الرئيسية » تقارير ودراسات » عاصفة “ميرجاوه” الهادئة .. لماذا تجنبت إيران التصعيد ضد باكستان ؟
تقارير ودراسات رئيسى

عاصفة “ميرجاوه” الهادئة .. لماذا تجنبت إيران التصعيد ضد باكستان ؟

عاصفة “ميرجاوه ” مضت هادئة بسلام  , إذ يبدو أن إيران  تتلافى التصعيد مع باكستان , فعلى الرغم من مرور نحو 15 يوماً على واقعة اختطاف 14 من جنودها التابعين لقوات التعبئة “الباسيج” ، في المنطقة الحدودية مع باكستان , لا يزال رد فعل نظام طهران أقل من سقف التوقعات ودون المستوى المعهود.

رد الفعل الانعكاسي كان سريعاً لكنه اقتصر على استدعاء السفير الباكستاني لديها ومطالبة إسلام آباد  بالعمل على تحرير الرهائن وإلقاء القبض على الخاطفين فى إطار الاتفاقات الدولية الموقعة بين البلدين. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي  إنه “بعد الحادث مباشرة، إن وزارة الخارجية أعربت عن قلقها للسفير الباكستاني في طهران ودعت إسلام آباد إلى اتخاذ تدابير جادة بشأن هذه القضية”. كما دافع قاسمي عن وزارة الخارجية ضد اتهامات لها بعدم الكفاءة في التعامل مع اختطاف العسكريين الإيرانيين، قائلًا: “مثل هذه الانتقادات غير منصفة؛ لأن وزارة الخارجية استخدمت كل الوسائل المتاحة لها، وهي ليست سوى إجراءات دبلوماسية وسياسية في طهران وإسلام آباد، لحل المسألة”.

مستويات القلق الإيراني  , لم ترق للقدرالمعهود من تهديدات قادة طهران إزاء مثل تلك الحوادث ,لاسيما وأن الواقعة ليست الأولى من نوعها ففي 26 إبريل عام 2017  شهدت منطقة ميرجاوه عملية مشابهة  قتل بها 10 من حرس الحدود الإيرانية وتوعدت إيران حينها بالتدخل العسكري حال عدم إقدام الحكومة الباكستانية على توجيه ضربات إلى الجماعات المسلحة التي تقوم بتنفيذ مثل تلك العمليات، و هدد رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد حسن باقر بأن بلاده قد تلجأ إلى “عمل عسكري على الحدود بين البلدين”. وبالفعل أطلقت خمس قذائف هاون من الأراضي الإيرانية وسقطت في داخل حدود باكستان

تجنب طهران محاولة للتصعيد مع إسلام آباد رغم الانتقادات التي وجهت للنظام  لا يمكن قراءتها بمعزل عن جهودها المستميتة والرامية للحد من تداعيات الحزمة الجديدة من العقوبات الأمريكية التي ستدخل حيز التنفيذ بعد أيام قلائل عن لذلك عملت إيران على مراجعة علاقاتها مع بعض دول الجوار مثل باكستان وتركيا ودول بحر قزوين بشكل يؤشر إلى أنها تسعى لخلق شراكات جديدة تستبق من خلالها الخطوة الأميركية فضلاً عن إمكانية استغلالها لحدود بعض الدول المجاورة لتهريب النفط وتسهيل عمليات الحصول على العملة الخضراء بعد أن جفت مواردها المالية

موجة التهدئة الإيرانية تأتى مدفوعة بمساعيها الرامية لخلق مساحة من العلاقات الدافئة مع رئيس الوزراء عمران خان إذ تؤشر تحركات السياسة الخارجة لطهران إلى أنها دعمت وصول عمر خان إلى رئاسة الحكومة وكانت أولى الدول المرحبة به ,فقد  سارعت إلى إجراء مباحثات مع خان والمسئولين هناك عبر زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف لـ” إسلام أباد ” ولعل اللافت في تلك المحادثات أنها تركزت بشكل رئيسي على قضايا تتعلق بتقليص تداعيات العقوبات الأمريكية كالتعاملات المصرفية ومشروعات نقل الطاقة من إيران إلى باكستان فضلاً عن جهود تطوير الموانئ على غرار  تشابهار وغوادار، هذا إلى جانب الملف الأمني.

التقارب الواضح بين خان وإيران، تجلى أيضاً  في مباركة القيادي البارز في ميليشيات الحوثي، بفوز حزب حركة الإنصاف بأكبر نسبة من أصوات الباكستانيين في الانتخابات العامة التي أجريت مؤخرًا.حيث كتب رئيس اللجنة الثورية العليا، محمد علي الحوثي، في تغريدة على “تويتر”: “نُبارك للشعب الباكستاني نجاح عرسه الديمقراطي، كما نبارك للدكتور عمران خان بفوز لائحته التي تحمل برنامج كسب ثقة شعبه”.

