التباين بين ردّ واشنطن على اضطرابات إيران عام 2009 واليوم أوضح ما يكون، وهو يفسّر لماذا يبدو موقف دونالد ترامب اليوم أقوى بنيوياً، سواء من حيث الردع أو من حيث الوضوح الأخلاقي.
عندما خرج الإيرانيون إلى الشوارع بعد انتخابات 2009 المتنازع عليها، مطالبين بالمحاسبة والكرامة، اختارت إدارة أوباما الحذر. تحدث الرئيس أوباما عن كونه «قلقاً بشدة» إزاء العنف، وأكد القيم العالمية، لكنه شدد في نهاية المطاف على عدم التدخل. كان القصد مفهوماً: تجنب إعطاء طهران ذريعة للقول إن الاحتجاجات مُهندسة من الخارج. إلا أن الأثر كان محبطاً. شعر كثير من الإيرانيين بأنهم تُركوا وحدهم في لحظة كان فيها النظام متردداً ومنقسماً وضعيفاً. سُحقت الحركة الخضراء، وتعلمت الجمهورية الإسلامية درساً مهماً: القمع الواسع لن يترتب عليه ثمن دولي كبير.
ننتقل إلى اليوم. إيران تعيش مجدداً على وقع احتجاجات واسعة، هذه المرة مدفوعة بانهيار اقتصادي، وتدهور العملة، وسنوات من الغضب المتراكم. لم تعد الهتافات مقتصرة على شعارات إصلاحية؛ بل باتت تدعو صراحة إلى إنهاء حكم المرشد الأعلى علي خامنئي، بل وحتى إلى عودة الملكية. ردّ النظام مألوف: استخدام القوة المميتة، والترهيب في الجنائز، والتحذير من «رد حاسم». المختلف هذه المرة هو الإشارة الخارجية.
لغة ترامب مباشرة، بل ومستفزة عن قصد. حين حذّر السلطات الإيرانية من أن قتل المتظاهرين السلميين سيقابل برد أميركي، وذكّر بأن الولايات المتحدة «على أهبة الاستعداد»، أزال الغموض الذي اعتادت طهران استغلاله تاريخياً. سواء اتُّفق مع نبرته أم لا، فإن الأثر الاستراتيجي واضح: انتقلت حالة عدم اليقين من الشعب الإيراني إلى القيادة الإيرانية.
هنا تحديداً يبدو موقف ترامب أقوى من مواقف من سبقوه. فقد أظهر بالفعل استعداداً لاستخدام القوة العسكرية ضد أصول إيرانية، بما في ذلك ضربات استهدفت منشآت نووية. تلك الخطوات، سواء أكانت محل جدل أم لا من حيث فعاليتها على المدى الطويل، كسرت الانطباع القائل إن واشنطن ستكتفي بالتصريحات والعقوبات. الضربة الانتقامية التي نفذتها طهران ضد قاعدة أميركية في قطر أظهرت تحدياً، لكنها كشفت أيضاً مدى حرص إيران على معايرة ردودها عندما تواجه قوة ذات مصداقية.
القوة هنا لا تعني تغيير النظام عبر الغزو. إنها تتعلق بالردع وبناء النفوذ. فالجمهورية الإسلامية تبقى عبر إقناع شعبها بأن العالم الخارجي لن يتدخل، وإقناع نخبها بأن القمع بلا كلفة. موقف ترامب يتحدى الافتراضين معاً. تحذيره لا يضمن التدخل، لكنه يرفع ثمن القتل الجماعي في لحظة يعاني فيها النظام أصلاً من ضغوط اقتصادية وأزمة شرعية حادة.
ومع ذلك، فإن الخطاب وحده لا يكفي. إذا كان للحرية أن تحظى بفرصة في إيران، فثلاثة أمور ضرورية.
أولاً، الاستمرارية. لا يمكن أن تكون الخطوط الحمراء استعراضية. إذا كان قتل المتظاهرين السلميين سيؤدي فعلاً إلى عواقب، فيجب تحديد تلك العواقب بوضوح وبشكل متناسب، سواء عبر عقوبات موجهة ضد قادة الأجهزة الأمنية، أو إجراءات قانونية دولية، أو أدوات سيبرانية، أو عزلة دبلوماسية تمسّ نخب النظام مباشرة.
ثانياً، وبشكل حاسم، حدوث انقسام داخلي. لن يأتي أي تحول في إيران من الشارع وحده، ولا من الخارج وحده. يجب أن يختار أحد أعمدة النظام داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الوقوف مع الشعب بدلاً من الوقوف ضده. يُظهر التاريخ أن الأنظمة الاستبدادية لا تسقط عندما يحتج المواطنون وحدهم، بل عندما يرفض المكلَّفون بفرض السلطة الاستمرار في ذلك. على ترامب أن يعرض عليهم «صفقة القرن».
ثالثاً، والأهم، يجب أن تبقى المبادرة بيد الشعب الإيراني. لا ينبغي للفاعلين الخارجيين محاولة اختيار قادة أو أنظمة، لكن بإمكانهم حماية المجال العام. دعم الوصول الحر إلى الإنترنت، وتضخيم المعلومات الموثوقة حول الانتهاكات، والوقوف بلا لبس إلى جانب المتظاهرين السلميين، ليست أعمالاً إمبريالية؛ بل أعمال تضامن.
قد لا تغيّر الإرادة الخارجية كل شيء، لكنها تستطيع التأثير في الشجاعة الداخلية. فإذا غيّر أحد أعمدة النظام ولاءه، ولو بهدوء في البداية، يتبدل ميزان القوى. عندها يتوقف مستقبل البلاد عن كونه محكوماً بالخوف، ويبدأ بالانفتاح على الاختيار — وعلى الحرية التي طالما حُرم منها الشعب الإيراني ولا يزال يطالب بها.
تنويه حول الذكاء الاصطناعي: تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي









اضف تعليق