الرئيسية » رئيسى » ثنائية اليسار واليمين..لماذا تفشل التحالفات بين الاشتراكيين وتيارات الإسلام الحركي؟
تقارير ودراسات رئيسى

ثنائية اليسار واليمين..لماذا تفشل التحالفات بين الاشتراكيين وتيارات الإسلام الحركي؟

فى حين يبدو اليسار واليمين الإسلامى على طرفى النقيض أيديولوجيا غير ان مقتضيات  الواقعية السياسية و مصفوفة من القضايا المشتركة  فرضت تحالفات تكتيكة هشة قائمة على المصالح  متجاهلةً التنازلات عن المبادئ  بين الأحزاب والتنظيمات اليسارية والحركات اليمينية المتمثلة بالإسلام السياسي.

ثنائية اليسار واليمين لم تأت من فراغ، وإنما تنازع فيه الطرفان كل آليات التأويل التي تسمح لهما بجمع المتناقضات  فقد رأت التيارات الإسلامىة فى هذا التقارب  فرصة لإثبات أنفسهم كحركات تقدمية ليس لديها ما يحول دون  التحالف مع أحزاب يسارية فى حين دفعت الأخيرة  بمبررات على غرار أن  الحركة الإسلامية “حركة تقديمة للمقهورين” في مواجهة الإمبريالية، واستوجب هذا، على سبيل المثال، تأييد ثورة الخميني في إيران 1979، تأييداً مطلقاً باعتباره “نصير المستضعفين”.

“”  مع الإسلاميين أحياناً.. ضد الدولة دائماً”،  كان العصا السحرية التى استخدمها الاشتراكيون لحل تناقضات التحالف ويعود ذلك إلى المفهوم الذي صاغه ليون تروتسكي حول تكتيك “الجبهة المتحدة”  ولخصه تحت شعار “السير منفردين والضرب معاً”، ويعني أنّه يمكن للحزب الثوري الانخراط ضمن جبهة واسعة تضم مطالب محددة، بشرط الحفاظ على استقلاليته من خلال برنامج واضح وانضباط داخلي صارم، ولأن كتلة كبيرة من النقابات والروابط العمالية والحركات الطلابية ما زالت تحت سيطرة الأحزاب الإصلاحية بسبب قوة النفوذ الذي تملكه داخل هذه الكيانات، ولأن طبيعتهم الإصلاحية لا تستطيع المضي في طريق التحرر الثوري إلى نهايته بسبب ارتباط مصالحهم الطبقية بالأوضاع القائمة، فإنّ العمل المشترك مع الإصلاحيين من أجل كشف تناقضاتهم أمام قواعدهم الجماهيرية وجذب مؤيديهم من عمال وطلبة ومهنيين وكافة الشرائح الاجتماعية إلى المشروع الثوري، يُعد ضرورة نضالية.

خارطة التحالفات بين النقيضين تزخر بنماذج عدة فرضتها الظرفية السياسية و تتوزع جغرافيا على محيط الشرق الأوسط , ففى تركيا  استطاع حزب العدالة والتنمية أن  يقود تحالفا حكوميا مكونا من أربعة أحزاب مختلفة المشارب والايديولوجيا والمبادئ،  أهم يميزه هو التقارب بين الحزب الحاكم  ذو التوجه الاسلاموي وحزب التقدم والاشتراكية ذو التوجهات اليسارية، هذا التفاهم الذي  وصل لحد التنسيق الميداني في انتخابات 2015 وما تلاها من تباد ل للهدايا السياسية بين الطرفين على مستوى رأسيات الجهات والدعم اللامشروط من جانب العدالة والتنمية  لرفاقهم التقدميين في انتخابات رئاسة  مجلس المستشارين.

