الرئيسية » رئيسى » خطوط التماس.. قراءة فى استراتيجيات التنافس الدولى على إفريقيا (2)
تقارير ودراسات رئيسى

خطوط التماس.. قراءة فى استراتيجيات التنافس الدولى على إفريقيا (2)

البراغماتية الصينية  تبدو الأكثر ملائمة لدول القارة لاسيما ,وأن سياسة بكين فى إفريقيا تقوم على تحقيق مصالحها الاقتصادية  وعدم التدخل فى شئون تلك البلدان بغض النظر عن أنظمة الحكم  القائمة فضلاً عن أساليب القوة الناعمة والتى أسهمت فى ترسيخ وجودها داخل القارة .

إذ أن سياسة الباب المفتوح التى تنتهجها بكين فضلاً غن كونها لاتصدر قيماً   حول الديمقراطية أو التحرر من الفساد أو الحوكمة الموثوقة  دفعت نحو اتساع وعمق حضورها فى أفريقيا وفي ذلك يقول سفير سيراليون في الصين: “إن الصينيين يأتون وينجزون العمل المطلوب تمامًا، من دون أن يعقدوا اجتماعات حول تقويم الآثار البيئية، وحقوق الإنسان، والحكم السيِّئ والرشيد. ولا أقول إن هذا الأمر صائب، لكن الاستثمار الصيني ناجح؛ لأن الصينيين لا يضعون معايير صارمة”

وتدفق منذ عام 2005 ما يقرب من 300 مليار دولار من الصين إلى إفريقيا. كما وعد الرئيس شي جين بينغ في القمة الصينية الإفريقية في أوائل حزيران/سبتمبر 2018 في بكين، بـ 60 مليار دولار أخرى على مدى السنوات الثلاث المقبلة. ونمت التجارة مع إفريقيا  وفقاً لتقرير ماكيزنى,  فى عام 2017 بحوالي 20 % سنويًا، ووصلت إلى حوالي 205 مليارات دولار في عام 2018. فهي تشكل حجم التجارة الأكبر مع أفريقيا ولا يماثلها في ذلك اي دولة في العالم..

و انطلقت العلاقات التعاونية الصينية الإفريقية فى التسيعنات من القرن الماضى  من خلال توسيع حجم الاستثمارات الاقتصادية الصينية المباشرة، وتقديم المساعدات التقنية، ومع بداية عام 2006 انعقدت القمة الصينية– الإفريقية في بكين حيث أعلن الوزير الأول الصيني وان جيباو Wen Jiabao عن التزام الصين وتعهدها بتحقيق الاقتصاد المتبادل مئة مليار دولار سنة 2010م، وأثّرت الصين في إفريقيا سنة 2005 من خلال اعتبار الصين الشريك الاقتصادي الثالث للقارة الإفريقية،  إذ بلغ حجم التبادل الصيني الإفريقي سنة 2006 ما يزيد على 55 مليار دولار.

تطلعات بكين وحضورها العميق فى قلب إفريقيا تم من خلال ثلاثة مسارات الحكومة المركزية، والحكومة المحلية، والشركات المتعددة الجنسيات الصينية، حيث حصلت من خلال شركاتها العملاقة الحصول على امتياز التنقيب عن النفط في مساحات واسعة من تشاد، ووقّعت شركات النفط الصينية عقودًا مع الكونغو (برازافيل) لبدء استكشاف النفط البحري وإنتاجه، ولبدء عمليات الاستكشاف النفطي في شمال ناميبيا، وتتطلع إلى إنشاء مصفاة لتكرير النفط هناك.

طريق الحرير بوابة  اخرى للصين نحو أفريقيا , فبالإضافة إلى حرص الأولى على تقديم المساعدات الكلاسكية للقارة وتسخير دبلوماسياتها لمصلحة تلك العلاقات ولتبعث  رسالة للعالم مفادها أن العلاقات الصينية- الإفريقية عنوانها: الوحدة، والسيادة ومنطق رابح- رابح ,  فإن المبادرة تحمل لقادة الصين فرصًا جيوستراتيجية عملاقة، ولحكام أفريقيا سبيلًا للحصول على قروض رخيصة دون شروط  سياسية

ووفقاً للمخطط الصيني ينقسم طريق الحرير إلى فرعين رئيسيين، هما طريق الحرير البري، وطريق الحرير البحري الذي تستفيد منه أفريقيا استفادة قصوى، حيث يبدأ من فوجو في الصين ويمر عبر فيتنام وإندونيسيا وبنجلاديش والهند وسريلانكا وجزر المالديف وشرق أفريقيا على طول الساحل الأفريقي، متجها إلى البحر الأحمر مارا عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط نحو أوروبا حتى يصل إلى الساحل الصيني.لهذا فإنه سيكون  بوابة الصين لمرور البضائع شمالا نحو أوروبا عن طريق البحر المتوسط وجنوباً إلى أفريقيا مما يستوجب زيادة  مشروعات الربط البري بين الدول الأفريقية والتى ستسهم الصين في تمويلها بالتأكيدوقد تم تدشين بعضها بالفعل ضمن خطة الاستفادة من إحياء طريق الحرير، أهمها خط سكة حديد بين جيبوتي وأديس أبابا، وخط سكة حديد من مومباسا إلى كينيا.

النزوح الصينى للقارة السمراء غايته فى المقام الأول السيطرة  على آبار النفط والغاز واليورانيوم، والذهب وفتح الاسواق الإ فريقية أمام بضائعها والاستثمار ,غير أنه بذات الوقت يحوى أبعاداً جيوسياسية تتعلق بإضعاف القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة عبر التغلغل السياسى والاقتصادى والعسكرى فى القارة وطموحها فى التحول الدراماتيكى من  قوة إقليمية مهيمنة إلى قوة دولية كبرى.

وعلى الرغم  من   أن النموذج الصينى هو الأكثر جاذبية للدول الإفريقية والتى ترفض  النظام الغربى بكل قيوده وشروطه الصعبة وترى أن النظام التنموى الصينى الأكثر حريةلاسيما وأن يركز على الجانب الاقتصادى مع تأجيل الإصلاحات السياسية  غير أن ثمة انتقادات طالت مساعدات بكين لاسيما تلك المتعلقة بالقروض  حيث أشارت وثائق مسربة إلى أن الحكومة الكينية رهنت أكبر وأهم مرفأ بها، وهو ميناء مومباسا، لدى الحكومة الصينية عام 2013، في مقابل قروضها المتراكمة المستحقة لبكين. وفي سبتمبر/ أيلول الماضي صُنفت كينيا من بين البلدان الأكثر تعرضًا لخطر فقدان الأصول الاستراتيجية لصالح الصين بسبب الديون، حيث بلغ حجم الديون 5.55 مليار دولار تقريبًا، وهو مبلغ كبير يصعب على حكومة نيروبي توفيره، رغم التصريحات المطمئنة للمسئولين التي تشير إلى عكس ذلك.

القروض الصينية الرخصية والتى وصلت حد التحذير من غرق الدول الإفريقية  فى فخ الديون المتراكمة , تثير حفيظة تساؤل يبدو مشروعاً حول كيف ستتصرف بكين حال تخلف تلك الدول عن سداد الديون لاسيما وأنها اعتمدت على شروط ضمانات القروض التي تمنحها، مستخدمة نظام المقايضة، بمعنى أنه مقابل رأس المال الاستثماري، تمنح بعض الدول الإفريقية الصين حصة ملكية فى مشروعات بنية التحتية، أو تأمين القروض مقابل الحصول على مواردها الطبيعية كضمان. ..الإجابة فى رحم التاريخ .