الرئيسية » رئيسى » الاتفاق التركي العراقي يمنح الأمل في انفراجة أوسع
تقارير ودراسات رئيسى

الاتفاق التركي العراقي يمنح الأمل في انفراجة أوسع

لقد تم توقيع اتفاقية هامة الأسبوع الماضي بين العراق وتركيا بهدف تهدئة التوترات وتعزيز التعاون في عدد من المجالات، بما في ذلك العسكرية والأمنية والاقتصادية وإدارة الموارد المائية.
وكجزء من الاتفاقية، سيتم إنشاء منشأة تدريب عسكري مشتركة في بعشيقة، وتكثيف العمليات التعاونية ضد حزب العمال الكردستاني، وبدء مشروع للبنية التحتية والتجارة بقيمة 17 مليار دولار يسمى طريق التنمية. كما تم التوقيع على اتفاقية لمدة 10 سنوات بشأن إدارة الموارد المائية لضمان التوزيع العادل للمياه.
لقد تم اتخاذ خطوة مهمة في تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين من خلال هذه الاتفاقية. لكنها بالوقت ذاته تثير تساؤلاً حول تأثيرها على منطقة بلاد الشام وبشكل خاص الملف السوري بالنسبة لتركيا والعديد من أصحاب المصلحة الآخرين.

ومثلها كمثل علاقات أنقرة مع سوريا، كانت هناك عداءات طويلة الأمد بين تركيا والعراق، ويرجع ذلك في الغالب إلى وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. وتشكل هذه التوترات الخلفية الرئيسية لهذه الصفقة.

وقد نتجت العديد من الصراعات عن أنشطة حزب العمال الكردستاني. على سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني 2024 وديسمبر/كانون الأول 2023، وجهت تركيا ضربات جوية إلى مواقع حزب العمال الكردستاني في العراق بعد مقتل جنود أتراك في معارك مع مقاتلي الجماعة. كما تفاقمت الاحتكاكات بسبب الخلافات حول موارد المياه في نهري دجلة والفرات، فضلاً عن المشاكل الاقتصادية المتعلقة بالتعاون التجاري والطاقة. ويشكل الاتفاق الجديد بداية الطريق نحو إنهاء هذه القضايا القائمة منذ فترة طويلة.

إذا انتقلنا إلى سوريا، نلاحظ أن التدخل العسكري التركي في شمال البلاد لا يزال كبيرا، ويركز على المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. بدأ هذا الوجود مع الحركات الشعبية في عام 2011 ضد بشار الأسد. نحتاج أيضًا إلى أن نتذكر أن قوات سوريا الديمقراطية لا تزال مدعومة من الولايات المتحدة، مما يزيد من تعقيد الوضع. وعلى الرغم من ذلك، هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرارًا وتكرارًا بمزيد من الأعمال العسكرية في المنطقة، مع التركيز على تل رفعت ومنبج. وتتمتع هذه المناطق بأهمية استراتيجية، حيث عملت كمركز للعمليات التركية ضد نفوذ القوات الكردية، التي تربطها أنقرة بحزب العمال الكردستاني.

شهد شمال سوريا نشاطًا عسكريًا بشكل مستمر، وتستمر التقارير عن الغارات الجوية والعمليات العسكرية في إبقاء الوضع متوترًا. ومن الجدير بالذكر أن تركيا شهدت مؤخرًا أعمال شغب معادية لسوريا، وهي مؤشر على تصاعد المشاعر المعادية لسوريا والاضطرابات الداخلية. بالإضافة إلى ذلك، اندلعت المعارك في شمال سوريا في مناطق خاضعة لسيطرة جماعات المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

وينعكس كل هذا في العلاقات التركية السورية، التي اتسمت مؤخرًا بمزيج من العداء والتحركات الحذرة في اتجاه المصالحة. فبعد دعم المعارضة السورية سابقًا، أشار أردوغان إلى رغبته في السلام مع الأسد. ويتزامن هذا الإجراء مع إعادة تأهيل الرئيس السوري، مع تحرك الجهود العربية في نفس الاتجاه. وكانت الاجتماعات على المستوى الأمني، والمحادثات بشأن إعادة اللاجئين السوريين المحتملين والتعاون في مكافحة الإرهاب، كلها جزءًا من الجهود الدبلوماسية.

