الحل الجذري لا يكمن في وعود حزبية أو ترقيعات مؤقتة، بل في الفدرالية. هذا النظام يمنح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية وواسعة في التخطيط الحضري، وإدارة البنى التحتية، ووضع قوانين البناء، وتنفيذ معايير السلامة. المدن والمناطق القريبة من مشاكلها هي الأقدر على حلها، ويمكنها أن تحاسب أصحاب المشاريع والمستثمرين المحليين مباشرة، مما يخلق شفافية ومساءلة حقيقية.
الفدرالية ليست مجرد توزيع للسلطة، بل آلية لإنقاذ الدولة والمجتمع معاً. من خلالها يمكن تقليص التفاوتات بين المناطق الغنية والفقيرة، وتحفيز الاستثمار المحلي في البنى التحتية والخدمات، ودفع أصحاب الثروات للعب دورهم المجتمعي بدلاً من الاختباء خلف النظام المركزي الفاشل. كما أن هذا النظام يسمح للدولة المركزية بالتركيز على القضايا الوطنية الكبرى مثل الدفاع والسياسة الخارجية، دون الانشغال بكل تفاصيل الإدارة المحلية التي لا تستطيع التعامل معها بفاعلية.
كارثتا طرابلس ليستا مجرد أحداث معزولة، بل تحذيران صارخان من أن لبنان ينهار من الداخل قبل أن ينهار من الخارج. استمرار الوضع الحالي يعني المزيد من الأبنية المنهارة، المزيد من الأرواح المهدورة، والمزيد من فقدان الثقة بالمؤسسات. الفدرالية، رغم تحدياتها، توفر الفرصة لإعادة بناء لبنان بطريقة عادلة وفعالة، تعطي كل مدينة الحق في حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم.
إن لم يتحرك لبنان الآن لتبني الفدرالية، سيظل سكان طرابلس، وصيدا، وبيروت، والجنوب، والشمال، عرضة للإهمال والدمار المتكرر. الفدرالية ليست حلاً مثالياً، لكنها الخيار الواقعي الوحيد لإيقاف الفوضى المركزية وإنقاذ المدن والمواطنين. إنها دعوة عاجلة لكل مسؤول، لكل صاحب ثروة، ولكل لبناني يهمه مستقبل بلده: حان الوقت لأن تتحمل الدولة مسؤولياتها، وأن تكون المدن قادرة على إدارة شؤونها بنفسها، قبل أن تنهار الأبنية والمجتمعات كلها.
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي









اضف تعليق