البشر قد يسلكون دوربا متباينة ولكن تتقاطع ظلالهم وتتلاقى, ظلال عبد الملك الحوثى وحسن نصر الله التقت على رقعة النظام الملائى , أطياف المذهبية وهلاوس الاصطفاء كانت حلقة الاتصال الفكرى والتاريخى بينهما . وعلى الرغم من التمايز العقائدى إلا أن الحوثى الصغير مصر على ارتداء قفاز نصر الله طامعاً فى زعامة تتجاوز حدود بلاده التي كانت تسمى يوما ما “اليمن السعيد”
صورة حسن نصر الله تتراقص بعينى القائد الصغير, فليست الأقدار هى التى دفعته لاعتلاء المنبر عقب انصراف المصلين وهو فى سن الثامنة ليخطب مصغياً لرجع صوته في الفراغ, بل شغف الفتى فى أن يتجاوز صدى صوته عرض اليمن وطموحه فى أن يتحول إلى قائد طليعى تتلقف دوائر القرار خطبه التى يبثها بشكل دورى على قناة المسيرة ليستشرفوا من خلالها مستقبل اليمن . كما أن تعلق عبد الملك الحوثي بسيرة جده الإمام القاسم بن محمد (1557 ـ 1620) الذي قاد ثورة ضد الاحتلال العثماني الأول لليمن، ليس مصادفة قدرية ولكنها لامست شغاف روحه المتطلعة للزعامة .
عندما التقيته للمرة الأولى فى عام 2005 كان اسماً معلوماً لوجه غير معروف ,شاب يشعر بوطأة الغبن الذى وقع على الزيود تولى قيادة الحركة بعد مقتل شقيقه حسين بدر الدين فى الحرب الاولى، حريص على التخفى فهو لايكشف عن ملامحه حتى ولو بمقابلة صحفية , يعرض قضية الحوثيين باعتبارها مظلمة ومؤامرة من الرئيس صالح على معقل الزيدية بصعدة .وينفى رغبته فى عودة الحكم الامامى لليمن كما يروج النظام الحاكم مستشهداً بتمثيلهم داخل البرلمان من قبل اخىه يحيى الحوثى, ويراها دليلاً على تسليمهم بالدستور الذى يعطى شرعية للحكم. فالصراع كما يقول عبد الملك بنفسه “لم يكن صراعا على السلطة وانما كان على اساس توجهنا الثقافى والسياسى والذى اردوا الهيمنة عليه وجعلنا مجرد ورقة تستعملها السلطة كيفما شاءت وعندما رفضنا حدث ما حدث”.
ربما لم يدر بخلد المراهق السياسى حينها أن تنقلب دفة الأحداث ليبدأ رحلة الصعود للهاوية ,فعبد الملك الحوثى الذى لم يتلق أى تعليم نظامى باستثناء بعض الدورس الفقهية الزيدية فى الحلقات الدينية،يقدم اليوم عزفاُ منفردا يعيش وسط ملايين الاتياع يرى نفسه “مهدى” هذا الزمان ويصدر لأتباعه صورته باعتباره المهدى المنتظر أو المخلص يدعمه فى ذلك العقيدة الزيدية والتى يؤمن اتباعها بأن الإمام موجود وليس عليه سوى الإعلان عن نفسه . مسيرة التحول فى شخصية الحوثى شهدت عدة مسارات قبل أن تدخل طور الاكتمال كنسخة مصغرة أو مقلدة من حسن نصر الله .
التربة المهيأة لاستقبال رسائل الحرب كانت مداراً مثالىاً لبزوغ نجم الحوثى ففى العاشر من سبتمبر عام 2004 قتل شقيقه الأكبر (حسين بن بدر الدين الحوثي) مؤسس الحركة أثناء الحرب فخلفه عبد الملك فى قيادة الجماعة ،ولم يكن قد أتم الخامسة والعشرين من العمر، ورغم قلة خبرته إلا أن دعم والده ” يدر الدين الحوثى ” الزعيم الروحى للحركة , مكنه من إزاحة منافسه القوى القائد الميداني عبد الله بن عيضة الرزامي، الذى سلم نفسه إلى السلطات اليمنية في 23 يونيو 2005 لينفرد عبد الملك بقيادة الجماعة الحوثية .
وفى تلك الرحبة التى تسجيها النيران استطاع عبد الملك أن يختصر المسافة من خلال آلة الحرب المفتوحة على الزمان والمكان حيث خاض بصفته القيادية 4 جولات من القتال مع الدولة اليمنية، وذاع صيته كقائد ميدانى للحركة الشيعية لكنه أحاط نفسه بهالة من الغموض ربما كان سببها أمنياً حين ذاك , و ظلت ملامحه مجهوله, فالشعب اليمني لم يرى صورة واضحة للحوثي إلا في أواخر 2008 عندما وزّع مكتبه صورا حديثة وواضحة الملامح، فيما عُدّ حدثًا إعلاميًا آنذاك.ومع ذلك ظلت المعلومات المتداولة عن شخصية الحوثى شحيحًة للغاية ولا تسمح بتكوين صورة متكاملة عنه .
