هل تتقاسم الدول الأقدار كما تتلامس عند حدود الجغرافيا ؟ فكما شقت خطوط الطبيعة مسارات النهرين ما بين بغداد ودمشق وحملت مياه دجلة وفراته عكر الدم , يمارس التاريخ طقوسه بامتياز أمريكى -إيراني ليصيغ لهما مصيراً مشابهاَ هو على الأرجح نصيبهما من معركة لاناقة لهما فيها ولاجمل .
ومع أن مغبة الحرب المحتملة فى كل الأحوال ستحط أوزارها على الشرق الأوسط برمته وستنطلق أقواسها تباعاً من 4 عواصم عربية غير أن المنطقة البغدادية الخضراء التى طالما كانت ميداناً للتنافس بين واشنطن وطهران قد تجد نفسها المرمى الرئيسى لأسوأ حرب فى التاريخ بالرغم من كل المحاولات البائسة لحكومته كى تنأى بنفسها عن المعركة , لاينافسها فى ذلك سوى ساحات دمشق
إذ أن إعلان الحرس الثوري الإيراني احتجاز ناقلة نفط عراقية بدعوى تهريب الوقود رغم كونه لايعد تصعيداً مباشراً مع واشنطن غير أنه يحوى رسالة جديدة ضمن سلسلة الرسائل المتبادلة بين قطبى الصراع اللذين اتخذا موقعيهما على مسار تصادمي لن يكون محصوراً بين الخصمين وحسب بل حريقاً ينتشر إلى جميع النقاط الساخنة في المنطقة.
احتجاز السفينة الصغيرة التى لايزيد عدد أفراد طاقمها عن 7 أشخاص وتحمل 700 ألف لتر من الوقود لايمكن قراءته بمعزل عن التوترات الراهنة بين واشنطن وطهران فضلاً عن أن إقحام كونها عراقية يحمل دلالات على أن انخراط بغداد فى الحرب المحتملة رغما عن حكومتها لامفر منه
إذ يبث احتجاز الناقلة إشارات لتذكير واشنطن بأن إيران لديها المقدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إذا ما استدعى الأمر وارتأت فى ذلك الخيار الوحيد ، غير أن كون الناقلة صغيرة يؤشر إلى أنها لاترغب فى حدوث مواجهة مسلحة لانها إذ ما احتجزت ناقلة عملاقة تتبع لدول أوروبية، على سبيل المثال، ربما تفشل بسبب وجود مراقبة عسكرية تصاحب معظم تلك الناقلات وقد يتطور الأمر إلى حدوث اشتباكات مسلحة تضر بالقوارب السريعة التي يمتلكها الحرس الثوري. يضاف إلى ذلك أن تحديد جنسية الناقلة و كونها ا مملوكة لرجل أعمال عراقى فإن ذلك يعنى إمكانية تنفيذ عملية الاحتجاز بنجاح ومن ثم بث الرسالة المطلوبة دون حدوث تصعيد.
العراق الذى تسعى حكومته جاهدة إلى عدم التورط فى معركة يرى أنها ليست معركته ويحاول قدر المستطاع عدم الانزلاق إلى آتون الحرب المقبلة نفى علاقته بالناقلة المحتجزة، ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن متحدث وزارة النفط، عاصم جهاد، أن «الوزارة لا تقوم بتصدير زيت الغاز إلى الأسواق العالمية، وإنما يختصر التصدير على النفط الخام والمنتجات النفطية المعلنة، وفق السياقات والآليات والضوابط المتعارف عليها عالمياً».
لكن فى ظل وضوح الخطوط العامة للصراع المستقبلي من المرجح أن تكون العراق مسرحاً آخر للعمليات , فإلى جانب قوات الحشد الشعبى , هناك ثلاث مجموعات فرعية ، بما في ذلك تلك الموالية لإيران مثل كتائب حزب الله ، وصائب أهل الحق ، وحركة النجباء ، الفصيل المقرب من آية الله علي السيستاني ، وتلك المنتسبة إلى مقتدى الصدر “.وبينما من المرجح أن الاثنين الأخيرين سيبقيان على الحياد ,وتذهب التقديرات إلى أن الفصائل المسلحة الموالية لإيران ستشارك في القتال ، ربما عن طريق تهديد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق ، ولا سيما قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار , ولعل مايؤكد صحة ذلك ماخلص إليه المسؤولون الأمريكيون مؤخرًا من أن هجمات الطائرات بدون طيار على خط أنابيب النفط السعودي في 14 مايوالماضى – والتي زعم المتمردون الحوثيون في اليمن أنها مدعومة من إيران – كانت في الحقيقة من العراق.
