الانتخابات البرلمانية في إيران العام 2012- الأولي منذ الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها العام 2009- تخللها بعض الضجة. لقد رأت الصحافة الغربية أن الانتخابات ستكون ساحة للصراع علي السلطة بين المرشد الأعلي علي خامنئي والرئيس محمود أحمدي نجاد, وأن المواطنين سيبقون في منازلهم ولن يخرجوا للتصويت اعتراضا علي ما حدث في انتخابات 2009، وأن الإصلاحيين سيستبعدون من المشاركة وأن النظام سوف يتلاعب في النتائج.
ثم انتقلت الصحافة الغربية للتعليق علي الانتخابات بالحديث عن استمرار توطيد سلطة خامنئي علي أحمدي نجاد, وكانت نسبة المشاركة %64 كما أعلنتها وزارة الداخلية مقارنة بالانتخابات السابقة. الآن يعود التركيز علي السياسة الداخلية الإيرانية في سياق الانتخابات البرلمانية العام 2012. ومحاولة قراءة اتجاهات الانتخابات الرئاسية الحادية عشرة في يونيو "حزيران" من العام المقبل. هناك ثلاثة تطورات هامة سوف تأتي في العام الأخير من رئاسة أحمدي نجاد, والتي يتوقع المراقبون أن تلعب الدور الأهم في سير العملية الانتخابية ونتائجها: أولا استمرار الصراع علي السلطة في إيران علي حدود الصلاحيات التنفيذية, وثانيا ظهور جبهة بايداري التي يدعمها أحمدي نجاد, وأخيرا الدور الذي قد يلعبه الإصلاحيون في انتخابات الرئاسة العام 2013.
الصراع علي السلطة
وتقول دراسة أعدتها د. نعمة سهراي لجامعة برانديز – كراون سنتر لدراسات الشرق الأوسط يري المراقبون علي نطاق واسع أن الانتخابات الرئاسية في إيران التي جرت في 2009 كانت نقطة تحول في تاريخ الجمهورية الإسلامية في اتجاهين. أولاً التصور العام بحدوث تزوير في الانتخابات وهو ما أدي إلي قيام أكبر تظاهرات ضد النظام وما تبع هذه الاحتجاجات من اعتقال ومحاكمة الكثير من الإصلاحيين والصحفيين. ثم أصبحت الأزمة التي تلت ذلك مناسبة لتهميش شخصيات سياسية بارزة, مثل الرئيسين السابقين علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي, إلي جانب مرشحي الرئاسة مير حسين موسوي ومهدي كروبي, من قبل مكتب المرشد الأعلي, والسلطة القضائية ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة الأخري, وفي أعقاب ذلك ولدت ما أطلق عليها "الحركة الخضراء" التي يعمل معظمها خارج إيران الآن.
ثاني الاتجاهات هو تحطيم وكسر التقاليد الانتخابية في إيران، فبدلاً من قيام المرشد الأعلي خامنئي بدور الحكم، هز جوهر النظام من أساسه، وتسبب في حدوث ارتجاج قوي للنظام لا يزال الناس يشعرون به حتي اليوم. في أعقاب أزمة 2009، بدا من الواضح أن خامنئي وجد في أحمدي نجاد الرئيس الذي لا تختلف أجندته إلي حد كبير عن أجندته أن فكرة إقامة تحالف بين الرئيس والمرشد الأعلي كانت قوية بما فيه الكفاية لتجاوز الإشارات التي يبدو أنها كانت تشير إلي خلاف ذلك: تأخر أحمدي نجاد لسبعة أيام, في صيف العام 2009، الاستقالة الإجبارية لنائب الرئيس المعين، رحيم مشائي، والتحدي المباشر لأوامر خامنئي – ثم الالتفاف وتعيينه رئيسا للأركان، الاشتباكات مع البرلمان وتصريحاته المباشرة وغير المباشرة.
كل هذه الصراعات عكست خلافا أساسيا علي توزيع السلطة بين جزء من السلطة التنفيذية بقيادة الرئيس، وجزء آخر بنفس القوة إن لم يكن أكثر قوة، أي مراكز صنع القرار في النظام الإيراني، مثل البرلمان ومكتب المرشد الأعلي. كانت الانتخابات البرلمانية في 2012 المعركة الأخيرة التي كسبها خامنئي وفصائله وهزم فيها أحمدي نجاد وحلفاؤه.
لكن المؤكد أن هذا الصراع لم ينته. إن الهزيمة المفترضة لفريق أحمدي نجاد في الانتخابات البرلمانية لم تؤد إلي خفض التوتر بين السلطة التنفيذية وغيرها من المؤسسات السياسية في إيران. في أوائل 2012، شكل أحمدي نجاد "لجنة الإشراف علي تنفيذ الدستور" بمرسوم تنفيذي، وعين لها أحد عشر عضوا.