وسط ركام الحرب والربيع العربى سنحت للحوثى فرصة تاريخية كانت بمثابة إعلان وجود حقيقي للحركة وقائدها على ساحة اليمن ككل .حيث استفاد من اندلاع الثورة الشعبية ضد نظام على عبدالله صالح فى فبراير 2011 وشاركت الجماعة بالمظاهرات كما احكمت من سيطرتها على صعدة وفى ساحة التغيير ومن خلال عرضهم لمظلوميتهم فى حروب صعدة وخطبهم التى ألهبت مشاعر المتواجدين نجحوا فى كسب المزيد من التعاطف خاصة وأن سلوكهم كان هادئاً وتحركاتهم لا تميل للهيمنة. ومع امتناع الحوثيين عن التوقيع على وثيقة مخرجات الحوار الوطنى ، اتجهوا إلى التصعيد العسكري مباشرة ، وكان هدفهم محافظة عمران الاستراتيجية ونجحوا باسقاط الجناح القبلي ثم العسكري لحزب الإصلاح واستثمار أخطاء الآخرين، فاستغلوا رفع الحكومة للدعم عن المشتقات النفطية يوم 31 يوليو2014 ليسيروا مظاهرات هدفها اسقاط الحكومة .
ربما كانت أقصى تطلعات الحوثى يوما ما هو الانفراد بمحافظة صعدة ولكنه يجلس اليوم منفرداً على كرسى الحكم فى اليمن حتى وإن كان على صالح الصماد الرئيس الحالى للمجلس السياسي الأعلى. عدالملك الحوثى الآن المرشد الأعلى للثورة , لم يسع للسلطة فهو يملك من الزعامة الروحية والدينية ما يجعله اقوى من الرئيس الصماد ,اكتفى فقط بلقب قائد المسيرة القرانية , وهتافات الملايين من اتباعه المصحوبة بآيات التقديس فهو القائد الملهم على حد وصف أحدهم له قائلا” يتصدر النسق الأول للمعركة محارباً صلباً في خنادق المحاربين، وسياسياً نافذ البصيرة في لقاءاته بالقوى السياسية، واقتصادياً ملماً بالمعضلات طامحاً في البدائل في معرض اجتماعاته بالتجار ورجال الأعمال، وموجهاً حصيفاً في نقاشاته مع الإعلاميين”
الحوثي، الذي يُتبع أنصاره اسمه بتعبير “عليه السلام” ويسبقونه بـ” السيد ” مصمم على المضى بمشروعه و استنساخ تجربة حزب الله اللبنانى على أرض اليمن . فأنشأ العديد من القنوات الفضائية على غرار قناة المنار اللبنانية كان ابرزها قناة المسيرة التي تم اطلاق أول بث تجريبي لها في 23 مارس 2012 ولعبت تلك القناة دورا كبيراً في توصيل أفكار الجماعة ونشر ملازم مؤسس الحركة حسين بدر الدين الحوثي والتى تعد مرجعاً مقدساً لهم، وهي عبارة عن محاضرات ودروس تسجيلية ألقيت في أماكن وملتقيات ومدارس ومنتديات عامة ومراكز تابعة للجماعة في صعدة وأسهم ذلك بشكل جيد فى انتشارها على نطاق واسع داخل اليمن وفي تزايد أنصارهم، كما كان لها دور مهم في التصدي للحملة الإعلامية المضادة لهم. وبالإضافة إلى القنوات الفضائية أطلق الحوثيون العديد من المحطات الإذاعية الخاصة بهم مثل إذاعة سام أف إم وكذلك العديد من المواقع الإخبارية.
والمتتبع لخطابات عبد الملك يلمس تغيرا واضحاً بها, قبل ثورة فبرايركانت خطاباته معادية للولايات المتحدة ذات صبغة حماسية يستلهمها من قضايا الأمة ومظالم الزيدية . لكن فى أعقاب ثورة 2011 وتحديداً فى عام 2014 بدأت لغة الخطاب فى التحول بشكل تدريجي واتسمت بالقوة والثقة وأخذت طابع الزعامة .فهو الآن يلعب دور البطولة ويتحدث ويتفاوض باعتباره الرجل الأول .
مفردات خطب القائد الحوثي لا تخلو من تأثر بمفردات حسن نصر الله مثل مفردة “الطاغوت”في الاشارة للظلم. ، أو مفردات دينية متداولة بشكل أوسع مثل الحق والباطل، الجهاد، الولاية . هى أيضاً خطابات طويلة ومرتجلة يبدأها بقضايا الأمة وإسرائيل ثم ينعطف خلالها إلى السياسات الداخلية مستخدماً فن التشويق الإعلامى عبر التهديد باتخاذ خطوات تصعيدية لاحقة ,فى تقمص واضح لشخصية زعيم حزب الله .
وبأسلوب مماثل لنصر الله يمزج الحوثي لغة حازمة مستخدما نفس الطبقات الصوتية مع ايماءات تتأرجح مابين الجدية والابتسامات الساخرة , يلوح بسبابته اليمنى بينما يزين خنصره خاتم من الفضة والعقيق رغم حرصه على تأكيد هويته اليمنية من خلال ارتداء الزى التقليدى الجنبية ووضع كوفيه على كتفيه. . ويعمد عبدالملك إلى استنساخ حتى الكادر التلفزيوني الذي يظهر فيه نصر الله ولا يظهر في الاجتماعات أو المناسبات العامة إلا عبر الشاشات ، يتحصن في معقله بمسقط رأسه ، وتبث كلماته من مكان مغلق.
ماأسهل الزعامة عندما يتحول الدين إلى آداة لتحقيقها , وقد نجح بالفعل فى قلب موازين القوى السياسية اليمنية، وتمكن من فرض نفسه كلاعب أساسى في المعترك السياسي الداخلى والإقليمى , لكن مالا يدركه الحوثى أن مغازلة مخيلة أتباعه بالشعارات الدينية ليس معناه أنه يحمل مغاليق المستقبل., فحكم اليمن, على حد وصف الرئيس السابق على عبدالله صالح , أشبه بالرقص على رؤوس الثعابين لكن ما لم يكن يدركه صالح أن الثعابين تختبىء تحت قماط الملالى .









اضف تعليق