مع اقتراب الصراع المحتدم في سورية من نهايته فإن الفعل – أو اللافعل – من جانب المجتمع الدولي قد يقرر ما إذا كانت سورية المستقبلية ستصبح عدواً أم حليفاً.
بعد مضي ما يزيد علي عام علي اندلاع الانتفاضة السورية، يبدو أن نظام بشار الأسد يقترب أخيراً من نهايته التي أصر قادة الغرب منذ فترة طويلة علي أنها نهاية حتمية. فاغتيال كبار مساعدي الأسد في الجيش السوري في الأسبوع الثالث من يوليو "تموز" وزيادة عدد الانشقاقات في صفوف ضباط رفيعي المستوي والإنجازات المتزايدة لقوات المعارضة كلها أمور ساهمت في الشعور بأن المرحلة الأخيرة للنظام السوري باتت قريبة، وقالت دراسة لمايكل سينغ المدير الإداري لمعهد واشنطن، إن الأسد لم ينته بعد. فرغم أن دائرته الداخلية تلقت ضربة موجعة، إلا أنه بعيداً كل البعد عن العزلة. فلا يزال مستشاروه الرئيسيون، ومن بينهم شقيقه الأصغر ومسؤوله العسكري الرئيسي ماهر الأسد، موالين له تماماً. وهو الأمر بالنسبة لقطاعات كاملة من الشعب السوري، مثل طائفة الأسد العلوية وغيرها من الأقليات العرقية التي تخشي من استيلاء الإسلاميين علي سورية فضلاً عن رجال الأعمال الأثرياء الذين ازدهرت أعمالهم تحت رعاية النظام. كما يحتفظ الأسد بدعم الحلفاء الأجانب مثل إيران و"حزب الله" وروسيا والصين، حيث استخدم البلدان الأخيران حق النقض "الفيتو" للمرة الثالثة ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي كان من شأنه أن يفرض عقوبات أكثر قوة علي النظام السوري.
والأمر الأكثر أهمية هو أن الأسد علي ما يبدو لا يزال يحكم قبضته علي القوات المسلحة السورية فضلاً عن سيطرته علي مخزون بلاده من الأسلحة الكيميائية مما يمنحه القدرة علي ارتكاب المزيد من العنف علي الشعب السوري. ومع ضيق نطاق الخيارات المتاحة أمام الأسد فقد أصبح يمثل خطورة متزايدة وربما يميل إلي الهجوم بعنف في محاولة يائسة للتشبث بالسلطة. ولا تميل المعارضة السورية إلي قبول أي تسوية يبقي بموجبها الأسد في سدة الحكم، ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يرحل الأسد بسهولة.
وحتي في حالة رحيل الأسد، فلن تنتهي الأزمة في سورية بل ستنتقل إلي مرحلة جديدة. فقبل استيلاء حافظ الأسد – والد بشار الذي كان يسبقه في حكم البلاد – علي السلطة، كانت السياسات السورية مضطربة. فقد عرفت البلاد انقلابات متكررة بين استقلالها عام 1946 وصعود حافظ الأسد إلي السلطة عام 1971، إذ شهدت فترة الستينيات من القرن الماضي وحدها تعاقب سبعة رؤساء مختلفين علي سورية.
ويوجد خطر ألا يعقُب انهيار نظام الأسد فترة من السلام وتسريح جنود المعارضة الحالية، وإنما فترة من العنف الطائفي وحتي التفكك الإقليمي، حيث سينسحب العلويون والأكراد وغيرهم كل إلي معاقله. ويمكن أن يؤدي مثل هذا العنف إلي تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين كما أن تعطل النظام المصاحب قد يجعل سورية أرضاً خصبة للمتطرفين وتكون أسلحتها الحربية عرضة للانتشار. وقد يشكل ذلك خطورة ليس علي سورية فحسب وإنما علي المنطقة المحيطة، مثلما ساهم المسلحون والنازحون من ليبيا في زعزعة استقرار مالي. وبالنسبة للغرب فإن سقوط الأسد وخروج سورية من الاستبدادية الوحشية سيكون تطوراً محل ترحيب وربما منحة استراتيجية، لكن السقوط في المزيد من الفوضي لن يرحَّب به بطبيعة الحال.
لذا فبينما قد يفقد الأسد سيطرته علي الأمور في النهاية، إلا أن هذا وقت لا ينبغي فيه علي المجتمع الدولي أن يقف ساكناً. وبدلاً من ذلك لايزال بمقدوره أن يلعب دوراً في صياغة نتيجة إيجابية للأزمة كما بوسعه أن يقوم بذلك.
أولاً، يجب علي الغرب أن يفعل ما بوسعه للتعجيل برحيل الأسد. وبعيداً عن تشديد العقوبات وتجنب أي عروض جديدة تسمح له بالبقاء في السلطة، هناك الكثير مما يمكن للغرب أن يفعله لزيادة الضغط علي الرئيس السوري والموالين له. ومن أجل تعميق الانقسامات المتسعة داخل النظام، يجب تشجيع الأسد وأفراد عائلته وكبار مساعديه علي السعي إلي الحصول علي منفي كما يجب حث القادة العسكريين علي الانشقاق وإخطارهم بالتبعات الخطيرة حال رفضهم. وبالإضافة إلي ذلك، يجب إخضاع رجال الأعمال السوريين وغير السوريين – الذين يسهلون أنشطة النظام – لعقوبات دولية تقضي بتجميد أرصدتهم ومنعهم من السفر.
