في عام 2011، بدا أن سوريا لا تتحرك. كان بشار الأسد يترأس دولة أمنية صارمة، محمية بالخوف والمحسوبية والاعتقاد—الذي شاركه الكثير من المراقبين—أن النظام متجذر جدًا بحيث لا يمكن أن يسقط. وما تلاه، الذي بدأ باحتجاجات انعكست على نطاق العالم العربي، لم يكن ثورة سريعة بل انهيارًا طويلًا: قمع جماعي، عسكرية متزايدة، تدخل أجنبي، وانهيار فعلي للدولة السورية كما كانت موجودة.
اليوم، ومع تصاعد الضغوط الداخلية في إيران، يدور السؤال بهدوء في أروقة الدبلوماسية والنقاش العام: هل تتجه إيران نحو مسار مشابه؟
للوهلة الأولى، يبدو التشابه مغريًا. إيران، مثل سوريا في 2011، تحكمها منظومة سلطوية تدمج بين الأيديولوجيا والقوة القسرية. تعتمد على مؤسسات أمنية قوية، تكبح أي معارضة، وتصوّر الاحتجاج على أنه مؤامرة خارجية. وقد كشفت الانتفاضات المتكررة—أبرزها في 2009 و2019 و2022—عن استياء عميق بين مختلف طبقات المجتمع، خصوصًا الشباب والنساء. كما أن الصعوبات الاقتصادية والعزلة الدولية والفجوة المتزايدة بين خطاب الدولة والواقع المعيشي ساهمت في تآكل الثقة العامة.
ومع ذلك، التاريخ نادرًا ما يتكرر بشكل متطابق.
إيران ليست سوريا. نظامها السياسي، رغم سلطويته، أكثر تعقيدًا وترسخًا مؤسسيًا. الجمهورية الإسلامية ليست ديكتاتورية عائلية بل نظام هجين ذو مراكز قوة متنافسة: المرشد الأعلى، الحرس الثوري، الهيئات المنتخبة ذات السلطة المحدودة، وبيروقراطية أيديولوجية كثيفة. وقد عمل هذا التعقيد غالبًا كصمام أمان، مما يسمح للنظام بامتصاص الصدمات دون الانهيار الفوري.
علاوة على ذلك، قدرات الدولة في إيران أقوى بكثير مما كانت عليه في سوريا عام 2011. جهازها الأمني أكبر وأكثر ولاءً أيديولوجيًا وأكثر اندماجًا اقتصاديًا في المجتمع. الحرس الثوري ليس مجرد أداة قمع؛ بل هو طرف مستفيد في قطاعات البناء والطاقة واللوجستيات والنفوذ الإقليمي. أي تحدٍ للنظام يهدد مصالح راسخة أبعد من النخبة السياسية، مما يقلل احتمال انقسام النخبة—وهو اللحظة الحاسمة التي غالبًا ما تحدد سقوط الأنظمة.
والديناميات الخارجية مختلفة أيضًا. أصبحت سوريا ساحة صراع لقوى إقليمية وعالمية بمجرد تسليح الاحتجاجات، مما سرّع الانحدار نحو الكارثة. إيران، بالمقابل، هي قوة إقليمية بحد ذاتها. ومع وجود ضغوط خارجية، خصوصًا من خلال العقوبات، لا يوجد إجماع دولي أو رغبة حقيقية في تدخل على غرار سوريا، مما يقلل من عامل تسريع الانهيار، رغم أنه يطيل الجمود الداخلي.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ تجاهل التشابه بالكامل.
الثورة السورية لم تبدأ كحرب أهلية. بدأت باحتجاجات محلية، بغضب أخلاقي، ومطالبة بالكرامة. وتحولها إلى كارثة طويلة الأمد لم يكن حتميًا؛ لقد تشكل بفعل اختيارات النظام، وخصوصًا القرار بمعاملة أي معارضة كتهديد وجودي. وقد اتخذت القيادة الإيرانية غالبًا حسابًا مشابهًا: القمع بدل الإصلاح، القوة بدل التفاهم. وكل مرة نجت، لكنها على حساب شرعية متزايدة.
ما يجعل مسار إيران غير مؤكد ليس سقوطها الوشيك، بل تراكم التوترات غير المحلولة. التركيبة السكانية صارمة؛ فشباب متعلمون غير متصلين بنظام سياسي متجذر في ذاكرة الثورة. الأعراف الاجتماعية التي تُفرض من الأعلى تتحدى يوميًا في الحياة العامة. التراجع الاقتصادي، حتى عند التحكم فيه، يقلص هامش الخطأ للنظام. مع مرور الوقت، قد تتحول القدرة على الصمود إلى تصلب.
درس سوريا ليس أن الأنظمة المتجذرة تسقط بسرعة، بل أن تأجيل التغيير باستمرار ومعاملة المعارضة بالقمع المستمر يؤدي في النهاية إلى انفجار أكثر تدميرًا من الإصلاح التدريجي. لم يفقد الأسد السلطة بين عشية وضحاها؛ لقد فقد بلاده منذ وقت طويل.
قد تتمكن إيران بعد من تجنب مصير سوريا. لديها خيارات ومؤسسات وموارد لم تكن لدى دمشق. لكن نافذة التطور المسيطر عليها لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. كلما اعتمدت الدولة على القمع فقط للحكم، زاد خطر أن يشكل المستقبل ليس الانتقال، بل الانهيار.
السؤال الحقيقي إذن ليس هل ستصبح إيران سوريا، بل هل تعلمت الدرس الأعمق لعام 2011، أم أنها تعتقد—مثل كثيرين قبلها—أن البقاء على قيد الحياة يعني الاستقرار.
الصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعى
تم الاستعانة بأجزاء من هذا المقال بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي









اضف تعليق