خطوط التماس بين بكين وإسلام آباد ردعت التحركات الإيرانية فيما يتعلق بحادث ميرجاوه  لاسيما وأن الصين تعطى أولوية خاصة لتحالفاتها القائمة مع باكستان ولعل هذا ما يفسر حرص الأولى على التدخل للتخفيف من وطأة الضغوط التى تتعرض لها إسلام آباد خاصة في ظل مساعي واشنطن  لتوسيع رقعة نفوذ الهند والتي تعدها لتكون رأس حربة لمواجهة التنين الصيني حيث تسارع بكين في كل مرة في للدفاع عن باكستان ضد الاتهامات الأمريكية؛ آخرها كان رفضها لتصريحات ترامب، ولم يكتف الطرفان بذلك، بل وقعا اتفاقًا جديدًا من شأنه تقويض النفوذ الأمريكي في باكستان، وهو إعلان إسلام آباد استخدام اليوان الصيني في المعاملات المرتبطة بالاستيراد والتصدير والأنشطة الاستثمارية..

إذن ثلاثية المصالح بين (الصين – باكستان – إيران ) حدت من قدرة طهران على اتخاذ موقف رادع من الحادثة ,حيث يحرص  نظام  الملالى على استمرار موقف الصين الرافض للعقوبات الأميركية وتمسكها باستيراد النفط من إيران حتى بعد تفعيل الحزمة الثانية الخاصة بالصادرات النفطية في 4 نوفمبر   ,بمعنى آخر لا ترغب طهران بخسارة داعم رئيسى فى بكين  إذا ما أقدمت على التصعيد ضد حلفيه القديم فى إسلام آباد ,وارتأت أن جملة المصالح المشتركة تستوجب سياسية ضبط النفس بغية تطوير العلاقات الثلاثية اقتصادياً وسياسياً  لمواجهة تداعيات العقوبات مستغلة فى ذلك الحرب التجارية و قطع الإدارة الأميركية المساعدات عن إسلام آباد .

التقاء التحركات الباكستانية مع الغايات الإيرانية فى أفغانستان شكلت عاملاً مهما فى التعاطي مع الحادث حيث ترى القيادات في طهران أن الأوضاع تقتضى فى تلك المرحلة مد يد العون لحركة طالبان , وذلك بالرغم من التباين الأيدلوجي والمذهبي  بينها وقد  فضح اغتيال الملا منصور حلقة اتصال هامة  بين إيران وحركة طالبان  وجعل ما يدور خلف الكواليس يتردد على رؤوس الأشهاد وذلك عندما قصفت ” درون” أميركية في مايو 2016  سيارة أجرة غربي  باكستان كان يستقلها قائد طالبان عائداً من رحلة إلى إيران التقى خلالها مسئولين أمنيين هناك. و اتهم زعيم الحزب الإسلامي الأفغاني، قلب الدين حكمتيار، إيران بأنها تعمل على نقل مقاتلي داعش عبر أراضيها إلى أفغانستان، بهدف تكرار لعبتها في العراق وسوريا، حين أرسلت مليشياتها للتوغل في البلدين تحت غطاء مكافحة الإرهاب. كما اتهم إيران بأنها تتحالف مع باكستان والصين في جبهة جديدة لتعزيز نفوذهم في أفغانستان على حساب واشنطن.

لكن الرهان الإيراني عل دعم عمران خان يبدو من الوهلة الأولى محدوداً  إذ لا يمكن التعويل على الاعتبارات الداخلية التي كانت تدفع رئيس الوزراء المنتخب  إلى إطلاق تصريحات معادية لواشنطن وحلفائها من محور الاعتدال ، لاسيما وأن أن موقعه الجديد بالسلطة سوف يفرض عليه تفاهمات جديدة ، لذا فإن العلاقة مع طهران تظل خياراً متأرجحاً أمام رئيس الوزراء الجديد  وفقاً لمقتضيات الضرورة ومستجدات الأوضاع  لاسيما مع إمكانية تعرض الحكومة الباكستانية لضغوط أمريكية قوية حال انحيازها لإيران أو المضي قدماً  في تنفيذ مشروعات نقل النفط أو التعاملات المصرفية .فضلاً عن التحديات الاقتصادية التي تواجه عمان خان وحالة التجاذب بين إسلام أباد وواشنطن حول التطورات الأمنية والسياسية في أفغانستان.