لاشك أن تراجع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فيما يتعلق بقضية القس الأميركي” أندرو برانسون ” ,بقدر ما تكشف عن طبيعة سياسته البراغماتية, لكنها تحمل ,بذات الوقت , وفقا لجملة المعطيات الراهنة, مجموعة من التداعيات المحتملة على مسار العلاقات بين واشنطن وأنقرة.
” أندرو برانسون” والذي شكل مسماراً بنعش العلاقات التركية الأمريكية على مدار عامين عقب اعتقاله والاحتفاظ به رهن الإقامة الجبرية أفرجت عنه المحكمة التركية في أزمير أول أمس ,وبحسب ما أفادت وسائل إعلام دولية، أنَّ القس الأمريكي برانسون غادر على متن طائرة عسكرية أمريكية أقلعت من مطار مدينة “إزمير”، ليلة الجمعة، متجهًة إلى قاعدة “رامشتاين” الجوية الأميركية في ألمانيا. حيث تمَّ استقباله من قبل السفير الأميركي في برلين “ريتشارد غريني.
وعلى الرغم من محاولات أردوغان “ذر الرماد فى العيون” عبر التأكيد على استقلالية القضاء التركي حيث قال الرئيس التركي ، السبت، لدونالد ترمب، إن قرار المحكمة بإطلاق سراح القس الأميركي اتخذ “باستقلالية”، وذلك بعد أن توجّه الرئيس الأميركي بالشكر لنظيره التركي لجهوده من أجل تأمين الإفراج عن أندرو برانسون.وبغض النظر عن تفاصيل المحاكمة وخلفيات إطلاق سراح القس والتى تطوى صفحة من التوتر بين واشنطن وأنقرة, فإن تأثيرات انفراج الأزمة ربما تصب فى مجملها بمصلحة الجانب التركي
حيث تكشف التسريبات المتواترة أن التفاهمات بين الرئيس ترامب ونظيره التركي على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي أفضت إلى رفع العقوبات الأمريكية عن أنقرة مقابل إصدار حكم بالسجن بحق برانسون يساوي المدة التي أمضاها في السجن. إذ يراهن الاقتصاديون على أن قرار المحكمة الأخير قد يسفر عن مؤشرات إيجابية على الاقتصاد وأزمة المديونية التي باتت تخيّم على قطاعات عدة في البلاد، بفعل العقوبات الأمريكية، واهتزاز ثقة المستثمرين في سياسات أردوغان , مستندين فى ذلك إلى الارتفاع الطفيف في سعر الليرة يوم الجمعة والذي تزامن مع أنباء الإفراج عن القس ,إذ رأوا أن هذا الارتفاع في قيمة العملة التركية يعد انعكاسا مباشراً للعوامل السياسية ومع ذلك يربطون استمرار هذا الارتفاع في المستقبل بعوامل عدة منها تحسن الأوضاع الداخلية، وهو الأمر الذى قد لا يحدث على المدى المنظور لاسيما مع وجود مشاكل مزمنة بالاقتصاد التركى منها ارتفاع حجم الدين، ومعدلات البطالة، فضلاً عن هشاشة الأوضاع المالية للشركات، ، وعدم استقرار الأوضاع النقدية بسبب عدم استقلالية البنك المركزي، وهى مشكلات قد تتطلب أمداً طويلاً لحلها .
