الغموض لا يزال يكتنف موقف الرئيس الجزائري بوتفليقة حيال ترشحه لعهدة رئاسية خامسة ومع ذلك فإن سحب الدخان التي بدأت في التصاعد تؤشر إلى أن أجنحة السلطة قد حسمت خيارها السياسي وتوافقت فيما بينها على ضرورة خوضه غمار الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها ربيع 2019.
إذ أن السجال الدائر حاليا بين حزبي السلطة هناك لا يخرج عن كونه منافسة حول من سيكون له السبق فى الإعلان عن ترشح بوتفليقة لفترة رئاسية جديدة. وتتجنب الأحزاب السياسية فى الجزائر الكشف عن موقفها من رئاسية 2019، سواء بالمشاركة بمرشحيها أو المقاطعة، أو دعم مرشح تتوافق معه، ويفضل أغلبها انتظار إن كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة راغب في الترشح لولاية خامسة، في حين يقول مقربون منه إنه لن يعلن موقفه من المسألة قبل مطلع العام المقبل.
وعلى الرغم من أن الأمر ينطوي على مغامرة خطيرة نظراً للحالة الصحية للرئيس والذي يلازم مقعداً متحركاً ولم يخاطب شعبه مباشرة منذ عام 2012 غير أن جميع الشواهد على الساحة السياسية تنبئ باستمراره رئيساً للجزائر حتى آفاق 2025, وأن المؤسسة العسكرية أو الجيش الوطني الشعبي لن ترفض التمديد وأنها سوف تساند بوتفليقة حال ترشحه لعهدة خامسة على أساس أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع بذات الوقت فضلاً عن الدعم المطلق الذي يلقاه من حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم.
” مواصلة المهمة ” الشعار الذي استخدمته القوى السياسية بأعلى هرم الدولة الجزائرية بهدف الدفع في اتجاه إعادة انتخاب الرئيس ففى كلمة ألقاها أمام أعضاء مجلس الأمة دعا عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الشورى ( الغرفة الثانية للبرلمان) في الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الترشح لولاية رئاسية خامسة في الانتخابات المقبلة، مؤكدًا أن الظرف الصعب الذي تمر به البلاد يفرض استمرار بوتفليقة على رأس الدولة لخمس سنوات أخرى . أحمد أويحيى ـ رئيس الحكومة وأمين عام حزب التجمع الوطني الديمقراطي أحد الذين انخرطوا في مسلسل دعوة الرئيس إلى الترشح ، نفس الموقف صدر أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني (حزب الأغلبية البرلمانية) حينما أكد أن “مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة سيكون عبد العزيز بوتفليقة”.إعلان بن صالح وغيره من قيادات الأحزاب يؤشر إلى أن المنهج المتبع هو تعبيد الطريق أمام الولاية الخامسة، عبر تحويلها إلى مطلب جماعي من خلال الدعوات التي يتم إطلاقها في فترات متباعدة نوعًا ما، لترك الموضوع مطروحًا على الساحة السياسية والإعلامية، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية ما زالت على بعد عشرة أشهر
حملة ترتيب البيت الداخلي قبل الانتخابات والتي تضمنت إقالة المدير العام للامن الوطني عبد الغاني هامل من منصبه في الآونة الأخيرة وبشكل مفاجئ وبدون تحديد سبب لهذه الإقالة، يشكل بداية معجلة للحملة الرئاسية هدفها القضاء على طموحات هذا الرجل الذي اعتبر في أحيان كثيرة أحد المرشحين المحتملين لخلافة رئيس الدولة. وليعيد لذهان الجزائريين أيضاً التعديلات في صفوف أجهزة الاستخبارات القوية في البلاد قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية في 2014.
ترشح بوتفليقة يبدو أنه خيار فرضته الضرورة السياسية رغم مخالفته للدستور المعدل في السابع من فبراير/شباط 2016، و الذي حدد ولاية الرئيس لفترتين فقط، بعد أن كانت مفتوحة ولكن الفقهاء الدستوريين وجدوا مخرجاً قانونياً للوضع يمتثل فى أن بوتفليقة يمتلك الحق في الترشح مرة أخرى في الانتخابات المتوقع إجراؤها في عام 2019، نظرا لأنه لا يجوز تطبيق مواد التعديل الدستوري الجديد “بأثر رجعي” مما يمنحه الإمكانية القانونية للترشح إلى ولايتين جديدتين , لذا يمكن قراءة إصرار الكتل السياسية ودوائر صنع القرار على استمرار الرئيس الجزائري لفترة خامسة فى إطار إتاحة الفرصة لنفسها للتوافق على خليفة بوتفليقة بشكل يضمن انتقال سلس للسلطة لاسيما مع وجود صراعات بين الأحزاب ومشاحنات بين الأجهزة الأمنية برزت بمناسبة قضية “كوكايين غيت فضلاً عن خلافات الساسة المقربين من بوتفليقة نفسه .
