رياح من التفاهمات بدأت تسود أجواء العلاقة بين القيادات الكردية والنظام في دمشق وسط حالة من ترقب لمستجدات هامة في المعادلات الداخلية والخارجية.إذ يبدو أن قوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة عسكرياً من واشنطن بدأ يخامرها الشك إزاء حليفها فسلكت طريقها نحو الارتماء في حضن الأسد .
فعلى الرغم من التصريحات العنيفة التي وجهها الطرفان سابقا لبعضها بعضا على خلفية إصرار الأكراد على إقامة حكم ذاتي في مناطق سيطرتهم بالبلاد ووقوع حوادث ميدانية بين الجانبين على أرض القتال جاءت زيارة وفد “مجلس سوريا الديمقراطية” إلى دمشق بدعوة من الحكومة لتعزز مؤشرات التقارب الذي بدأت إرهاصته في الـ16 من يوليو ،حيث أعلن المجلس وضمن أعمال مؤتمره الثالث في مدينة الطبقة، عن تأسيس منصة شاملة تمثّل سكّان المناطق والإدارات الذاتية والمحلّية التي تسيطر عليها “قسد” من أجل عملية تفاوض محتملة مع النظام السوري
محادثات دمشق والتي لم تكن سوى محاولة لجس النبض على حد تعبير الجماعة الكردية أسفرت عن تشكيل لجان لحل القضايا الخلافية ووضع الأسس التي تمهد لحوارات أوسع وأشمل لحل كل المشكلات العالقة، حيث جرى اتخاذ قرارات بتشكيل لجان على مختلف المستويات لتطوير الحوار والمفاوضات وصولًا إلى وضع نهاية للعنف والحرب التي أنهكت الشعب والمجتمع السوري من جهة، ورسم خارطة طريق تقود إلى سوريا ديمقراطية لا مركزية وتُعتبر هذه المحادثات الأولى الرسمية العلنية بين “مجلس سوريا الديمقراطية” ودمشق لبحث مستقبل مناطق الإدارات الذاتية شمال شرقي سوريا، بعدما استعادت قوات النظام مناطق واسعة من البلاد خسرتها منذ 2011، وباتت تسيطر حاليا على نحو 60% من الأراضي السورية البالغة 185 ألف كيلومتر مربع. وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية على نحو 30% من مساحة البلاد تتركز شمال شرقي البلاد وتضم 90% من نفط البلاد ونصف الغاز وأهم المحاصيل الزراعية والسدود، لتكون بذلك ثاني قوة مسيطرة على الأرض بعد الجيش السوري.
صفقة المقايضة الكردية – الدمشقية لجسر هوة الخلاف مع النظام السوري، فتحت الباب أمام احتمال عقد صفقات عسكرية وسياسية بين الجانبين تتضمن قيام تحالف عسكري بين قوات سوريا الديمقراطية التي تتشكل، في غالبيتها، من وحدات حماية الشعب الكردية، وبين الجيش السوري لمقارعة تركيا التي تحتل أجزاء من شمال سوريا. إذ ترمي إلى تسهيل دخول الجيش السوري إلى المناطق ذات الغالبية الكردية مقابل مساعدة الأسد فى إدلب واعتراف الدستور المقبل بالمكون الكردي، ومنحه حقوقه الثقافية وذلك عبر تطوير قانون الإدارة المحلية رقم 107 الصادر في عام 2012 من أجل تفعيل الإدارات المحلية في إطار اللا مركزي
رقعة المصالح المشتركة قد تسرع من عجلة تنفيذ هذا المقترح وترجح إمكانية تطبيقه لاسيما وأن قيادات كردية لم تستبعد إمكانية أن تقود التفاهمات المحدودة بينها وبين النظام السوري، في هذه المرحلة، إلى تعاون عسكري مشترك لتحرير مناطق عفرين وجرابلس وأعزاز والباب وسواها من المناطق الخاضعة لنفوذ أنقرة، أو لوكلائها من المعارضة المسلحة. وعلى الرغم من التزام دمشق بالصمت إزاء هذه التكهنات إلا أن المراقبين يعتبرونه الأقرب للتحقق لاسيما وأن الكرد يعدون تركيا عدواً يرمى إلى القضاء عليهم بينما يسعى الأسد إلى تعزيز انتصاراته وبسط سيطرته على كل سوريا بعدما نجح في الغوطة والقلمون ودرعا. وكان الرئيس السوري قال، الأسبوع الماضي، إن الأولوية القادمة لجيشه هي تحرير محافظة إدلب، آخر معاقل المعارضة المسلحة والتي تحوَّلت إلى خزان بشري وعسكري هائل، بعدما وفِدَ إليها الكثير من المعارضين والناشطين من المناطق النزاع التي جرت بشأنها اتفاقات وتسويات ومصالحات مع النظام السوري.