التكهنات حول التسوية تضمنت كذلك احتمال إطلاق السلطات الأمريكية سراح هاكان أتيلا النائب السابق لمدير مصرف “خلق بنك” التركي، والذي تم اعتقاله بالولايات المتحدة في عام 2017 على خلفيه اتهامه بانتهاك الحظر الأميركي ضد إيران غير أن معنيون بشأن العلاقات بين واشنطن وأنقره يرون أن إطلاق سراح أتيلا يمثل سقفاً لما يمكن أن تتوقعه تركيا مقابل الإفراج عن القس الأميركي وذلك بعد أن رفضت الولايات المتحدة مقترحاً تركياً سابقاً باستبدال” برانسون” برجل الدين فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة والذي تتهمه انقرة بتدبير محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في تموز/يوليو 2016. ففي سبتمبر 2017؛ اقترح الرئيس التركي الإفراج عن “برانسون”، إذا سلمت واشنطن “غولن”، في صفقة تبادلية؛ حيث أشار “أردوغان ” في تصريحه: “إنهم يقولون لنا أعطونا القس، لكن أنتم عندكم رجل دين أيضًا، سلموه لنا وسنحاكم القس ونعيده إليكم” , غير أن الإدارة الأميركية ردت في 20 يوليو 2018، على مسؤول أمريكي قائلة إن “بلاده ترفض الربط بين الإفراج عن القس الأمريكي المسجون في تركيا وتسليم الداعية غولن “, موضحًا أن أحد جوانب التوتر في العلاقة بين أنقرة وواشنطن ظهر عندما يربط أشخاص خصوصًا في الحكومة التركية بشكل مباشر بين “غولن” والقس “برانسون”، لافتاً إلى أن هناك حالتين متباينتين ضمن منظومة قانونية مختلفة وأن المسألة ليست بهذه البساطة.
بصمات “برانسون ” قد تمتد إلى التطلعات التركية في الشمال السوري، ومنطقة منبج بالتحديد , فقبل يوم واحد من قرار الإفراج عن القس أعلن أردوغان أن اتفاق منبج “قد تأجل لكنه لم يمت” وجددت أنقرة فى وقت سابق دعواتها لواشنطن بتطبيق الاتفاق الذي ابرم في يونيو الماضي وينص على انسحاب وحدات حماية الشعب الكردية بالكامل من منبج، وأن تتولى قوات تركية وأمريكية حماية الأمن فيها عبر دوريات مشتركة. غير أن تزامن الإفراج عن القس مع تهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحويل خنادق يحفرها المسلحون الأكراد حول المدينة السورية ، إلى قبور لهم يؤشر إلى ان ثمة تسوية قد تمت أو ربما تكون واشنطن قد منحت أنقرة ضوءاً أخضر للتصعيد ضد الفصائل الكردية المسلحة .
استدارة أردوغان تبدو منسجمة إلى نحو بعيد , مع طبيعته البراغماتية حيث يجيد التراجع في اللحظة التي يتعرض فيها لضغوط لا يستطيع تحملها لذا فإن تصريحاته النارية حول القس والواجهة الجليدية في التعاطي مع الملف سرعان ما أضحت هباءً منثوراً لتلحق بجمل رنانة ذهبت هي الأخرى أدراج الرياح , سبق وأطلقها في قضايا مماثلة عقب إسقاط الطائرة الروسية من قبل الجيش التركي في 2015، حيث قام بعد ذلك بزيارة بوتين والاعتذار له وذلك بعدما تخلى عنه حلف الناتو إذ يبدو أن إدراك الرئيس التركي لمصالحه المتشابكة مع الولايات المتحدة بدءاً من كونهما عضوين في حلف شمال الأطلسي فضلاً عن استغراقهما فى الملف الكردي كان أهم قوة دافعة لأردوغان لاعتماد نهجه المعتاد في المناورة واللعب بالأوراق الرابحة .
لكن يبدو أيضا أن استراتيجية الضغوط القصوى للرئيس ترامب قد أتت ثمارها هي الأخرى ولم تمنح أردوغان الفرصة لالتقاط الأنفاس والمناورة من جديد لاسيما وأنها تعتمد على ” الضرب بقوة شديدة ومن ثم التفاوض من موقع قوة” صحيح أن توقيت الإفراج عن القس له أهمية خاصة لدى الرئيس الأميركي خاصة وأنه ينتمي لطائفة الإنجيليين الذين يُشكِّلون حجر الزاوية في قاعدة ترامب المحلية ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي باتت قضيته أشد إلحاحاً بالنسبة للرئيس لكن الناخب الأمريكي لا يهتم كثيراً بالسياسة الخارجية، ويركز على النجاحات في الداخل، إلا أن الأمر يتوقف هنا على استغلال الحزب الجمهوري للقس، واستثمار ترامب لنجاحه في تحريره بنقل رسالة للداخل أنه الرئيس القوي الذي يحافظ على مواطنيه.