التقديرات تؤشر إلى طول أمد استراتيجية تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن ،فى ظل التوقعات بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن يخوض حرباً ضد إيران قبل الانتخابات الرئاسية العام المقبل، ومع إدراك نظام طهران لذلك جيداً والرهانات المعقودة على ألا يتم انتخابه مرة ثانية . لكن من الوارد أيضاً أن تخرج الأمور عن السيطرة في ظل الحشد الهائل من البوارج والسفن الحربية التي تجوب مياه المنطقة في الخليج وبحر عمان ومضيق هرمز وخليج عدن وباب المندب، مما يعني تزايد احتمالات وقوع مواجهة مسلحة ولو بطريق الخطأ.
هنا تبرز سوريا باعتبارها البؤرة الأكثر ترجيحاً التي سينشب فيها الصراع بين واشنطن وطهران نظراً لعدة عوامل أهمها انها نقطة محورية ضمن نقاط النفوذ الإيرانى فضلاً عن حدودها المتاخمة للعراق ولبنان وإسرائيل إلى جانب قربها النسبى من دول ذات أهمية فى الصراع مثل السعودية واليمن. حيث أقام الوكلاء الإيرانيون من المقاتلين الشيعة الباكستانيين والأفغان إلى قوات حزب الله وجودًا مكثفًا خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت ثماني سنوات لدعم حكومة الأسد ضد المتمردين المناهضين للنظام. في سوريا ، مارست إيران حتى الآن مستوى مثيرًا من ضبط النفس تجاه التحركات الأمريكية في الأجزاء الشرقية والهجمات الإسرائيلية المتكررة ضد الأهداف الإيرانية ، وكان من الأسباب الرئيسية وراء ذلك مصالح روسيا وتركيا ، والشركاء الرئيسيين لإيران في إطار عمل أستانا “،. “ومع ذلك ، يمكن لهذا الاتجاه أن يتغير بسهولة في حالة المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة. على الأرجح ستقوم الجماعات بتنشيط الجماعات الخاضعة لسيطرتها للاستيلاء على القوات الأمريكية والمواقع الإسرائيلية عبر الحدود
قد يتمثل الأمل الوحيد لتخفيف حدة التوترات وفقا لتقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية في وساطة يقوم بها طرف ثالث. ويبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد اقتنص الفرصة في تموز/يوليو عندما أرسل مبعوثاً رفيعاً إلى طهران وتحدث إلى نظيريه الإيراني والأميركي شخصياً في محاولة لإقناع الطرفين بالتراجع عن حافة الهاوية. إن وساطة ناجحة لن تكون إنجازاً قليلاً، بالنظر إلى العداء المتراكم بين الخصمين وما يبدو، حتى الآن، أهدافاً لا يمكن التوفيق بينها؛ فطهران، التي تعتبر الاستسلام لأقصى درجات الضغط أكثر خطورة من معاناتها جراء العقوبات، تسعى لتخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية واستعادة عائداتها مقابل إجراء تعديلات رمزية على الاتفاق النووي وإبداء ضبط النفس في المنطقة. واشنطن من جهتها ما تزال تحجم عن تخفيف خناق العقوبات التي تعتقد أنها ناجحة في غياب تنازلات مهمة من إيران بشأن الملف النووي، وصواريخها وسياساتها الإقليمية.
الخطوة الأولى نحو خفض التصعيد قد تتمثل في تفكيك متبادل للتوترات. يمكن أن توافق الولايات المتحدة على إعادة العمل بإعفاءاتها من العقوبات فيما يتعلق بصادرات إيران النفطية (التي ألحقت أكبر الضرر بطهران) وبالمقابل يمكن أن تستأنف طهران التزامها الكامل بالاتفاق النووي وتحجم عن تعريض الملاحة في الخليج للخطر. كما يمكن للمفاوضين أن يحققوا تقدماً باتجاه إطلاق سراح بعض الأشخاص ممن يحملون جنسية مزدوجة سجنتهم إيران استناداً إلى اتهامات مشكوك بصحتها. بعبارة أخرى، يمكن للطرفين العودة إلى نسخة معززة من الوضع الذي كان سائداً قبل أيار/مايو 2019، مع الالتزام باستئناف مفاوضات أوسع بصيغة يمكن تحديدها مستقبلاً. مثل هذا التجميد لن يحقق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، لكنه يمكن على الأقل أن يمنع سيناريو واحد يواجهه العالم اليوم يتمثل في حرب شاملة يشعلها عود ثقاب يُرمى دون مبالاة على برميل بارود المنطقة.









اضف تعليق