خيار التفاوض مع الأقوى دفع الأكراد للإسراع إلى فتح باب التفاوض مع دمشق، فمع غموض الموقف الأميركي الداعم الرئيس لـ”قسد” وامتناع واشنطن عن دعم مسلحي المعارضة في درعا، فضلاً عن حديثها المتكرر عن نيتها سحب جنودها في شمال شرقي سوريا، إلى جانب توقيعها مؤخراً اتفاق بشأن منبج مع تركيا، قضى بإخراج الوحدات الكردية من المدينة شعر الأكراد أن حليفهم قد تخلى عنه وأن التفاوض مع النظام السوري هو أفضل المتاح لاسيما وأن هذا الوضع جعلهم فى موقف الأضعف أمام خصومهم من الجماعات المناوئة لهم والرافضة لوجودهم في مناطقها كالعشائر العربيّة المعادية للنظام السوريّ ولهم في آن واحد .
بشائر سقوط الوعود الأمريكية ظهرت أوائل العام الجاري عقب انطلاق عملية “غصن الزيتون” التركية وتوقف الولايات المتحدة عن تقديم المساعدات المالية وإمدادات الأسلحة للوحدات الكردية وهو ما فسره الأكراد على أنه دعم للجانب التركى وتم تعزيزه بخطوة لاحقة عبر إعلان أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” أن عناصر “وحدات حماية الشعب” الكردية أتموا انسحابهم من مدينة منبج في شمال سورية وذلك بموجب الاتفاق التركي الأميركي.هنا استشعر الأكراد السوريين أنه لم يعد بمقدورهم الانسياق خلف واشنطن والاعتماد عليها كحليف موثوق به إذ لم يضع فى حسبانه مصلحة البيت الكردى ورجح كفة علاقته مع أنقرة وعدم رغبته فى حدوث مواجهة مع الأتراك .
وجود الأكراد في مهب الريح ، أحدث تحولاً في وجهات النظر وباللهجة الحالية لقوات سوريا الديمقراطية والتي باتت تتبنى خطابات وحدة الأراضي السورية، والحفاظ على الجيش السوري، إلى جانب إقامة فيدرالية كردية فى مناطق تواجدهم ,متأثرة بصمت واشنطن حيال بما فعلته تركيا بالأكراد في الربيع الماضي مع حملة احتلال “عفرين” , ومع تبدل المواقف تغيرت الأدوات وتدخل الروس بخريطة طريق تجمع نظام الأسد مع الأكراد , فما دار في دمشق بين وفد “قسد” والنظام خلال اليومين الماضيين هو نتاج سياسة واشنطن ودخول موسكو على خط التفاوض لبحث ما تم الوصول إليه جرّاء المفاوضات.
ومع ذلك يعتقد مراقبون أن الحضور الروسي بملف الأكراد ثمرة للتناغم بين الموقف الروسي والأمريكي لحلحلة الوضع السوري،وأن هذه الخطوة لا يمكن أن تتم دون وجود ضوء أخضر من الولايات المتحدة للمضي في هذا الاتفاق ومن هذا المنطلق جاء منعكسًا بتقارب واتفاق بين الإدارة الذاتية والنظام ، الذي لا يستطيع فتح جبهات حربية تجاه الكرد بحكم الوجود الأمريكي، الذي أصبح حالة واقعية بقواعد كبيرة في منطقة الجزيرة داخل مناطق الإدارة الذاتية ومنطقة الشمال السوري، ليكون الحل الوحيد بين النظام والكرد، إيجاد حل سلمي ديمقراطي، ينتج عنه حكم ذاتي ضمن الدولة السورية الأمر الذى التسريبات التي تتحدث عن توافق روسي أميركي إسرائيلي على ترتيب الوضع في سوريا، ما يمثّل مسوغا قويا للولايات المتحدة لسحب قواتها في مرحلة لاحقة بعد أن ضمنت مكانا مريحا في المشهد القادم لحلفائها الأكراد، قد يكون حكما ذاتيا موسعا.
فى ظل الأوضاع الراهنة ,ربما لا يكون أمام الأكراد خيار آخر سوى الحصول على دعم من بشار الأسد وحلفائه ولكن هذا قد لا يمنع أن المفاوضات بين “قسد ” والنظام ستكون شاقّة وطويلة فقد سبق وجمعت الجانبين لقاءات مماثلة بقاعدة حميميم التي تسيطر عليها روسيا في أكتوبر الماضي لكن الأسد لم يكن جدياً في الحوار لذا تبدو الرغبة لدى بعض الأطراف الكردية في إجراء المفاوضات بإشراف أممي هى الأسلم، ولكي يكون الطريق أكثر انسيابية .









اضف تعليق