المربع الناقص في العلاقات بين واشنطن وأنقرة يتمثل في القضايا العالقة بين الجانبين إذ أن إطلاق سراح القس لا يعنى العودة سريعاً إلى مسار الشراكة وطي صفحات الخلاف والتي لا تزال قائمة ويرتبط بعضها بالأمن القومي التركي وأولويات السياسة الخارجية الأميركية لذا فالانفراجة الحالية مرشحة لأن تكون مؤقتة لاسيما وأن الإدارة الأمريكية تستعد لفرض الحزمة الثانية من العقوبات على طهران والتي ترتبط بقطاع النفط ,ومع رفض تركيا الامتثال للعقوبات الأمريكية على إيران, ستجد أنقره نفسها بمواجهة واشنطن مرة أخرى وعلى الأرجح ستختار الاصطفاف إلى جانب إيران لاسيما وأن تركيا تستورد 90 بالمئة من احتياجاتها من النفط والغاز كما تعتمد بشكل رئيسي على النفط الإيراني ، وفى العام 2017، باتت إيران المصدر الأول الذي تحصل منه تركيا على الطاقة، بما يعادل 44.6 في المئة من مجموع الإمدادات النفطية و17 في المئة من إجمالي واردات الغاز، وتعتمد فى النسبة المتبقية على بغداد وموسكو والكويت والرياض. وخلال . الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، اشترت أنقرة 3.077 مليون طن من النفط الخام من إيران، أي 55 بالمئة تقريبا من إجمالي وارداتها من الخام وفقا لبيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية. و تمثل تركيا كذلك معبرًا مهما للغاز الإيراني والروسي وغاز بحر قزوين نحو أوروبا، وهو ما يعزز بدوره مكانة أنقرة داخل أوروبا، وهو ما يدفع تركيا للدفاع عن إيران بقوة.
منظومة” إس 400″ أحد الملفات الشائكة والتي ستلقى بثقلها على علاقات واشنطن وأنقرة، ففى ظل تطلع تركيا لإكمال الصفقة مع الروس فيما يخص شراء صواريخ إس-400″ وتشجيع بوتين لها خلال زيارته الأخيرة إلى أنقرة، عبر إعلانه أنه سيقدّم تاريخ تسليم النظام بعام واحد من 2020 إلى 2019، عارضاً في الوقت نفسه على الأتراك خيارات تمويل لشراء المنظومة التي تبلغ قيمتها 2.5 مليار دولار, فإن العلاقات بين معرضة للتأرجح لاسيما مع وجود أصوات تطالب بتأجيل تسليم طائرات “إف 35″، حتى وإن كانت شركة لوكهيد مارتن قد صنعت عددا من هذه الطائرات في تركيا وسعى الولايات المتحدة لتطويق روسيا .
فضلاً عما سبق , تركيا مطالبة كذلك بإطلاق سراح نحو 20 أميركيا، بينهم عالم من وكالة ناسا وأستاذ في الكيمياء من ولاية بنسلفانيا، ضمن حملة الاعتقالات التي أعقبت الانقلاب الفاشل قبل عامين ومع عدم وجود أي مؤشرات على تجاوب أردوغان فيما يتعلق بتلك القضايا , فعلى الأرجح لن يتمكن الرئيس التركي من إعادة العلاقات مع واشنطن إلى ما كانت عليه أو وضع الاقتصاد في المسار الصحيح , وستظل العلاقات التركية/الأميركية تتأرجح ما بين التوتر والانفراج النسبي.








اضف تعليق