وقد تم تصميم هذه اللجنة كوسيلة لأحمدي نجاد وحلفائه في الحكومة لتجاوز
القوانين التي أقرها البرلمان والتي رأوا أنها تحد من سلطة رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، وقد اعتبر المعارضون أن هذا بمثابة تحد للبرلمان وتجاوز لصلاحيات "مجلس صيانة الدستور".
الحرس الجديد
ظهر دور ما يعرف بالحرس الجديد قبل الانتخابات البرلمانية في2012 وخلالها وبعدها من خلال إنشاء جبهة بايداري أو جبهة المقاومة. تم تشكيل هذا التحالف بقيادة آية الله مصباح يزدي, أحد تلامذة آية الله الخميني, وأقرب حليف عقائدي لأحمدي نجاد في قم.
تطالب جبهة بايداري بدعم رئاسة أحمدي نجاد بكل احترام وبدعم ثابت لرئيس الأركان، رحيم ماشي. لكن أحداث 2009 وصفت بأنها "تحريض علي الحقد الديني" فكانت بالنسبة ليزدي وجبهة بايداري بمثابة نقطة التقاء رئيسية. عداء بايداري امتد إلي المحافظين الإصلاحيين مثل علي لاريجاني الذي اتهم حتي قبل الانتخابات البرلمانية بأنه من الصامتين علي الفتنة.
يظل الفرق بين جبهة بايداري وبقية النخبة السياسية في السلطة فرقاً حقيقياً. ويبدو ذلك أكثر وضوحا في رفض بايداري المطلق للانضمام إلي بقية الإصلاحيين قبل وبعد الانتخابات البرلمانية في العام 2012، وتبدو واضحة الآن رغبة بايداري المعلنة في تقديم مرشح لها في الانتخابات الرئاسية المقبلة العام 2013.
لكن خلال تواجدها القصير تلقت الجبهة الهزيمة في عدة مواقف، فهي أقلية، وأبعد مرشحوها عن جميع المناصب المهمة في البرلمان التاسع. ولكن إذا كانت الانتخابات في إيران هي السبيل لتقدم مختلف المجموعات والأطراف إلي الواجهة السياسية للمجتمع، فإن جبهة بايداري في البرلمان، حتي بفصيل أقلية، يمكنها من تطوير نفسها لتصبح عاملاً فاعلاً في السياسة الداخلية الإيرانية، ولاسيما في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
الإصلاحيون
قبل الانتخابات يتداول الإصلاحيون ثلاثة خيارات، فإما يقاطعون الانتخابات الرئاسية، أو يتقدمون بمرشح، أو يتحالفون مع من يطلق عليهم "الإصلاحيون المعتدلون" بالنسبة لخيار المقاطعة فإنه صعب لأنهم يتصورون أن حركة الإصلاح تحددها السياسة الانتخابية، باعتبار الانتخابات أداة للتغيير التدريجي في إيران.
ثم إن السؤال الموجه للإصلاحيين، إذا كانوا سيقاطعون الانتخابات، هو إذا كانوا يرغبون في التراجع عن المشروع الإصلاحي؟، كان هذا أحد الأسباب الرئيسية التي دعت خاتمي للمشاركة في الانتخابات البرلمانية 2012. إن عدم المشاركة في الانتخابات بمثابة اختيار للخفاء، ولكن إذا رفض هذا الخيار، يبقي السؤال للإصلاحيين عما إذا كان ينبغي أن يشاركوا علي شكل مرشح إصلاحي مستقل أو كجزء من تحالف مع مجموعات سياسية أخري.
من المستبعد أن يسمح "مجلس صيانة الدستور" لأي شخصية إصلاحية معروفة بالدخول في انتخابات2013 ، كما أنه من غير المحتمل أن تحصل هذه الشخصية الأقل شهرة علي ما يكفي من الأصوات للفوز حتي لو لم يكن هناك تزوير.
يبقي خيار إقامة تحالف بين الإصلاحيين والإصلاحيين المعتدلين. مفهوم "الاعتدال" ويستخدم في وصف – علي حد تعبير رئيس بلدية طهران محمد باقر كاليباف – المجموعة التي تمتاز بخطاب عقلاني. عند الحديث عن الانتخابات يستخدم هذا المصطلح في الإشارة إلي المحافظين مثل محسن رضائي ممن أشاروا إلى أنهم منفتحون علي إقامة تحالف مع "كل المجموعات السياسية المعتدلة، من إصلاحيين وسواهم" خلافًا لجبهة بايداري، التي ناقشنا سابقًا موقفها الرافض للإصلاحيين. الدليل علي وضع ميثاق بين هذين الفصيلين يمكن تبينه من خلال الشائعات بأن مهدي كروبي – الذي هو قيد الإقامة الجبرية منذ فبراير 2011- سيتم الإفراج عنه قريبًا. هناك كذلك الأنباء الخاصة بأن محمد خاتمي التقي زوجة كروبي وشدد علي أهمية الانتخابات الرئاسية في 2013 ، معربًا عن أمله بألا تؤدي مواقف كروبي إلي انقسامات بين الإصلاحيين بعد الإفراج عنه.
