لا تبدو طريق قوى "8 آذار" مفروشة بالورود في سعيها لإقرار قانون انتخابات يمهد لها الطريق للسيطرة على الحكم في لبنان, فالإفراط في تفاؤل هذا الفريق هو في الواقع غطرسة مستمدة من فائض القوة الذي يمثله سلاح "حزب الله".
ولاقى مشروع الحكومة الانتخابي بداية معارضة من داخل الحكومة من فريق النائب وليد جنبلاط, ثم التقى الأخير مع الرئيس سعد الحريري و"القوات اللبنانية" على رفضه, قبل أن تلوح بوادر تحول هذا الرفض إلى نواة تحالف انتخابي جديد – قديم قد يعيد الفريق الجنبلاطي إلى حضن "14 آذار".
يعتقد فريق "14 آذار" أن المتغيرات المحلية والإقليمية تصب في صالحه, فالنظام السوري وإن صمد بضعة أشهر أخرى, أي حتى موعد الانتخابات النيابية المقررة الصيف المقبل, فإنه منذ الآن عاجز عن أي تدخل في مسار الانتخابات, كما أن إيران لا تمتلك من وسائل القوة, رغم الترسانة الهائلة لـ"حزب الله", ما يمكنها من صياغة التوازنات السياسية اللبنانية.
يساهم في ذلك تفكك المنظومة التي تأمل طهران وراثتها من النظام السوري, فحلفاء الأسد متفرقون ومشتتون وخائبون, يحسب كل منهم ألف حساب لمصيره إذا سقط النظام الذي طالما مدهم بعناصر القوة.
وليس أدل على ذلك إلا قضية ميشال سماحة الذي اندفع في مخطط إجرامي إرهابي ضد لبنان تعبيراً عن يأس خالص يعكس يأساً أشد وأقوى لدى أسياده في القيادة السورية المتهالكة. وها هو سماحة بات وحيداً منبوذاً من كل الحلفاء نتيجة نواياه الإرهابية.
ومن جهة ثانية لا تبدو الجبهة الشيعية صلبة كفاية لتحقيق ما يريده "حزب الله", في ظل حالة التململ الشعبي في مناطق الضاحية والجنوب والبقاع, وتنامي قدرة التيار الشيعي المستقل على جذب الرأي العام, ما جعل "حزب الله" يرفع العصا الغليظة, إضافة إلى بوادر تصدع داخل الثنائية الشيعية نفسها.
أما على الصعيد المسيحي, فثمة تفاؤل غير منطقي وساذج بقدرة العماد ميشال عون على الحصول مرة جديدة على نسبة الخمسين في المئة, حتى في القانون الذي اقترحته حكومة هو أحد أركانها.
وبينت وقائع اجتماعات لجنة بكركي تخبطاً في مواقف الفريق العوني الذي
يريد الإبقاء على القانون الحالي المسمى قانون الستين, مع بعض التعديلات لصالحه, حيث تتكرر نتائج 2009 في الدوائر حيث يمثل الصوت الشيعي أرجحية معينة.
ولجأ عون إلى حيلتين لإخفاء نواياه: الأولى تمثلت في تمرير مشروع الحكومة مع علمه أنه مرفوض تماماً من فريق "14 آذار" وجنبلاط, ويستحيل إقراره في مجلس النواب. والثانية تمثلت بإعادة إحياء اقتراح اللقاء الأرثوذكسي القاضي بأن تنتخب كل طائفة نوابها, وهو مرفوض من غالبية القوى السياسية.
وفي الواقع فإن عون يراهن على مرور الوقت لإبقاء القديم على قدمه, خصوصاً بعد أن اتفقت القوى المسيحية الأخرى, وتحديداً "القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب", على مشروع الدوائر الصغرى الذي يحجمه تماماً على الصعيد المسيحي, وينتج مجلساً نيابياً سينتخب سمير جعجع رئيساً للجمهورية, كما عبر بمرارة أحد النواب العونيين. وما فاقم مشكلة عون أن تيار "المستقبل" أعطى موافقة مبدئية على مشروع "القوات" و"الكتائب", لتبقى عقدة النائب جنبلاط في قبوله.
بعد الجلسة الأخيرة للجان النيابية خرج بعض النواب مطالباً بتحديد مهلة زمنية لنقاش المشاريع المختلفة لقانون الانتخاب, ولكل منهم حساباته الخاصة.
وواجه رئيس مجلس النواب نبيه بري كل ذلك بالرفض متسلحاً بالدستور الذي لا يلزم مجلس النواب مهلاً محددة, وهذا ما يعبر في الواقع عن مأزق أوقعت "حكومة حزب الله" نفسها فيه, فهي المستعجلة لفرض قانونها الانتخابي لكنها عاجزة عن ذلك. وهي إذ ترفض مشاريع الآخرين, لا تجرؤ على الذهاب إلى خيار التصويت داخل مجلس النواب قبل أن تضمن أكثرية لصالحها.
وفي الواقع, فإن المأزق عام, فالمعارضة المتمثلة بقوى "14 آذار" عاجزة هي الأخرى عن فرض أجندتها في نقاش وإقرار قانون الانتخاب, أولاً لأنها لا تمتلك الأغلبية النيابية حالياً, وثانياً لأنها لم تنجز فعلياً اتفاقها على قانون واحد.
وعليه فإن التأجيل والتسويف وإطالة النقاش النيابي لأشهر عدة هو المخرج للطرفين, بانتظار تطورات خارجية ستدفع الفريقين في نهاية المطاف إلى المواجهة المكشوفة, وحسم معركة قانون الانتخاب في اللحظة الأخيرة.









اضف تعليق