اتجاه معاكس انتهجته القوى المعارضة فى الجزائر ,حيث طالبت فى مايو الماضي نحو 14 شخصية جزائرية الرئيس بوتفليقه بعدم الترشح لولاية خامسة وقالت الرسالة التي كان من بين موقعيها رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، ورئيس حزب جيل جديد سفيان جيلالي ، إن ” في الوقت الذي تجتمع فيه قوى خبيثة وتتحرك لدفعكم نحو طريق العهدة الخامسة، فإننا نتوجه إليكم باحترام وبكل صراحة لننبهكم بالخطأ الجسيم الذي قد تقترفونه إن رفضتم مرة أخرى صوت الحكمة الذي يخاطب الضمير في أوقات الخيارات المصيرية”. وتضمنت الرسالة دعوة لبوتفليقة “إلى الحكمة والتعقل”، وأن “4 ولايات كانت كافية لإتمام العمل كرئيس للبلاد وتحقيق الطموحات”.
“التعفف السياسي” أحد السيناريوهات التي طرحتها الأصوات المناهضة لترشح بوتفليقة بما يضمن توفير خروج مشرف وتاريخي للرئيس الجزائري , وذلك بأن يعلن بنفسه التنحي و تنظيم انتخابات فى مشهد مشابه لخروج الرئيس السابق ليامين زروال، الذي انتُخب عام 1995، وقرر في سبتمبر/ أيلول 1998 إجراء انتخابات مبكرة لم يترشح فيها وهو الاستحقاق الذي حمل بوتفليقة إلى منصبه الحالي .
لكن الأحزاب السياسية ترغب فى إضافة فصل آخر يشمل التوافق أولاً ,على بديل للرئيس من خلال منح بوتفليقة تفويضاً لولاية رئاسية خامسة في شكل تمديد يمتد لفترة قصيرة بعد 2019 يقوم بعدها بالتنحي ومن ثم الدعوة لانتخابات مبكرة يتم الدفع خلالها بمرشحين من حزبي السلطة “جبهة التحرير الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي” فيما تكون أحزاب السلطة قد استقرت مسبقاً على الشخص الذي سيؤول إليه منصب الرئيس .
قائمة ” أولى القوة والبأس الشديد “من المرشحين حال ترجيح السيناريو الأخير تتضمن ثلاثة أسماء بارزة وليست بعيدة عن مجريات المشهد السياسي بالجزائر ,يتصدرهم الوزير الأول أحمد أويحيى رئيس الحكومة الحالي, والذي لا يعول المراقبون كثيراً على دعمه الأخير للرئيس بوتفليقة في الترشح لولاية رئاسية خامسة إذ يراهن البعض على أن سقف طموحاته السياسية يرتفع إلى كرسي الرئاسة .
الشخصية الثانية التي من المتوقع أن تخوض سابق الرئاسة ، هي وزير الطاقة السابق شكيب خليل، أحد رجالات بوتفليقة، والمنحدر من بلدته (ندرومة غرب الجزائر) حيث يبذل خليل جهوداً مكثفة فى سبيل عودته للحياة السياسية بعد ارتباط اسمه في تحقيقات أمنية متعلقة بعمليات رشوة وفساد، وينشط حالياً في إلقاء محاضرات وعقد لقاءات سياسية واقتصادية في مناطق مختلفة من البلاد،. خليل الذي يوصف بأنه المرشح المدعوم من واشنطن , قاد سلسلة من اللقاءات والندوات في الجامعات تحت عناوين الطاقة والمستقبل معبراً علانية عن نيته في خلافة بوتفليقة. في حين يبرز اسم رئيس الحكومة السابق مولود حمروش، مؤسس التعددية الحزبية والتوجه الديمقراطي في الجزائر العام 1991 كمرشح ثالث من المرجح أن يخوض غمار السباق .
التلاسن الإعلامي بين “خليل” و “أويحي” يعكس مسارات العملية السياسة فقد اشتعلت معركة كلامية بينهما على مواقع التواصل الاجتماعي إذ اتهم شكيب خليل في تصريحات وبيانات، أحمد أويحيى بمغالطة الشعب وانتهاج سياسات تخدم المصالح الفرنسية، فيما رد الثاني بشخصه أو عبر متحدثين باسم “التجمع الوطني الديمقراطي”، بوصف شكيب خليل بأنه رجل تنكّر لمواقف أويحيى المساندة له في محنته مع جهاز المخابرات في عام 2014.
أيا كان شخص الرئيس المقبل للجزائر , فثمة تحديات جمة سيكون مرغماً على مجابهتها , إذ يشوب الواقع الاقتصادي تعقيدات عديدة لاسيما مع فشل الحكومة في تنويع اقتصادها الذي يعتمد بنسبة تتجاوز 95% على عائدات البترول فضلاً عن ارتفاع نسب البطالة هو استعداد الحكومة للتخلي مطلع عام 2019، عن سياسة الدعم الحكومي المطبقة على بعض المنتجات الأساسية، وخاصة الوقود والكهرباء.
ولا يقل الانسداد بالمشهد الخارجي عن نظيره الداخلي , حيث تواجه الجزائر العديد من التحديات الأمنية تتمثل في تزايد وتيرة الأنشطة الإرهابية على امتداد حدودها مع دول الجوار لاسيما ليبيا ومنطقة الساحل , فضلاً عن الارتفاع الملحوظ بعدد قواقل الهجرة غير الشرعية والتي تقصد الجزائر باتجاه أوروبا وباتت تشكل معضلة جديدة كبرى للحكومة.









اضف تعليق