ومن أجل الحد من الدعم الخارجي، يجب تحذير إيران و"حزب الله" من أن أي تصعيد في أنشطتها في سورية لصالح نظام الأسد سوف يؤدي إلي رد غربي صارم، كما ينبغي إبداء تركيز متزايد لمنع تدفق الأسلحة والمساعدات من إيران ولبنان إلي سورية. وتمثل شحنات الأسلحة الإيرانية بشكل خاص خرقاً للعقوبات الحالية التي فرضتها الأمم المتحدة والقاضية بحظر شراء الأسلحة من طهران، ويجب معاقبة الكيانات أو الأفراد الذين يثبت تورطهم في مثل تلك المعاملات بسرعة وقسوة.
وفي سبيل زيادة الضغوط العسكرية علي النظام، يجب دعم قوات المعارضة في جهودها لاكتساب أرض جديدة والحفاظ عليها. وفي حين أنه من غير المرجح أن يتغير تردد الغرب في توفير المساعدات العسكرية المباشرة، إلا أن هناك أشكالاً أخري من الدعم التي يمكن أن تكون مفيدة – مثل التدريب والاتصالات والاستخبارات والمساعدات اللوجستية. والأهم من ذلك أن توفير مثل ذلك الدعم سوف يدشن أيضاً عملية إضفاء الطابع الاحترافي علي قوات المعارضة وبناء روابط بينها وبين الجيوش الغربية، مما سيساعد علي تجنب انهيار النظام والأمن في سورية بعد سقوط الأسد.
ثانياً، يجب أن يتطلع المجتمع الدولي إلي الحد من المخاطر المرتبطة بسقوط النظام ومساعدة السوريين علي تشكيل حكومة جديدة. ففي أعقاب سقوط الأسد سوف تواجه سورية ثلاثة مخاطر رئيسية. الأول من بينها هو انتشار الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة: وللحيلولة دون حدوث ذلك، ينبغي علي الدول الغربية جنباً إلي جنب مع قوات المعارضة وضع خطة لتأمين أسلحة النظام الأكثر خطورة.
الخطر الرئيسي الثاني هو الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين داخل سورية وعبر حدودها. وفي هذا الصدد يجب علي الحكومات الغربية والمنظمات الدولية – من خلال التعاون مع جيران سورية – البدء في التخطيط لمساعدة اللاجئين والحيلولة دون أن تؤدي تلك الأعداد الغفيرة منهم إلي زعزعة الاستقرار في تلك المناطق الحدودية.
ويتمثل الخطر الثالث في عمليات الانتقام والعنف الطائفي. ولمواجهة هذا الخطر، يجب علي المجتمع الدولي أن يستحث المعارضة السورية لإبداء التزامات راسخة تجاه نزع سلاح الميليشيات وحماية الأقليات وإشراكها في هيئات صنع القرارات المستقبلية، والبدء عند الضرورة في التخطيط لتوسيع تفويض بعثة مراقبي الأمم المتحدة الحالية وتحويلها إلي كيان أكثر قدرة وفاعلية.
ولا يتسم مستقبل سورية بالمخاطر فحسب، بل يحمل في طياته أيضاً فرصاً هائلة. ومن أجل مساعدة السوريين علي اقتناص هذه الفرصة يجب علي المجتمع الدولي أن يبدأ الآن في العمل مع المعارضة – مع البناء علي العمل الذي بدأته بالفعل المنظمات الدولية غير الحكومية – لتنفيذ عملية انتقالية بعد رحيل الأسد، وتشكيل حكومة جديدة وضمان تنظيم الليبراليين وتمثيلهم بشكل جيد، وهي مهمة يعقدها كثيراً العنف الذي ساد علي مدار الأشهر الستة عشر الماضية والحكم الاستبدادي خلال العقود الأربعة الماضية. وسوف تحتاج أي حكومة سورية جديدة إلي المساعدات من العالم، ليس فقط بشكل معونات مالية بل في تقديم المشورة الفنية أيضاً.
لقد ظل الغرب حتي الآن بعيداً عن الصراع السوري إلي حد بعيد، حيث أعطي الأولية إلي تجنب المخاطر بدلاً من استغلال الفرصة غير المتوقعة لمساعدة الشعب السوري علي تشكيل مستقبله بنفسه ومستقبل الشرق الأوسط أيضاً. وأياً كان رأي المرء في هذه السياسة، من المؤكد أنها لم تعد ملائمة قطعاً للأوضاع الراهنة في سورية. فمع اقتراب الصراع المحتدم في سورية من نهايته فإن الفعل – أو اللافعل – من جانب المجتمع الدولي قد يقرر ما إذا كانت سورية المستقبلية ستكون عدواً أم حليفاً أم مصدراً لزعزعة الاستقرار أو السلام في المنطقة.









اضف تعليق