ومع ذلك لايمكن اعتبار هذا التحالف منطقياً إذ ياتى  خاضعاً تحت وطأة الظرفية السياسية والمصلحة الضيقة و بالنظر لتشكيل الحكومة التركية حزب التقدم والاشتراكية ضمن الأحزاب التي عرض عليها التحالف مع امتيازات تمثلت في حقائب  وزارية إضافية ولها علاقة بالقطاعات الاجتماعية، وكذا النسبة التي حصل عليها هذا الحزب أثناء  توزيع كعكة المناصب العليا  , يضاف إلى ذلك التراشق بين الحزبين من جهة وحزب الأصالة والمعاصرة بمايعنى أن هناك عدو مشترك ومصلحة مشتركة بين الطرفين مما يجعل هذا التحالف صامدا لأن كل الخيارات أمامه ضيقة .

تفاهمات الضرورة بين اليمين الإسلامى والاشتراكيين التقدميين فى تركيا تحيلنا إلى تجربة أخرى فى العراق دفع اليسار من خلالها ثمناً باهظاً حين تحالفت قيادة الحزب الشيوعي مع الإسلاميين، موقعةً نفسها في براثن الوصولية ومستنقع الانتهازية والفئوية والنعرات الطائفية لإسقاط النظام السابقلقد فعلت قيادة الحزب الشيوعي العراقي ذلك، وظلت حتى الآن تبحث لها عن قدم في العملية السياسية المحاصصاتية الفاسدة دون جدوى، ولم تأخذ عبرةً من التجربة القاسية لحزب “توده” الإيراني الذي ساند الثورة الخمينية الإسلامية عام 1979 حتى جاءت نتائجها مؤسفةً حينما غدر نظام الملالي وولاية الفقيه بقيادات الحزب وكوادره بإعدامهم واحداً تلو الآخر

وفى المغرب فشل التحالف تحالف اليسار الراديكتلي المغربي مع جماعة العدل والإحسان والذين أسسوا حركة 20 فبراير في محاولة منهم لنقل التجربة التونسية (تحالف حزب النهضة المحضور والجبهة الشعبية) وكذا التجربة المصرية (تحالف الإخوان المسلمين  مع اليسار الراديكالي ) لصعوبة تحقيق التوافق بينهما نظرا للتاريخ الدموي بين الطرفين ادى إلى  انسحاب جماعة العدل والاحسان من الحركة، رغم المحاولات التي قادها المعطي منجب لمعاودة الكرة ودفاعه المستميت على تحالف استراتيجي مستقبلي بين اليسار الراديكالي وجماعة العدل والإحسان

ضعف القاعدة الجماهيرية لدى أحزاب اليسار رجحت  كفة الإسلاميين في فرض شروطهم وبدلاً من إشاعة الوعي الاشتراكي الثوري بين صفوف الطبقات الوسطى والشرائح المنتمية إلى البرجوازية الصغرى ذات الأصول الريفية التي تشكل القاعدة العريضة للتيارات الإسلامية اضطر الاشتراكيون في بعض الأحيان إلى تبني خطاب ديني لمغازلة تلك الحركات .

الماضي الدموي والاختلاف الأيديولوجي لا زالا يحولا  دون أي  تقارب أو  تفاهم على أرضية سياسية قادرة على خلخلة أى مشهد سياسي  , إذ أن  التحالفات  الهشة بين اليسار و اليمين  عادة ماتنتهى  بمجرد سقوط الانظمة أي العدو لتنطلق بعد ذلك مرحلة الصراع والتدافع حول المصلحة الذاتية لكل طرف. وثمة ثنائية أخرى، في أغلب الظن، تتقدم اليوم للحلول محل تلك القديمة. إنها ثنائية الديمقراطية والشعبوية، أي اللعب في الوسط والشد يميناً أو يساراً داخل هذا الوسط، مقابل اللعب في الأطراف ومحاولة الانقضاض منها على الوسط، وتالياً على المجتمع في عمومه. وإذا كانت كل منهما، الديمقراطية والشعبوية، تتسع ليسار (ديمقراطي أو شعبوي) كما تتّسع ليمين (ديمقراطي أو شعبوي)، فإن تصور السياسة يقع في القلب من سجالهما: في الديمقراطية تحتل المؤسسات والتسويات موقعاً مركزياً هو نفسه الذي تحتله، في الشعبوية، مفاهيم الصراع والعداوة والقومية.