ماذا سيحدث في انتخابات 2013؟
يعتقد المراقبون أن المسائل الثلاثة التي تم عرضها سوف تلعب الدور الأكبر في الانتخابات الرئاسية العام 2013، فضلاً عن تفاعل هذه القضايا بالنظر إلي سلطة المرشد الأعلي في النظام السياسي الإيراني. يتعين علي المرء أن ينظر في نوع هذا الأثر. إذا تحدثنا عن احتمال إجراء انتخابات ديمقراطية في العام 2013، فإن الجواب هو ليس كثيرًا. ولكن في سياق البيئة السياسية الحالية في إيران, وربما حتي في إطار تغير تدريجي طويل الأجل, فالمسألة تحتاج إلي معالجة علي ثلاثة مستويات متداخلة: المرشحون للرئاسة، جمهور الناخبين والانتخابات.
مرشحو الرئاسة: إن صعود جبهة بايداري، لاسيما إذا ترجم إلي تقديم مرشح مستقل للرئاسة، قد يكون بمثابة دفعة إضافية لإقامة تحالف بين الإصلاحيين والإصلاحيين المعتدلين في الحملة الانتخابية العام .2013 وفي حال رغبة الإصلاحيين غير الراديكاليين في هزيمة جبهة بايداري أو أي جهة أخري منحازة لأحمدي نجاد فالمرشح لابد أن يتجاوز الخلافات الحقيقية طويلة الأمد مع الإصلاحيين. هذا المرشح يحتمل ألا يلتزم بخطط الإصلاحيين في الإصلاح السياسي ولا يعارضها بشدة.
جمهور الناخبين: للتصويت معني مختلف لدي شرائح مختلفة من المجتمع، وبعض هذه المعاني لا تعبر بالضرورة عن تطلعات ديمقراطية. علي مدي ثلاثة وثلاثين عاماً في إيران يشار في الانتخابات50 إلي %60 من الناخبين بينما لا يشارك %20 بغض النظر عن المرشحين، والباقي يشاركون عندما يشعرون أن هناك منافسة حقيقية علي أصواتهم. وهذه الفئة الأخيرة يمكن أن تقتنع بالدخول إلي المعركة السياسية مما قد يعمل لصالح المرشحين الإصلاحيين.
الانتخابات: استمرار الصراع بين السلطة التنفيذية وبقية النظام السياسي سيكون له بلا شك تأثير علي العملية الانتخابية نفسها. كما أظهرت بوضوح انتخابات العام 2009، في نظام كنظام ما بعد الثورة في إيران، فإن مسار الانتخابات لا يتحدد تمامًا عبر مؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور فحسب, بل أيضا عبر موقع وزير الداخلية، المسؤول عن تنفيذ عملية التصويت ذاتها والإشراف عليها.
ومع ذلك، يبقي من المهم محاولة قراءة العلاقة بين هذه القضايا وسلطة المرشد الأعلي في النظام السياسي الإيراني؟، خامنئي كان وراء أزمة2009 التي استخدمها بكل وضوح لتوطيد قبضته الكاملة، وقبضة الحرس الثوري في النظام السياسي في إيران. وقد ذهب كثيرون إلي أن2009 كان نقطة تحول في الجمهورية الإسلامية التي تحولت من حكم ديني جمهوري الشكل إلي حكم دكتاتوري عسكري ديني. في هذا الإطار ليس هناك خيار حقيقي، وبما أن جميع الساسة يأتمرون بأوامر خامنئي وحلفائه فإن المناقشات والمنازعات داخل النظام هي في أحسن الأحوال واجهة تعمل علي إخفاء طبيعة النظام السلطوي.
لكن هناك وجهة نظر مختلفة لأنه بينما يمتلك خامنئي القول الفصل في السياسة الإيرانية، فالسلطة الكاملة ليست بيده. هناك عدد كبير جداً من مراكز القوي في النظام ستقاوم هذا النوع من الحكم الشمولي كأولئك الذين يحتجون بأن الانتخابات في إيران لا أهمية لها.
لقد أثبتت أحداث السنوات الثلاث الماضية في إيران بكل وضوح أنه يمكن التلاعب بالسياسة في إيران، لكن لا يمكن التحكم بها بشكل كامل. كذلك سوف يؤثر وجود صراع علي السلطة في إيران بين أحمدي نجاد وخامنئي، بغض النظر عما إذا كان خامنئي قد خرج منتصرًا فيه من قبل أم لا، وهذا يقوض مفهوم النظام السياسي الحتمي أو الشامل. وأخيرًا أي تفسير للسياسة الإيرانية يجب أن يشرح السبب الذي دفع ثلاثة ملايين مواطن إلي الشوارع في يونيو "حزيران"2009 إذا كان هناك من الناخبين من يري أن الانتخابات غير مهمة. من الواضح أن الانتخابات تعني شيئًا ما لعدد كبير من المواطنين في إيران.









اضف تعليق