ولكن لا يزال هناك العديد من التحديات الكبرى. إن الحكومة السورية تطلب من الجيش التركي مغادرة الأراضي السورية والتوقف عن تقديم المساعدة لمنظمات المعارضة. وعلاوة على ذلك، فإن الديناميكيات الإقليمية المعقدة، والتي تشمل علاقات سوريا مع روسيا وإيران، تعقد المحاولات الإيجابية لتركيا. وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن التحركات الدبلوماسية الأخيرة تشير إلى تحول حذر ولكن ملحوظ في العلاقة بين البلدين. ومن ثم فإن الاتفاق العراقي التركي يمكن أن يعمل كخريطة طريق لتخفيف التوترات وإيجاد حل سلمي في شمال سوريا.

ومع ذلك، يمكن تفسيره أيضًا على أنه تخفيف تركي للتوترات لتجنب جبهة ثانية في حالة تدهور العلاقات مع سوريا. وكما ذكرنا، فإن النهج الجديد لأردوغان يشير إلى رغبة حقيقية في تخفيف التوترات. وحقيقة أن العراق وسوريا متوافقان عندما يتعلق الأمر بروسيا وإيران هي مؤشر قوي على استقرار أكبر محتمل. وعلاوة على ذلك، يمكن للمرء أن يتوقع بوضوح رغبة بغداد في إعادة تنظيم أو إعادة معايرة علاقتها مع طهران، سعياً إلى تحقيق توازن أكبر مع بقية الشرق الأوسط. ويمكن أن ينطبق نفس الشيء أيضًا على الأسد، الذي، على الرغم مما يعتقده المحللون، سيرحب بخفض الاعتماد على طهران. إن الجميع يريد أن يكون الرئيس في وطنه.

في غضون ذلك، لا يزال تنظيم داعش يحتفظ بوجوده في شمال سوريا، وخاصة في جيوب محافظة إدلب، فضلاً عن المناطق الصحراوية في حمص ودرعا والسويداء ودير الزور. وعلى الرغم من خسارة معظم أراضيه بحلول عام 2019، واصل داعش شن الهجمات. ويشكل هذا التهديد تحديات أمنية مستمرة في المنطقة. وقد تكون هناك جهود أوسع من جانب تركيا لدعم القضاء عليه، وهذا من شأنه أن يتماشى مع استراتيجية أنقرة الأوسع لتأمين حدودها والقضاء على التهديدات الإرهابية. ومع ذلك، فإن هذا يتطلب أن تشمل هذه الجهود أيضاً استهداف قوات سوريا الديمقراطية.

لا شك أن الأمور سوف تستغرق وقتاً، وأولاً وقبل كل شيء، يجب أن يلتزم الاتفاق العراقي. وفي وقت يتقاسم فيه الأصدقاء والأعداء التعب والخوف من المجهول ــ وتفاقم منذ بدء الحرب في غزة ــ فإن هذا يشكل مع ذلك فرصة مهمة لاستقرار العلاقات من بلاد الشام بما في ذلك لبنان إلى القوقاز. ولكن هذا سوف ينطوي على عملية موازنة معقدة لجميع البلدان المعنية. وبالإضافة إلى سوريا، أبدت تركيا رغبتها في تخفيف التوترات مع كل من إيران وروسيا، كما شهدت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن إلى أذربيجان حليفة تركيا هذا الأسبوع. وفي حين يرغب كثيرون في رؤية اتفاق بين تركيا وسوريا ويأملون أن يكون ذلك بمثابة إشارة إلى إعادة التوازن بعيداً عن نفوذ طهران في دمشق، فإن الواقع قد ينطوي على أشكال جديدة من المشاركة بين جميع القوى، مع مزيج من التعاون والمواجهة المنضبطة.