الرئيسية » رئيسى » “شرعنة الموت ” ..العمليات الانتحارية صناعة إيرانية بامتياز
تقارير ودراسات رئيسى

“شرعنة الموت ” ..العمليات الانتحارية صناعة إيرانية بامتياز

شرعنة الانتحار  كانت حلاُ مغرياُ ابتدعته إيران أثناء حرب السنوات الثمانية لوقف تقدم الجيش العراقى  حيث استخدم  الحرس الثورى حينها مئات الأطفال كدورع بشرية  ومن ثم  اعتنق حزب الله الاستراتيجية ذاتها في سنواته الأولى  لكن ثمة تحولاً طرأ على  الفكر السياسي الشيعي دفعهما للتخلى عن  تلك الأيديولوجية ومع ذلك وبالرغم من جدلية المذهب بين “داعش”والقاعدة من جهة  ونظام الولى الفقيه بالزاوية المقابلة ,  لم يمنع التمايز الطائفى التنظيمات السنية المتطرفة من تبنى  تكتيكات انتحارية مماثلة .

عمامة الخمينى سرقت حياة مئات الإيرانيين إذ أن الاستشهاد كتكتيك روتيني في الميدان بدأ  استخدامه لأول مرة في الحرب الإيرانية – العراقية إبان الثمانيناتو اندفع مئات من الجنود غير المسلحين أمام دبابات عراقية بأمل منع تقدمها، وفجر صبي عمره13عاما نفسه تحت دبابة عراقية فى 30 أكتوبر عام بعد أن لف قنبلة يدوية على وسطه، وتسلل تحت الدبابة وتسببت العملية الانتحارية في إعطابها،وقد كرر الحرس الثوري الإيراني مراراً ذلك التكتيك طوال الحرب حيث ’ وفي 18 كانون الأول 1981  فجّر الانتحاري ( ابو مريم الكرادي، من حزب الدعوة ) نفسه بشاحنة مفخخة على مبنى السفارة العراقية في بيروت و تجاوز عدد ضحايا التفجير 51 شخصاً و منهم زوجة الشاعر نزار قباني العراقية بلقيس الراوي . لتتوالى بعد ذلك عمليات مماثلة فى أعوام  1982و1983و1985 و1986

ومع أن حزب الله استلهم فكرة العمليات الانتحارية من إيران بحكم اعتناقه ليس فقط لمبادىء الثورة وإنما أيضاً لتكتيكاتها العسكرية غير أنه نجح فى طبع بصماته عليها وتطويرها لتصبح أكثر شراسة ودموية , حيث تمكن من تنفيذ نحو  36 هجوماً انتحارياً ما بين أعوام  1982 و 1986 وعرف لبنان عشرات العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي نفّذها حزب الله وحركة أمل والحزبان الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي، ووقعت عمليتان في عامي 1988 و1990، ولم تحدث عملية أخرى إلا في عام 1995، وأخرى في عام 1996 لتتوقف ثم تعود بعملية أخرى عام 1999 ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي. ومنذ ذلك التاريخ لم يقم حزب الله بأي تفجير انتحاري.

البراغماتية كانت سيدة الموقف  فى التغير الطارىء على تكتيكات إيران وحزب الله , فعلى الرغم من عدم اعتراف قادتهما بهذا التحول المفاجىء إذ ما زال قادة حزب الله وإيران يمتدحون الاستشهاد عبر وسائل إعلامهم وفي خطابهم السياسي. وعلى سبيل المثال، في شهر نوفمبر( تشرين الثاني) من كل عام، يحتفل حزب الله بـ” يوم الشهيد”، تكريماً لمن ضحوا بأرواحهم في خدمة قضية الحزب فقد   تخلّت طهران وعملاؤها عن العمليات الانتحارية، كما فعل ذلك حلفاء آخرون لها في المنطقة.

ومع أنه من الصعب استقراء أسباب هذا التعديل فى أدبيات الفكر السياسي الشيعى  ونظام ولاية الفقيه الذى انبثقت من بيان ثناياه أيديولوجية الانتحار غير أن محللين عزوا ذلك إلى أن ضعف قدرات الجيش الإيراني حينها أو وعجز قادته عن  آليات بدلية . فعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 كان الجيش الإيراني فى وضع حرج بعد الثورة،لاسيما بعد عملية تطهيره من أنصار الشاه و أصحاب الرتب العليا حيث تذهب بعض التقديرات إلى أنه تم فصل ما يناهز 12 ألف جندى فضلاً عن السلحة المتهالكة هنا لم يكن أمام النظام سوى استخدام الدوروع البشرية والأطفال واستحضر الخمينى شخصية الحسين لتأكيد رمزية الشهادة ودعاهم للتضحية بأنفسهم اقتداءً به .

لكن مع بروز خيارات أخرى بالتزامن مع نجاح المد الشيعى والانتقادات التى طالت تلك النوعية من الهجمات من جانب بعض القادة الإيرانيين تخلى النظام  عن استراتيجية التفجيرات الانتحارية ومن ثم تبعه حزب الله لاعتبارات الولاء الأيديولوجي والمذهبى على سبيل  المثال  عقب الغزو الأمريكي للعراق  عام 2003، تبنت الجماعات السنية المسلحة التفجيرات الانتحارية، واستهدفت في بعض منها المناطق الشيعية، غير أن الشيعة لم يردوا عليها بتفجيرات انتحارية مماثلة، فهم كانوا يتصرفون من منطق قوة بعد أن آلت لهم السلطة.

الجماعات السنيّة المتطرفة  التقطت طرف الخيط من إيران مع وجود  محطات للتماس تنطلق من أدبيات فكر الإسلام الإصولى  ,فولاية الفقيه التى استنبطها روح الله الخمينى  لاتختلف عن الفكر السنى المتطرف الذى ابتدعته القاعدة  وداعش , ، حيث يلتقيان حول فكرة إقامة “حكم إسلامي عالميّ”، وأهمية تدشين خلافة إسلامية واجتمعا كذلك حول  ذرائع جنوحهما للعمليات الانتحارية  والتى أرجعتها التيارات السنية  عقب سجال طويل بين مرجعايتها إلى اختلال موازيين القوى بين الأطراف المتقاتلة فى تشابه ملحوظ مع المبررات التى صاغها الولى الفقيه . ولم تتبنى الجماعات الجهادية أى عمليات انتحارية ممنهجة  قبل عام 1998باستنثناء تقجيرات فردية فى الخبر والرياض عامى 1994 و 1996

حيث نفذ تنظيم القاعدة أولى عملياته بقاعدة أمريكية في السعودية عام 1998، تلاها في نفس العام عملية مزدوجة ضربت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، أسفرتا عن مقتل 223 شخصا.

وشهد عم 2001 نقلة نوعية فى طبيعة تلك العمليات في سبتمبر عام 2001 حين ضربت مجموعات تابعة للقاعدة بواسطة طائرات مدنية مختطفة، مركز التجارة العالمي والبنتاغون، ما أسفر عن مقتل نحو 3000 شخص، وهي أكبر حصيلة في هذا السجل. ووصلت العمليات الانتحارية إلى لندن عام 2005، حيث نفذ متطرفون سلسلة عمليات انتحارية، استهدفت 3 منها مترو الأنفاق، وإحداها حافلة نقل عام، ما أدى إلى مصرع 50 شخصا وإصابة 700 آخرين.

وأسهم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 في الرفع من وتيرة الهجمات الانتحارية بشكل حاد، خاصة بعد ظهور تنظيم “داعش”، الذي تمكن من السيطرة على مناطق في العراق وسوريا، وأقام فروعا له في ليبيا واليمن وخلايا في السعودية، ووصلت بذلك التفجيرات الانتحارية إلى ليبيا بعد الإطاحة عام 2011 بنظام القذافي بمساعدة قوات الناتو الجوية، وازدادت في اليمن،.

الهجمات الانتحارية لم تقتصر على القاعدة وداعش  والجماعات الموالية لهما فحسب، بل امتدت أيضاً إلى الجماعات الإرهابية الأخرى، حيث قامت حركات على غرار «بوكو حرام» النيجيرية، و«الشباب» الصومالية، و«طالبان» في أفغانستان بتنبى تلك الاستراتيجية، وتعد بوكو حرام من أكثر التنظيمات الإرهابية التي تلجأ إلى تلك النوعية من الهجمات  لاسيما مع اعتمادها على النساء والأطفال في تنفيذ تلك الهجمات… وتشهد نيجيريا دائماً هجمات تحمل بصمات الحركة في مناطق متعددة ومزدحمة مثل «الأسواق ومخيمات اللاجئين» منذ نهاية عام 2016.

حمى العمليات الانتحارية اجتاحت  العديد من دول العالم , بل ووصلت إلى أوروبا في هجمات ضربت بروكسل وباريس ودول آسيا ,ففى عام 1987، استهدف تفجير انتحاري  فى سريلانكا شاحنة مفخخة ثكنة للجيش ما أدى إلى مقتل 55 جنديا. ونفذ مسلحو نمور التاميل الذين شنوا حربا عنيفة ضد الحكومة السريلانكية بهدف إقامة دولة لهم شمال وشرق الجزيرة أكثر من 137 عملية انتحارية، اغتالوا في إحداها رئيس الوزراء السريلانكي راناسينغ بريماداسا، وفي أخرى رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي، إضافة إلى عمليات مشابهة راح ضحيتها خمسة من أعضاء مجلس الوزراء السريلانكي

وفي إندونيسيا وقعت تفجيرات انتحارية على مقر للشرطة وعلى ثلاث كنائس في مدينة سورابايا ثاني أكبر المدن. وفي ليبيا شن مسلحون بينهم انتحاري هجوماً إرهابياً على مقر اللجنة العليا الانتخابية مما أدى لسقوط قتلى ومصابين.

“الهجمات الانتحارية” تعد مؤشراً على حالة الضعف التي تمر بها التنظيمات المتطرفة والتى غالبا ما تلجأ إليها حال تراجع قدراتها البشرية والتسليحية،ولعل هذا مايفسر تخلى إيران وحزب الله عن هذا التكتيك